عبدالامير المجر
الاسبوع الماضي، رحل اثنان من ابرز رجالات مصر والعرب، هما بطرس بطرس غالي، الامين العام الاسبق للامم المتحدة ومحمد حسنين هيكل، ابرز كاتب سياسي عربي في القرن العشرين. الرجلان عمّرا طويلا وتمكنا خلال سني رحلتهما الحياتية الحافلة من قول مالديهما، كلّ من مشغله، وتركا جهدهما ومواقفهما في ذمة التاريخ. ومن خلال متابعتي لردود الافعال على خبر رحيلهما المتزامن، استوقفتني غزارة ما كتب عن هيكل مقارنة بما كتب عن غالي الذي مر خبر رحيله مرور الكرام، بالرغم من ان الاخير، شغل مواقع مهمة سواء في بلده مصر او على مستوى العالم، اذ تبوأ منصب الامين العام للفرانكفونية، او الدول الناطقة بالفرنسية، بعد تركه موقعه امينا عاما للامم المتحدة، وقبل هذا وذاك شغل موقع وزير الدولة المصرية للشؤون الخارجية، اثناء (عملية السلام) مع اسرائيل، التي كان من بين تداعياتها مصريا، استقالة وزير الخارجية وقتذاك، اسماعيل فهمي ومسؤولون مصريون اخرون اضافة الى انشقاق الوسط الثقافي هناك بين رافض ومؤيد، وصدى تلك المواقف في الميدان العربي بكل فعالياته.وعلى الرغم من تقادم الزمن على تلك الحقائق وتغيّر المواقف والنظرة الى مسألة السلام مع اسرائيل ، الا انها القت بظلالها على ردود الفعل العربية ونسبتها ونوعيتها،بعد ان تناقلت وسائل الاعلام خبر رحيل الرجلين.
قبل مدة كتبت عن الفنان المصري عمر الشريف لمناسبة رحيله، وذكرت انه بالرغم من كونه فنانا مبدعا وصل باجتهاده الى العالمية، وإن دخلها مصادفة من خلال فيلم (لورنس العرب)، الا انه كرس نفسه فنانا عالميا، حصد الكثير من الجوائز وفرض اسمه بين اهم الاسماء العالمية في مجال الفن السابع، لكن ذلك لم يمنحه، على مستوى مصر والبلدان العربية، المكانة التي يحظى بها فنانون مصريون اخرون، ممن ظل ميدان اهتمامهم الوحيد هو بلدهم مصر، واسهموا في افلام لم تصل الى العالمية لكنها ظلت ارسخ في الذاكرة المصرية والعربية كونها تناولت هما محليا وعالجت قضايا لامست وجدان الانسان في مصر والعرب عموما .. ولعل الامر لايختلف كثيرا مع غالي الذي ظل حضوره السياسي داخل بلده وظهوره كمفاوض بارز اثناء (مفاوضات السلام) رهن الخلاف العربي والمصري على الخطوة برمتها، أي ان تلك المفاوضات بقدر ما قدمته كشخصية دبلوماسية ويمتلك ثقافة سياسية واسعة، أهّلته لاحقا لان يكون على راس اكبر مؤسسة عالمية، وهو موقع يستحقه، على المستوى المهني، بعيدا عن اهواء السياسة وبوصلتها المتأرجحة، لكنها لم تمنحه صورة البطل في نظر العرب مثلما لم يمنحه موقعه في الامم المتحدة تلك الصورة ايضا، كونه ظل مغلول اليد، بينما في المقابل كان هيكل قبل (عملية السلام) وبعدها صحفيا مرموقا وكاتبا سياسيا من طراز كبير، يعالج قضايا عصره بعينه هو ويعبر عنها برؤيته هو ايضا، غير آبه بمن يختلف معه او يتفق، وواصل مشواره هذا، مشغولا بقضايا العرب المختلفة يرصد ويحلل، وظل العرب، المثقفون منهم والمهتمون وحتى عامة الناس، يتابعون كتاباته وتصريحاته حول الاحداث. ويقرؤون مقولاته ويحللونها، الذين ينسجمون مع رؤاه ابتداء او الذين يختلفون معها! فالرجل بما امتلك من خبرة صار مرجعا للجميع يصغون اليه جميعا حين يتحدث وبعد ذلك ينقسمون بشأنه بين شاتم له ومعجب به! او قل هكذا كان هيكل لاسيما في سنينه الاخيرة التي كانت آراؤه في احداثها المتداخلة والشائكة تزعج الكثيرين وتثير قلق واهتمام الكثيرون كذلك، وفي المحصلة النهائية، ظل هيكل مثابة تحليلية لكل من يريد ان يعرف ماذا يدور وراء ظهورنا، فهو ذاكرة حية لاحداث جسام التقى خلالها الكثيرين من صنّاع القرار في العالم، وهو العارف بخفايا اللعبة السياسية في محركاتها الكبرى. اما بطرس بطرس غالي فبالرغم من مكانته العالمية ظل بعيدا عن وجدان غالبية العرب، فالرجل بالرغم من سطوع نجمه عالميا، لكن ربما لم يحالفه الحظ ولم تسعفه الاقدار ليعبّر عن قدراته في مجالات اقرب الى نفوس الناس، اذ تسلم موقعه كوزير دولة للشؤون الخارجية في العام 1978 ليكون جزءا من اتفاقية (كامب ديفيد) التي لم تات بالسلام المنشود، وظلت فلسطين الجرح الذي صار يتناسل جروحا اخرى اتت على العرب كلهم تقريبا وجعلتهم جميعا يشبهون (قضيتهم الاولى)! وحين اصبح امينا عاما للامم المتحدة، فانه تسلم موقعه في مرحلة قلقة تمثلت بانهيار المعسكر الاشتراكي وزمن الانقسام العربي بعد حرب العام 1991 وهيمنة المعسكر الغربي بقيادة اميركا،الذي بالغ في اهانة العرب والاستهتار بهم وبالكثير من قضايا العالم، من دون ان يستطيع غالي فعل أي شيء، وقد عبّر عن ذلك بعد خروجه من موقعه! وحين تسلم موقعه امينا عاما للفرانكفونية فان غالبية الناس لم تكن معنية بالامر،ورأى الكثيرون ذلك مجرد وظيفة جديدة لمسؤول فقد وظيفته السابقة، وفي الوظيفتين لم يكن العرب آبهين بما يقوم به الرجل، لان الامر لم يكن يعنيهم كثيرا!
يبقى في كل الاحوال، ومهما اتفق البعض او اختلف مع الرجلين، فانهما ومن دون ادنى شك تركا بصمتيهما بجهدهما واجتهادهما، وظلا في مشوارهما الحياتي يعملان من اجل غد اجمل لوطنهما وللانسانية جمعاء بالتاكيد.