انعام كجه جي
وقبعة اللغة الفرنسية هي تلك الحركة التي تشبه سقف الكوخ أو الرقم ثمانية بالحرف الهندي، وتوضع، في عدد من المفردات، فوق حروف العلّة، الصوتية، ليأتي نطقها مفخماً. إن لغة فولتير التي يُقال بأنها الأنسب للغزل من بين كل لغات العالم، تستخدم أنواعًا من الحركات الإملائية التي تغيّر من صوت نطق الحرف، حالها حال اللغة العربية. وهنا أفتح قوسًا لأستدرك بأن لا فولتير ولا أجداد أجداده يبزون جدودنا شعراء الجاهلية في الغزل، أو ما سمّوه التشبيب والنسيب. فقد وشوش الفرنسيون ولعلع العرب. وأترك لكم الحكم: من ينتصر في المباراة، الوشوشة أم اللعلعة؟
ما حكاية القبعة؟ لقد قررت وزارة التربية الوطنية في فرنسا إجراء عدد من التعديلات لتسهيل الإملاء على تلاميذ المدارس. وعليه يجري طبع مناهج جديدة واعتماد التعديلات اعتبارًا من العام الدراسي في الخريف المقبل. وأبرز ما في تخفيف العبء عن التلاميذ وغيرهم من الناطقين بالفرنسية، حذف الحركة المسماة بالقبعة من عدد من الكلمات، باعتبار أن الزمن تخطاها وما عاد جلوسها فوق الحروف ضروريًا. وحال نشر الخبر، ظهرت الصحف بعناوين من نوع «وفاة حركات التشكيل»، و«وداعًا للقبعة». لكن هذا التهافت الإعلامي العفوي لم يكن سوى الواجهة الخارجية لقرار لا يمكن للمحافظين أن يدعوه يمر مرور الكرام، ولا اللئام. إن إزالة القبعة «دونها خرط القتاد»، كما يقول المثل العربي. أي أنها مؤلمة مثل خرط أشواك شجر القَتاد أو إزالتها براحة الكفّ. ورغم أن مشروع تسهيل الإملاء يعود إلى عام 1990 وقد صدر مرسوم بشأنه في الجريدة الرسمية، فقد انتفضت كرامة أعضاء الأكاديمية الفرنسية، حماة اللغة التي هيهات أن تمتد إلى قبعتها يد. وبما أن الزي الرسمي للأعضاء يشبه بزة قدماء العساكر ويتضمن سيفًا يتدلى على الجانب، فلم يكن ينقصهم سوى أن يهبوا هاتفين: «سيف فليُشهر ويد فلتُقطع». جاءت غضبة الأكاديمية على لسان أمينتها العامة هيلين كارير دانكوس. ولقبها الرسمي هو «الأمينة الدائمة»، نظرًا لأن هذا الصرح المعرفي العريق يُعرف بين الفرنسيين بأنه «مجمع الخالدين». وأدلت مدام كارير لانكوس بحديث صحافي رفضت فيه تدخّل وزارة التربية في قضية ليست من اختصاصها. فقد أنشأ الكاردينال ريشيليو، وزير الملك لويس الثالث عشر، أكاديمية اللغة الفرنسية في عام 1635 لتكون قيّمة على اللغة من عبث العامة. ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم يتولى أعضاؤها الأربعون، لا يزيدون ولا ينقصون، إصدار طبعات متتالية من المعجم اللغوي الخاص ويقومون بالضرب على أيدي العابثين. إن الأمينة الدائمة لا تعترض على فكرة تطوير اللغة بما يناسب العصر، بعد أن تدهورت الفرنسية أمام الإنجليزية، لكنها ترفض رفضًا قاطعًا أن «تنبش وزارة التربية قرارًا جرى دفنه منذ ربع قرن». من خوّل وزيرة التربية أن تتعامل بهذا الأسلوب السلطوي مع لغة لا تتطور إلا وفق مقتضيات الواقع والعصر؟
يبدو أن وراء القبعة ما وراءها. فوزيرة التربية شابة مهاجرة في أواسط الثلاثين من العمر، ما زالت تحتفظ بجنسيتها المغربية، واسمها نجاة بلقاسم. أما الأمينة الدائمة فسيدة في أواسط الثمانين، تتحدر من أصول جورجية أرستقراطية وتحمل أرفع أوسمة الجمهورية. ألم يكن طيب الذكر شكسبير حكيمًا حين كتب عن رائحة عفن ما في مملكة الدنمارك؟ يبدو أن للجمهوريات، أيضًا، روائحها. فكم من مواقف وتعليقات وابتسامات صفراء، تنطوي على نَفَس عنصري، لاحقت الوزيرات الفرنسيات ذوات الأصول العربية والأفريقية. وحتى نقابة الطلبة المتحدين رفعت الصوت ببيان هجومي ضد الوزيرة التي «تتصور نفسها مخوّلة بقلب قواعد إملاء اللغة الفرنسية». وطبعًا، فقد رددت مواقع التواصل الاجتماعي أصداء المعركة وكتب مغردون يتهمون الوزيرة بـ«الخيانة» وبأنها توجّه لطمة للغة الفرنسية وهي ليست سوى دمية في يد الحاكم الاشتراكي.