ريمون العراقي وهنري الياباني

إنعام كجه جي 
منتصف الشهر الماضي، في عيد الحب، أرسلت من هذه الزاوية تحية إلى عاشقين عراقيين في ربيعهما الثمانين، هما أستاذ الرياضيات البروفسور شكوري وزوجته السيدة نورية. وكانا قد تعارفا في جامعة آيوا الأميركية وتزوجا في بغداد قبل نصف قرن. لكنني لم أكتب اسميهما بالكامل. وأثارت التحية فضول من سألني عمن يكون ذلك البروفسور العاشق. إن للحكايات تفرعات قد تكون أغرب منها. أما الفضل في هذه التتمة فيعود إلى صاحب القصة، ولولاه لما عرفت كيف أرويها ولا تمكنت من تفكيك خيوطها.
هو ريمون شكوري. ولد أوائل الثلاثينات في زقاق من الأزقة الملتوية لمنطقة المربعة في بغداد. من ذا الذي يطلق على ابنه اسمًا أجنبيًا في ذلك الحي الشعبي الفقير؟ كان نجيب شكوري، والد ريمون، كان يتقن الإنجليزية والفرنسية لأنه درس في مدرسة للرهبان الدومنيكان في بغداد. وهو قد قرأ، ذات يوم، كتابًا راق له فقرر أن يسمي ولده البكر على اسم المؤلف: ريمون بوانكاريه. وطوال حياته، ظل نجيب يواظب على تلفّظ اسم ابنه كما ينطقه الفرنسيون، بفتح الراء والمرور على نون الختام مرور الكرام، خفيفة دون أن تكتمل بانفراج الشفتين.بوانكاريه كان رئيسًا للجمهورية الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى. وهو أيضًا خطيب فصيح ومؤلف نشر كتبًا في التاريخ والسياسة، منها الكتاب الذي قرأه نجيب شكوري في بغداد، وعنوانه «كيف تحكم فرنسا؟». وقد خلدت فرنسا سياسيّها الأديب بأن أطلقت اسمه على عدد من شوارعها ومدارسها. لكن الحكاية لم تقف عند هذا الحد بل امتدت إلى ما هو أبعد من حي المربعة. ففي طوكيو، وبعد عشرين عامًا على ولادة ريمون بن نجيب شكوري، ظهرت في الدوريات العلمية المتخصصة بحوث في الرياضيات بقلم أستاذ جامعي يدعى هيروشي ويهارا. وكانت دراسات حول الطوبولوجيا الجبرية. ولا تسألوا ما هي لأن كل ما أعرفه هو أنها تناولت الخواص الطوبولوجية بطرق مستمدة من علم الجبر. أما من توصل إلى تلك الطرائق فهو بوانكاريه متفوق آخر يدعى هنري. ابن عم الرئيس ريمون بوانكاريه. هل هناك حاجة للتذكير بأن الخوارزمي، المولود عام 780 فيما يسمى أوزبكستان اليوم، هو من وضع أسس علم الجبر بعد انتقاله إلى بغداد، حاضرة العالم يومذاك؟
يعلم عموم الفرنسيين من هو بوانكاريه الأول لكن قلة منهم تعرف الثاني. أما أساتذة الرياضيات في العالم، فإن ريمون لا يعنيهم بقدر هنري. ومن يبحث، اليوم، في الموسوعة الإلكترونية يجد مقالة واحدة تتناول رئيس الجمهورية الأسبق، وسبع عشرة مقالة حول ابن عمه عالم الرياضيات. وهو لما توفي عام 1912 خلّدت مدينة نانسي الفرنسية ذكراه وغيّرت اسم جامعتها إلى «جامعة هنري بوانكاريه». وهنا أيضًا لم تنته الحكاية. ذلك أن فتوحات هذا الأخير في الرياضيات والفيزياء والفلك لم تكن خافية عن الطالب العراقي ريمون وهو يرتاد مكتبة مدرسته الثانوية «كلية بغداد». وهناك قرأ كتاب «رجال الرياضيات» لمؤلفه إي تي بَيل. وكان الفصل الأخير بعنوان «هنري بوانكاريه آخر الشموليين».حصل ريمون شكوري، أواخر الخمسينات، على بعثة لدراسة الرياضيات في جامعة آيوا. وكانت أميركا يومذاك هي المغناطيس الذي يجتذب العلماء من كل العالم، ومنهم الدكتور الياباني هيروشي ويهارا الذي عيّنته الجامعة نفسها أستاذًا فيها. هل كان القدر هو من قاد خطى الطالب البغدادي إلى مكتب الأستاذ الياباني ليطلب منه الإشراف على رسالته للدكتوراه؟ وافق ويهارا بعد أن أعطى لريمون سبع أوراق بحثية تدور جميعها حول نتاجات هنري بوانكاريه. ولما وجد الطالب أن ورقتين منها كانتا بالفرنسية، صارح أستاذه بأنه لا يجيد تلك اللغة. لكن الياباني كان حازمًا في ردّه: «تعلّم الفرنسية. هل يمنعك دينك من تعلّمها؟».