فجوات الحل!

جمال جاسم أمين 
نتحدث كثيرا عن اهمية الفاعل الاجتماعي بحسب ترسيمة (ماكس فيبر) او الناشط الذي نتوخاه وننسى شحوب وندرة البنى التحية التي يحتاجها عمل هذا الناشط حيث يغيب البعد الاقتصادي عن تنظيراتنا عموما، وهنا في مثل هذا الحال يصبح الكلام تهويما لا غير. ننسى ان الفاعل الاقتصادي هو من اهم موجهات النشاط الانساني على الاطلاق وان التحول الثقافي بلا بنى عميقة ساندة لن يكون سوى حلم وشهية نحو الطيران لكن بلا أجنحة!. تعد هذه المسألة من البديهيات التي فصلت فيها القول أدبيات الاشتراكية العلمية لكن المهم الآن هو ان ننتبه لغفلتنا الطويلة عن اهمية هذا الفاعل، نتحدث عن التحديث بلا تنمية اقتصادية وبشرية، وعن الطبقة الوسطى التي ستقود التحول وننسى توصيف هذه الطبقة!. هل الموظفون الحكوميون في الدولة الريعية يشكلون حقا إرادة تحول؟ هذه المسألة تحتاج الى تفصيل، وإعادة فحص هذه الطبقة كي لا نقع في فخاخ التنظير العائم. في العراق تحديدا تبلبل هذا التوصيف بدرجة كبيرة ولأسباب عدة أهمها نوع الاقتصاد السائد وحرص الدولة على ان تبقى (ريعية) أحادية في كل شيء، وهنا نعيد السؤال كرة اخرى: هل العمال والموظفون الذين لا مجال لمعاشهم سوى الحكومة هم حقا طبقة وسطى تمر من خلالها متوالية الاحتجاج والتحول؟ الواقع يقول: لا، بل ان حراك الطبقة الوسطى – كما نعنيها في مقولاتنا النقدية – يحتاج الى حراك اقتصادي واسع لا يدع الدولة او الحكومة وحدها المالك لفرص العيش. ما يلفت الانتباه ايضا على صعيد فجوات الحل الذي نتوخاه او نصبو له أن الحياة السياسية التي نتحرك في فضائها تعاني شحوبا على صعيد الفكر، بلا رصد، بلا ثقافة وهو التشخيص الذي انتبه له (طه حسين) مبكرا اذ قال (انتم تشتغلون بالسياسة اكثر مما تشتغلون بالثقافة، وانتم تشتغلون بالسياسة دون فكر سياسي). الاسئلة المحرجة على هذا الصعيد هي: ماذا نسمي السياسة بلا فكر؟ كم نحتاج لتجسير العلاقة بين الطرفين باعتبار ان (الفكر مدرسة للسياسة والسياسة مدرسة للفكر) كما يقول (عبد السلام المسدي)؟، ثم هل يسمح أعداء الحل بمثل هذا التجسير؟.
لا يخفى على احد ان المشكلة مركبة خاصة في ظل غياب معيار نقدي واضح لمساءلة الاشياء والظواهر. المتطرفون لا يعترفون لك ولا يقرون انهم بلا فكر والادهى ان هناك أساطير استبداد جاهزة يتداولونها على اساس انها فكرهم السياسي!. وفي حال سؤالهم عن الجدوى الواقعية لأفكارهم هذه تجدهم لا يستحون من تزوير الواقع او اتهامه بأنه أضيق من ان يستوعبهم! الى آخر التبريرات التي صارت مملة حد القرف، وللأمانة نقول: إنهم يستفيدون من ضعف العدة النقدية وثقافة (الخراف) التي تدعم فكرة (الذئب) حتى لو كان هذا الذئب مريضا وخاويا!.
هذه المداولة وسواها يجب ان تسبق سؤالنا التقليدي عن الحل، ما صورته؟ وكيف السبيل الى بلوغه؟ لأن الانتباه على فجوات فكرة الحل يقرّب الامل في الوصول الى نتيجة ما. لا نريد للحلول ان تظل يافطات بلا واقع او خطاطة احلام نكررها كل حين وبلا جدوى. الحلول الحقيقية هي الممكنة والخالية من الفجوات، هي ما تنقلنا حقا من خانق الازمة الى رحابة الامل الاكيد.