نوزاد حسن
تذكرت اجواء «خريف البطريق» لماركيز وانا اشاهد احداث السياسة في الايام القليلة الماضية.نعم تذكرت بعض المشاهد الرمزية في تلك الرواية,واكتشفت ان السياسة عندنا تتفوق على خيال ذلك الروائي.فكل ما جاء في رواية «خريف البطريق»لا يصل الى غرابة الاحداث التي عشناها في ترقب مليء بهواجس لا نهاية لها.
لقطتان غيرتا قناعتي القديمة اذ رايت اننا نملك ايضا واقعية سحرية سياسية تثير الحيرة والاستغراب.احدى هاتين اللقطتين هي الصورة التي كشفت الحد الفاصل بين عالمين,اعني حين اعتصم السيد الصدر داخل المنطقة الخضراء اعتصاما سلميا كان على بعد مئات الامتار منه مبنى البرلمان والحكومة والسفارة الاميركية.هذا يعني ان هناك عالما ضخما يقابله عالم مختلف يتمثل بخيمة.هذه الصورة تحتوي على تناقض واضح.ومن الغريب ان اي لقاء لم يحصل بين اي من البرلمانيين مثلا او الحكومة وبين الصدر.كانت الحياة في البرلمان او الحكومة تسير من اجل وضع حل لمسألة تغيير الوزراء وفي الخيمة كان الانتظار والمطر الذي هطل على خيام المعتصمين، علامة على صعوبة الوضع.وفي النهاية حسم الظرف الابيض حالة الاعتصام على ان تتم مراقبة الخطوات التالية للحكومة بحسب ما جاء في بيان السيد الصدر الذي دعا الى فض الاعتصام،والتظاهر ايام الجمع من اجل الضغط على الحكومة للتصويت على الاسماء المقدمة من قبل رئيس الوزراء.اللقطة الثانية هي قدرة المحاصصة على تغيير جلدها,وهذا يعني ان المحاصصة في هذه الايام تطورت قليلا او صارت كائنا ارقى من ذي قبل.كيف..؟
قبل الاعتصامات كان الجميع يلقي اللوم على المحاصصة في انها السبب الاول والاخير لكل الاخطاء التي وقعت. اذن تقسيم الوطن الى حصص بين الاحزاب، كان سببا في كل هذا التدهور. ومن يراجع كل الحوارات السياسية ،يجد ان جميع السياسيين تحدثوا عن المحاصصة بكراهية تشبه كراهية النازيين لليهود،لكن حين ارتفع الظرف الابيض في حركة درامية امام العالم اخذت المحاصصة بالتكيف مع الحالة الجديدة واكتسبت مناعة اضافية.كيف..؟
بعد ان انتشرت الاسماء اعلاميا انطلقت التصريحات ووجهات النظر تتحدث عن عدم دستورية تغيير الوزراء بهذا الشكل،كما ان اغلب الكتل على ما يبدو لا تريد التخلي عن استحقاقها الانتخابي، واعلن البعض عن المشاكل التي ستظهر في حالة عدم مراعاة التوازن،وخلال عشرة ايام لا بد ان تنتهي عملية التصويت،لكن ما يقال وما نراه في وسائل الاعلام لا يشير الى ان قضية تمرير الاسماء ستكون امرا سهلا.اذن ما حدث حتى الان هو تعرض المحاصصة لخطر قد ينهي حياتها،لكنها مثل اي كائن حي تطورت,وامتصت عناصر الحياة من البيئة المحيطة بها,وتحولت الى كائن ارقى اسمه التوازن.لقد احب البعض المحاصصة بثوبها الجديد، وتمسك بها الى حد العشق.ان الواقعية السحرية السياسية تبرر هذا العشق الجديد لكائن اسمه التوازن او مراعاة الاستحقاق الانتخابي.