علي حسن الفواز
مازال المشهد السياسي العراقي بعد ثلاث عشرة سنة من سقوط النظام السابق يثير العديد من الأسئلة، والعديد من المراجعات، فهل حملت هذه السنوات معها مشروعا حقيقيا للدولة المدنية؟ وهل أن مرجعيات أزمة هذا المشروع الدولتي يرتبط بـ(الاحتلال) أم بهشاشة القوى السياسية الجديدة؟
هذان السؤالان المفصليان يضعان الوقائع العراقية على طاولة الحوار والجدل والمراجعة، إذ تتمثل معطياتها عبر سلسلة من الأزمات والصراعات، تلك التي جسدتها مظاهر المحاصصة الطائفية، والتخندقات الجماعتية والمصالح الحزبية، وصولا الى شرعنة وجود عنفي لظاهرة بوصفه قوةً ومؤسسةً، إرهابا وعنفا مارسته جماعات رافضة للعملية السياسية، مثلما تمثلت معطياتها الأخرى عبر تضخم وعجز مالي وترهل في مؤسساتها، وعجزها عن صياغة حقيقية لـ(العقد الاجتماعي) ولهوية الدولة، ولبناء مؤسسي تُعززه التشريعات والحقوق، والقوى المدنية الساندة..
لقد كشف إنهيار النظام السابق عن ضعف دولة الاستبداد القديمة، لكنه كشف أيضا عن غياب الرؤى الواضحة للقوى الجديدة، وافتقادها لمشروع الدولة المدنية، والتعرف على طبيعة تحدياتها الداخلية والخارجية، فبقطع النظر عن القوى الدولية- أميركا ودول التحالف- التي أسقطت النظام السابق، والتي فرضت واقعا احتلاليا ضاغطا على العراق، فإن وجود قوى سياسية تدرك شروط بناء مؤسسي للدولة كان ينبغي أن يكون هو الرهان الحقيقي على المواجهة، وعلى التعاطي مع التحديات التاريخية والنفسية والسياسية والأمنية الجديدة، ومع المشكلات الـ(لاواعية) وتمظهراتها الطائفية، التي عمل النظام السابق على زرع (ثقافاتها) في البيئة العراقية بدءا من تورطه في الحرب مع إيران واغتيال الشهيد محمد باقر الصدر وشقيقته الشهيدة بنت الهدى وحملة التصفيات البشعة للقوى الوطنية اليسارية والدينية، وتواصلا مع قمعه الوحشي للانتفاضة الشعبانية، والمناورة بما سُمّي بـ(الحملة الايمانية) وانتهاءً بالسماح للجماعات الارهابية بالدخول للعراق تحت يافطة الدفاع عنه ضد الاحتلال الامريكي بدءا من عام 2002..
إرث النظام السابق لا يعني التغافل عن تداعيات أزمة (الإدارة) المرتبكة للعملية السياسية منذ تأسيس مجلس الحكم واستمرارا مع الحكومات الخمس التي تشكلت خلال هذه السنوات، إذ تلازمت هذه الادارة مع مشكلات عميقة على مستوى التعاطي مع الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والخدماتية.. فرغم التحديات الكبرى التي واجهها العراق سياسيا وأمنيا، فإن غياب الستراتيجيات الكبرى كان أكثر تمثلا لواقعٍ يستلزم وعيا بحيازة إرادة وقدرة تؤمّن صناعة أسس (الدولة القوية) والتي لايمكن تأسيسها خارج وجود الادارة الوطنية، وخارج بناء المؤسسات التنموية والتعليمية والرقابية، إذ أن هشاشة هذه المؤسسات كان مسؤولا عن غياب أي مشروع حقيقي للتنمية البشرية، ولتحسين فاعلية استثمار الثروة الوطنية والحفاظ عليها، مقابل تدهور الكثير من الخدمات التعليمية والبرامجية الصحية والبلدية والمصرفية، مقابل ذلك تضخمت مظاهر الفساد والعجز وهدر المال العام، وإتساع مديات العنف والارهاب، الذي تتحمل مسؤولياته الكتل السياسية التي انشغلت بمصالحها وامتيازاتها وصراعاتها..
سياسات وحسابات
ونحن نستعيد ذاكرة التغيير بعد ثلاث عشرة سنة، لانجد أمامنا سوى أطياف لحراك شعبي كان يطمح الى التحوّل الديمقراطي، والى بناء دولة جديدة تتعزز فيها قيم الحرية والديمقراطية والعدالة والحقوق، ونبذ الكراهية والعنف والاستبداد، لكن مجريات الواقع وضعت الذاكرة على (الرف) إذ كشفت الكثير من القوى السياسية عن شراهتها وطمعها، ورفضها للقبول بواقع التغيير، بل إن إنشدادها للماضي ظل رهانا على صناعة القوة المضادة، وهو ماتبدت معطياته من خلال شيوع العنف الطائفي، والتخندق مع أجندات اقليمية ودولية لها مواقف طائفية وسياسية من العملية السياسية في العراق.. ولعل أخطر حلقات هذا العنف الطائفي برز بعد تفجير الإمامين العسكريين في سامراء العام 2006 إذ راهنت هذه القوى على المجاهرة بمشروع التكفير والعنف والرفض، وخلق البيئة السياسية والأمنية والطائفية الرخوة، والمُستعِدة للتخريب، التي تمثلت أكثر لحظاتها خطورة وتهديدا العام 2014 بعد احتلال مدن الموصل وصلاح الدين واحتلال الرمادي العام 2015..
السؤال الأكثر إثارة في هذا المجال: ماهي التصورات والأفكار والخطط التي كان يمكن أن تعتمدها القوى المشاركة في العملية السياسية لمنع هذا التدهور؟
هذا السؤال يرتبط بالكشف عن تراكم الأزمات في الواقع السياسي، والضعف في تبني أي برنامج حقيقي لترصين ودعم المؤسسة العسكرية والأمنية بشكل مهني، إذ كانت البيئة السياسية العراقية بيئة صراعات وخلافات وتقاطعات وتفتقد الى أي جهد فاعل ومشترك لتعزيز دور السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية في مواجهة التحديات الوطنية للدولة ولاستحقاقاتها، ولاتخاذ الاجراءات المناسبة سياسيا وأمنيا واقتصاديا لقطع الطريق على تضخم الـ(جماعات) المعادية للعملية السياسية، والتي لها أجندات معروفة، والعمل على صياغة سياسات داخلية وخارجية تحمي المشروع الوطني من جانب، وتعيد وضع العراق الجديد في منظومة العلاقات الدولية والعربية.
بعد ثلاث عشرة سنة ندرك أهمية وجود مراجعات حقيقية ومفتوحة لوقائع العملية السياسية، ولضرورة أن يجد الشعب والامة نفسيهما أمام معطيات جديدة، ومساحات أكثر تقبلا للمشاركة والنقد والتقويم، وهو مابدا واضحا في الحراك الشعبي، إذ تحول الى ممارسة وطنية شاملة للتحفيز على التغيير وعلى مواجهة تحديات الفساد والتدهور والفشل وإهدار الثروات الوطنية.