فيتامينات الرشوة !

مجدي أبوزيد

تأخذ بدون الذهاب الى الطبيب ولا استشارته، ولا عن طريق روشتة، ولا تصرف من الصيدليات وباتت عبارة عن كبسولات فيتامينية متداولة داخل المصالح الحكومية والمؤسسات والأجهزة الخدمية.
إنها الرشوة، بكافة أشكالها وأنواعها، والتى تعتبر أكسير الحياة لدى عدد كبير من كبار المسئولين وصغار الموظفين، وتأخذ فى جرعات يومية بدون ان يكون لها أى أعراض أو اثار جانبية.
يدفعها المواطن قهراً لموظفى المصالح الحكومية والمؤسسات الخدمية حتى يستطيع ان يلبي حاجته أو مصلحته بدلاً من اللف والدوران والدخول فى الإجراءات الروتينية المعقدة.
وقد تكون الرشوة بالاتفاق والتراضي بين الراشي والمرتشي لتحقيق مصلحة شخصية منافية للمصلحة العامة، وحتى يحصل الراشي على حق ليس من حقه، أو سلب حقوق آخرين، أو الهروب من واجب يلزم أداؤه، أو التمسك بباطل يلزم تركه.
أصبحت الرشوة مثل الفيتامينات لاغنى عنها، يحصل عليها بعض كبار المسئولين فى صورة فيتامين دولارات، فيتامين أراضِ، فيتامين ( ب ) فيتامين ( ح .ع ) حج وعمرة، فيتامين ( م ) مصوغات ذهبية، رشاوى جنسية، أما صغار الموظفين فيكفيهم فيتامين هدايا.
تلك الفيتامينات التى يحصلون عليها فى جرعات يومية تساعد المرتشي على بناء الجسم ونمو الحسابات بالبنوك، لها علاقة مباشرة باتزانهم النفسي والمعنوي، كما تساعد على تنظيم عملية دخول الأموال الى الإدراج والجيوب حتى لايشعر المرتشى بأى جفاف فيها، كما لها علاقة فى زيادة عدد كرات الدولارات الخضراء.
يتقاضاها المرتشي حتى يشعر ان يوم العمل لم يذهب سُدى دون أن يجلب عشرات أضعاف مرتبه الشهري، وعن قناعة تامة انها باتت حق أصيل له وعلى المواطن الغلبان دفع الرشوة عنوة و قهراً، حتى يقضي مصلحته.
اذن عدد كبير من موظفي المصالح الحكومية والمؤسسات الخدمية التي تتعامل مباشرة مع المواطنين لديهم قناعة تامة ان الرشوة هى الملاذ الأول والأخير لهم، وإنها إكسير الحياة ، وبدونها يشعر الموظف او المسئول بخمول وكسل.
ظاهرة الرشوة من أخطر العوامل المساعدة على تفشى حالة التخلف والضياع الذي يعاني منه المجتمع على عدة مستويات، وهي عامل أساسي فى انتشار كافة أنواع الفساد في البلاد، كما ان للرشوة آثار نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية وخيمة تهدد كيان المجتمع وأدت الى تقهقر حال الوطن الى الأسوأ وفى ظل وجودها واستمرارها لن ينصلح حال البلاد.ومن المؤكد أن هناك تراخي واضح في التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة في بلادنا، حيث تغيب الصرامة والرقابة المطلوبة لمواجهة العابثين الذين يستغلون نفوذهم وسلطتهم ومراكزهم لتضخيم حساباتهم البنكية عن طريق الرشوة، والاستخفاف بآمال وطموحات الشعب.
مكافحة هذا الداء يأتي من خلال تربية أفراد المجتمع تربية أخلاقية ودينية، ورفع مستوى الوعي العام، واختيار المسؤولين والموظفين على أساس الكفاءة والمقدرة بعيداً عن الواسطة والمحسوبية، وتحسين الوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة للجميع، والتوزيع العادل للدخل والثروات بما يخفف حدة التفاوت الطبقي فى المجتمع، إضافة إلى الرقابة الفعالة وتطبيق العقوبات الرادعة والصارمة ضد الراشي والمرتشي على حد سواء من خلال مبدأ من أين لك هذا.