الارهاب المفلس

صادق كاظم 
عندما تهاجم عصابات «داعش» الارهابية سوقا شعبية تزدحم بمواطنين ابرياء، فانها تؤكد نهجها الارهابي الدموي المتجرد من  كل نزعة انسانية ووتثبت بانها عصابات متوحشة تمتهن القتل واستغلال السذج من عناصرها للقيام بمثل هذه العمليات الارهابية  وهي تثبت افلاسها وفشلها وتراجعها السريع امام تقدم القوات الامنية والحشد الشعبي الباسل. هذه الوحشية الدموية لا تعفي اجهزتنا الامنية من مسؤوليتها عن حدوث هذه الخروقات، فلولا القصور والتهاون لما تمكن الارهابيون المجرمون من الوصول الى هذه الاماكن الشعبية المزدحمة بهذه السهولة وايقاع هذا المعدل المرتفع من الخسائر في صفوف المواطنين. 
عملية تشخيص مواقع الخلل والتقصير لوحدها لا تكفي لمعالجة  الأخطاء الأمنية الكارثية التي تحدث بين الحين والآخر وعملية تنصل الأجهزة الأمنية المختلفة من المسؤولية والقاء التهم على الاجهزة الاخرى المنافسة ليس حلا او اسلوبا صحيحا في القيام بواجبها في حماية المواطنين، حيث لاحظنا حرب التصريحات الإعلامية بين المؤسسات الأمنية وادعاء كل منها عدم مسؤوليته عن الخروقات وان لا احد يعرف من هو الذي يقود القطعات الأمنية التي يصل عددها الى قرابة النصف مليون جندي، التي تتولى حماية العاصمة وباقي المحافظات الاخرى  كأنها قادمة من المريخ وليس كقوات نظامية امنية معروفة صلاحياتها ومهامها وقياداتها،  اذ ان ذلك يعد مؤشرا خطيرا على تراجع الروح الوطنية والشعور بالمسؤولية لدى قيادات الاجهزة الامنية في البلاد والتي لا تعترف باخطائها وتقصيرها وتسعى دائما الى ايجاد المبررات للتغطية على تقصيرها، هذا فلم نجد لغاية الآن مسؤولا امنيا او قائدا لاي جهاز امني يعترف بتقصيره وشعوره بالخجل والحزن امام ذوي الضحايا ويبادر الى تقديم استقالته او اعفائه من منصبه، بدلا من ان يقال بشكل رسمي من قبل رئيس الوزراء. بل بالعكس من ذلك نجد  تشبثا عجيبا بالكراسي والمناصب وتمسكا شديدا بها وعدم التنازل عنها باي ثمن ولو على حساب الضحايا وبالعكس من ذلك من الدول المتقدمة التي يقدم قادتها السياسيون والامنيون صورا رفيعة من الشعور بالذنب وتحمل المسؤولية الكاملة عن اي خرق امني يحدث في بلادهم، حيث نجدهم يسارعون الى عقد مؤتمر صحفي يعتذرون فيه عن اخطائهم ويعلنون تقديم استقالاتهم من منصبهم واعطاء الفرصة لغيرهم لادارة الملف الامني ومعالجته . 
عندما هاجم تنظيم  «داعش» الارهابي العاصمة الفرنسية باريس في شهر اذار الماضي تعرضت فرنسا كلها للصدمة من حيث حجم الخسائر المرتفع ورد الفعل البطيء والمتأخر من قبل الشرطة الفرنسية، لكن الاجهزة الامنية سرعان ما استوعبت الصدمة لتشن اكبر عملية ملاحقة للمتورطين بهذه العملية، واخذت تنقب الارض الفرنسية شبرا بعد شبر للبحث عنهم  الى ان تمكنت من العثور عليهم والقاء القبض على المخططين والمنفذين الاحياء ممن هربوا بعد تنفيذ العملية .  عندنا تتواصل العمليات الارهابية والاجهزة تلاحقها باستمرار, لكن هذا العمل الامني المضاد للارهاب لم ينجح في تقويض قدرات الارهاب بشكل نهائي او تخفيض معدلات العمل الارهابي بنسبة كبيرة تصل الى اكثر من ثمانين بالمئة، بل نجد ان الارهابيين وبالرغم من سقوط الآلاف منهم في قبضة القوات الأمنية وقتل عشرات الآلاف منهم يواصلون تنفيذ اعمالهم الاجرامية الخسيسة من سيارات مفخخة واحزمة ناسفة تستهدف العديد من الاهداف الرخوة. من المؤكد ان البلاد بحاجة الى اجهزة استخباراتية قديرة تتمكن من جمع المعلومات عن العناصر الارهابية ومعرفة خططها الاجرامية وتفكيك شبكاتها ومنعها من تنفيذ هجماتها ومنع تدفق حركة والاموال والاسلحة الى هذه التنظيمات الارهابية السرية وعملية الوصول الى هذا الهدف تحتاج الى مراجعة لآلية عمل الاجهزة الامنية والاستخباراتية العاملة من خلال اعادة هيكلتها ودمج المتشابه في الاختصاص منها مع بعضها البعض واتباع الأساليب الالكترونية المتطورة في ملاحقة العناصر الارهابية والكشف عن انشطتها والوصول الى مخابئها ومقراتها السرية . 
لغاية الان لم نشهد عملية نوعية تتمثل بخطف واغتيال اي رمز إرهابي في مناطق خارج العراق أو الكشف عن شبكات التمويل الخارجية التي تقوم دول وجهات لهذه العصابات الارهابية من اجل تحقيق اهدافها في العراق كما تفعل اجهزة استخبارات الدول المتقدمة، فضلا عن المجاورة كالاردن وايران وغيرها . 
الاحترافية في العمل الاستخباراتي ومجاراة التطور في هذا المجال هما من وسائل المكافحة الفعالة للارهاب في العراق الذي يواجه خطر هذه العصابات واستهدافها الدائم للمواطنين في الاماكن العامة التي تضعف الحماية الامنية لها . ان الارهاب عندما يضرب سوقا شعبية او حافلة لنقل الركاب او مدرسة او مصنعا فانما يؤكد عجزه وفشله والتركيبة المريضة والحاقدة والدموية لافراده الذين تحولوا الى اداة للقتل والدمار وتعكس ايضا مستويات وضيعة من الجهل والتخلف في تجربة ليس مصيرها الا الفشل والانحسار.