علي شايع
تشرفت للمرة الثانية بالمشاركة الميدانية ضمن قواطع المواجهة في جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، بصفة صحفي مستقل، وأيقنت مجدّداً أن الميدان شيء آخر، لا يمكن لأي صحفي عربي إدراك حقيقته عن بعد، ما لم يكن مشاركاً في تغطية ما يجري بضمير متجرد من الإملاءات القسرية التي تفرضها أكثر المؤسسات العربية على العاملين فيها لقول أشياء تخالف الحقيقة والوقائع الجارية على أرض الواقع.
ميدان مواجهة «داعش» الإرهابي ربما يختلف من جبهة إلى أخرى من حيث الجغرافيا وبعض التفاصيل الستراتيجية، لكنه في واقع الحال لا يختلف من حيث المبدأ، فالعدو واحد والجبهة واحدة ومن يواجهونه يواجهون باسم الوطن الواحد لا الطائفة أو العرق، ومن يعاين هوية المشتركين بالمواجهة سيجد ألوان الطيف العراقي مجتمعة في تلك الحرب المصيرية.
من يتابع الإعلام العربي وتغطياته للأحداث العراقية سيكتشف تفاصيل مريرة جرت على مدار السنوات، كان الإعلام العربي خلالها مجافياً للحقائق وخارجاً على الأعراف المهنية الدولية.
هذه الكلمات ليست تقييماً شخصياً عابراً وإنما هي لمحة استقراء لوجهات نظر عالمية طالما نظرت بقلق إلى الوضع الإعلامي العربي المتردي، ووضعته في أدنى مستويات التصنيف بسبب ما يرتكبه من مخالفات أحدثت أزمات التوتر الطائفي والمناطقي.
للأسف بقي الإعلام العربي وحتى هذا الوقت – ورغم انكشاف تداعيات الإرهاب في الدول العربية – بعيداً عن مسؤولية فضح أفكار التطرّف والإرهاب، ولم يتخذ إجراءات فعلية لتطبيق ما يرد في المؤتمرات والملتقيات الإعلامية الكثيرة وبالأخص في الملف العراقي، حيث سجل المنصفون تجاوزات كثيرة، رفع بعضها إلى الجهات العربية المختصة لكنها لم تلق استجابات نافعة.
ولعلّ القضية تنطلق من بعد أخلاقي ومهني يستحق الحزن الوفير، فعلى رأي الشاعر:» وإذا أصيب القوم في أخلاقهم.. فأقم عليهم مأتماً وعويلاً»..فمن يتابع بعض الفضائيات ووسائل الإعلام العربي في الأيام الأخيرة، ويحلل ما تبثه من أخبار سيقيم المأتم بالفعل، فالإعلام العربي وفي الكثير من أركانه يبدو فاقداً للإنسانية في أبسط صورها، وكم سيكون مضحكاً في مثل هذا الحال تذكّر عنوان الدورة الخامسة عشرة لمنتدى الإعلام العربي «الإعلام.. أبعاد إنسانية»، والتي جرت في دبي الشهر الماضي، وحضرتها أطراف يمكن اعتبارها ضد «الإنسانية» من خلال ما تروج له وتعمل عليه من فتن وثغرات يدخل منها الإرهابيون ويحاولون استغلالها في الصراع الدائر.
حتى هذه اللحظة لا توجد لدينا جهة تختص بتوثيق خروقات الإعلام العربي أو تعنى بأرشفتها، ولعلّها فرصة مناسبة الآن لتأسيس مرصد إعلامي يهتم بالقضية، يمكن أن تفرضه الضرورة، ليكون طرفاً مساعداً أيضاً في وضع التسهيلات الأمنية والفنية، من أجل تقصي الحقائق والاتصال بالباحثين عن الحقيقة، من الإعلاميين والصحفيين الراغبين بالتغطية والمتابعة المباشرة، حتى يتسنى لهم المعايشة والتفاعل مع الأحداث بشكل يومي، بدلاً من التخفي بعيداً والاعتماد على مصادر خبرية مغرضة تتجاوز المواثيق وتخالف المهنية وتكون أداة للإرهاب من حيث لا يحتسب الغافل، حيث أثبت الإرهاب إن الإعلام أبرز أدوات نشاطاته في هذه الحرب.