باسل محمد
في معركة بحجم وحساسية معركة تحرير مدينة الفلوجة من سيطرة تنظيم داعش الإرهابي، يجب أن تفكر الحكومة العراقية الى أبعد من الانتصار العسكري وهو انتصار حتمي اليوم أو غداً أو بعد أيام.
بشكل عملي، نرى ان الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي تصرفت بذكاء في حالتين خلال معركة الفلوجة المتواصلة، الحالة الاولى، أنها تحدثت باهتمام بالغ عن سلامة المدنيين داخل الفلوجة، كما أن قائد عمليات الفلوجة الفريق عبد الوهاب الساعدي أشار الى تدابير ستتخذ لضمان استمرار العملية العسكرية الهجومية ضد داعش، ولكن ليس على حساب المدنيين العالقين في المدينة والذين يمنعهم التنظيم الارهابي من الخروج عبر الممرات الآمنة التي اختارتها لهم القوات الأمنية، وهذا عمل عسكري مهني وأخلاقي.
أما الحالية الثانية، فتتعلق باصطحاب العبادي، لرئيس البرلمان سليم الجبوري ورئيس ديوان الوقف السني وآخرين الى غرفة عمليات الفلوجة، وهو تصرف يتميز ببعد نظر لأن هذه الخطوة تعزز من الفكرة الوطنية لمعركة الفلوجة ضد الارهاب.
في النظرة الستراتيجية، يمكن ان نطلق السؤال التالي: كيف يمكن أن تكون معركة الفلوجة، نقطة التقاء بين جميع العراقيين، وتوحدهم والأهم تؤلف بين قلوبهم؟، ولا شك ان هذا التوحد، اذا اكتمل، فهو انجاز وانتصار لا يقل أهمية في دلالاته ونتائجه عن أهمية الانتصار العسكري على الأرض.
بصراحة، قمة نجاح الحكومة العراقية في الفلوجة يكمن في كيفية ترجمة الانتصار العسكري للجيش على التنظيم الارهابي في الفلوجة الى انتصار لكل فلوجي، والى انتصار لفلوجة عراقية تنتمي الى الدولة العراقية وتدافع عنها وتفتديها وهذا الحال ينطبق على كل مدن العراق سواء تلك التي يسيطر عليها الدواعش وسيتم تحريرها منهم، أو تلك المدن التي تعاني من مشاكل تنمية قوية.
في البعد الدولي، نرى ان تصريحات الحكومة العراقية والقادة العسكريين عن سلامة المدنيين في الفلوجة ستجلب التقييم الجميل للعراق في أنه يحارب الارهاب ضمن قواعد انسانية صارمة وواضحة.
وفي النظرة الأخلاقية، لا يمكن المساواة بين الارهابيين وبين المدنيين، كما أنه لا يمكن قتل الارهابيين ومعهم عدد من المدنيين أو تبرير قتل مدنيين بذريعة محاربة الارهاب لسبب بسيط هو أن الدواعش يتخذون من المدنيين رهائن ويحاولون ابتزاز العملية العسكرية لتحرير المدينة.
بالحقائق، ان الطرح القائل بأن كل مدني قبل بحكم داعش هو مدني مشكوك به هو طرح خاطئ لأن المستبدين الذين حكموا العراق لعقود فرضوا على الجميع بالبطش والتخويف والتهديد أن ينضموا الى حزبهم، ولكن عندما سنحت الفرصة، سار الجميع في طريق الخلاص.
بشكل انساني، تعني العملية العسكرية التي تشنها القوات الأمنية لتحرير الفلوجة، هذه الفرصة لكي يتخلص المدنيون من ظلم وارهاب داعش، ولذلك كسب هؤلاء المدنيين في مرحلة ما بعد داعش هي من أولويات الحكومة لغايتين: الغاية الاولى هي ضمان الأمن والسلم داخل الفلوجة والتصدي لخلايا ارهابية نائمة ستبقى موجودة حتى بعد فرار الدواعش من المدينة وهذه الخلايا ستهدد حياة عناصر الجيش والشرطة.
أما الغاية الأخرى، فهي أن تتحول عملية تحرير الفلوجة الى مصالحة بين المدينة وبين الدولة لأن العلاقة بينهما بقيت متعثرة منذ العام 2003 وهو ما جعلها منطقة جاذبة للإرهاب لأربع أو خمس مرات.
في النتائج، فإن حرص الحكومة العراقية على حياة المدنيين في الفلوجة وبناء الخطط العسكرية ضد الدواعش على أساس تأمين سلامتهم هو أول لبنة في بناء الانتصار العسكري القادم في مدينة الموصل لأن سكان هذه المدينة سيفهمون المعاني الجميلة لهذه الرسالة.