ليبرمان ونتنياهو وتصريحات لا تحمل معانيها

حازم مبيضين
قوبلت تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي الجديد أفيغدور ليبرمان، حول تأييده حل الدولتين، بالتجاهل أو السخرية حتى في أوساط واسعة في السياسة والإعلام بإسرائيل، وهذا ينسحب على تصريح رئيسه نتنياهو الذي أكد التزامه بالسلام، وبحل الدولتين وإجراء مفاوضات على أساس المبادرة العربية للسلام، بعد تعديلها بشكل يعكس التغييرات منذ إطلاقها عام 2002 مع الحفاظ على الهدف المتفق عليه، وهو إقامة دولتين للشعبين وبخلاف ما اعتدناه تجاهل نتنياهو ذكر شروطه السابقة التعجيزية للموافقة على هذا الحل، كاعتراف الفلسطينيين بإسرائيل أولاً كدولة يهودية. يظن كثيرون أن تصريحات نتنياهو كانت بالتنسيق مع الرئيس المصري السيسي، وأنها قد تكون مقدمة لعقد مؤتمر إقليمي بمشاركة الدول العربية المعتدلة، وأنها جزء من خطوة أكبر ينسق خطواتها مبعوث الرباعية الدولية السابق توني بلير، ويدحض ذلك تاريخ نتنياهو، الذي يؤكد أنه يقوم بمناورة مفضوحة لتجميل صورة حكومته المتطرفة، وأنها ليست أكثر من خطوة تكتيكية لتحاشي الضغوط الدولية المحتملة، في ظل مساع فرنسية وأوروبية للبحث عن حل سياسي.
 أما حارس الملهى الليلي السابق ليبرمان الذي كان قد هدد بقصف السد العالي، وأسس حزباً تقوم برامجه على فكرة ترحيل فلسطينيي الداخل، فإنه يعرف بأن عدم إمكانية تحويل تصريحاته إلى أفعال، سيؤدي إلى انهيار الائتلاف الحكومي، وهو يدرك أن رئيسه يؤمن إيديولوجياً بأرض إسرائيل الكاملة، وأن تصريحاته هذه أولها كذب وآخرها كذب. مدهش أن يكون المبعوث الخاص للأمم المتحدة لشؤون السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي مالدنوف، قد اقتنع بتصريحات نتنياهو وليبرمان بشأن المبادرة العربية، وأن بإمكان هذه التصريحات المساعدة في المفاوضات لتحقيق حل الدولتين، وربطها بتصريحات للرئيس السيسي، دعا فيها الإسرائيليين والفلسطينيين لمواصلة المسيرة التاريخية نحو سلام، كالذي أقامته بلاده مع إسرائيل قبل حوالي 38 سنة، وهي دعوة لقيت ترحيباً من نتنياهو وليبرمان، مع أن القناعة كاملة في اسرائيل بأنه لا جديد في كلام نتنياهو، فهو كان تحدث قبل سبع سنوات عن أن مساعي الدول العربية لحث مبادرة السلام تستحق التقدير العميق، غير أنه طوال سبع سنوات بعد ذلك كرر نتنياهو مثل هذا الكلام من دون أن يعني هذا التكرار ظهور أي شيء عملي أو يحرك جمود المفاوضات.
المبادرة العربية تحولت إلى واحدة من مبادرات السلام الأساسية، ونالت تأييد واشنطن والأوروبيين، غير أن الإسرائيليين تجاهلوها خصوصا ما تعلق منها بمشكلة اللاجئين وتحويل شرقي القدس إلى عاصمة للدولة الفلسطينية، لكن رفض الحكومات لا يعني انعدام مؤيدين لها باعتبارها جدية، وقد عارضت سوريا كلمة «تطبيع» وأصرت على حق الفلسطينيين في الاستمرار بالكفاح المسلح، لكنها في النهاية وافقت، وقد تشجع الفلسطينيون لها باعتبار أنها الفرصة الأكبر لحل الأزمة، مع تمسكهم بقرار 194 لمجلس الامن التابع للامم المتحدة، وقد طلب أبو مازن من الرئيس الاميركي باراك اوباما أن يتبناها، وعارضها الإخوان المسلمون وترددت حماس بين الرفض والموافقة المتحفظة، وقالت إن حق العودة عامل أساسي في المبادرة. واضح أن تصريحات قطبي اليمين الصهيوني المتطرف، أتت للتشويش على مؤتمر باريس الذي يجمع وزراء خارجية 29 دولة، للبحث في خطط تحريك العملية السلمية، ووضع جدول أعمال ومعايير محددة للمؤتمر الدولي الذي دعت إليه المبادرة الفرنسية، التي ينبغي التذكير بأن نتنياهو رفضها، باعتبار أن السبيل للسلام لا يمر عبر مؤتمرات دولية تحاول أن تفرض تسوية، وأنها تشكل كسراً لاحتكار الرعاية الأميركية للمفاوضات، مع أن وزير الخارجية الأميركي أيدها ربما بهدف حصر نتائج اللقاء في بيان عمومي قدر الإمكان، وربما لتهدئة المخاوف الإسرائيلية وربما أيضاً لمنع تطوير اللقاء وحصر المبادرة بالاجتماع الوزاري. معروف أن الأمم المتحدة تسعى لحل الدولتين، والفلسطينيون والدول العربية كذلك، وهي تقدم العديد من المبادرات بالتعاون مع الدول الكبرى لتحقيق هذا الهدف، ومع هؤلاء أيضاً بعض الإسرائيليين، أما أن يؤيد ليبرمان ذلك وهو الذي لا يشك أحد بتطرف مواقفه تجاه الشعب الفلسطيني، وخصوصاً عدم الاعتراف بحقوقهم في أرضهم ووطنهم، وهو من عمل جاهداً على عرقلة التوصل إلى حل يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ضمن حدود آمنة ومعترف بها دوليا، ويؤيد تهجير الفلسطينيين من موطنهم، كحل للصراع، فهذا ليس أكثر من نكتة سمجة غير قادرة على انتزاع ابتسامة أحد.