أوهام التقسيم

علي حسن الفواز
حديث التقسيم سيظل مفتوحا مثل حكايات السينما، فيه الكثير من الوهم والمغامرة، والنوايا الخبيثة، وفيه أيضا القليل من الجاذبية، فالرهان على تقسيم الجغرافيا العراقية يفتقد للواقعية أولا، وللمزاج الوطني ثانيا، ولقبول المحيط الإقليمي الذي يرى فيه  شكلا جديدا لاستعمار المنطقة ثالثا.
فبقطع النظر عما نشرته مجلة (تايم) الأميركية في 28 تموز الماضي عن نوايا الرئاسة الأميركية الجديدة حول هذا التقسيم، فإن ما يجري على أرض الواقع من أزمات، ومن خنادق ومن ارهابات بألوان وروائح مختلفة سيجعل هذا (الموقف أو القرار) أمام مفارقات أو صدمات قد تُغيّر الكثير من القناعات السياسية. حديث التقسيم وحسب زخم وطبيعة المكونات الأثنية والطائفية ليس جديدا  في المشهد العراقي، فهو حديث يمتد من الثمانينيات من القرن الماضي، لاسيما مع أطروحات برنادر لويس، والذي كان ينظر للتقسيم بوصفه فرصة لإعادة هيكلة المنطقة، واقتراح ترسيم جديد لحدود الجغرافيا السياسية.. كما أن أطروحات ليزلي كولب (رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركية خلال رئاسة بوش الأبن) والمنشورة عام 2006 في (نيويورك تايمز) تصبّ في هذا الإتجاه، وفي السعي الى  تفكيك وحدة العراق لصالح ستراتيجيات اقليمية من جانب، ولتغيير معادلات الصراع في المنطقة.
وحتى تصريحات نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لا تخرج عن إطار النوايا!! لأنّ التقسيم سيفتح الباب على حروب معقدة، وبمرجعيات هوياتية وطائفية ودينية، وهو ما يعني فتح المجال لفرض هيمنة أميركية أكثر تعقيد للحفاظ على إدارة السياسات والمصالح، وفي سياق فرض سيطراتها على أسواق السلاح.
ومن هنا تأخذ هذه (اليافطة) نوعا من الاستعراضية التي يراهن عليها البعض، أو أنها قد تُرضي غرور البعض الآخر، والتلويح بها في الموسم الانتخابي الرئاسي سيظل رهانا قلقا، ليس لأنه صعبٌ جدا، بل لأنَّ المصالح الأميركية ستكون أكثر تضررا من عدم قدرة القوى الجديدة على مواجهة التحديات التي تخص المصالح والحساسيات، وتخصّ أيضا الأعداء الجدد!!.
اقتصادات الحرب
الميديا الأميركية تدّعي أنّ خيار التقسيم قد يُرضي الأطراف جميعا، وأنه سيكون ثمنا للحرب التي قامت بها الولايات المتحدة عام 2003، وأنها  لا تحتاج سوى مفاوضين جيدين!! لكي  يقنعوا الأطراف الرافضة، ودفعهم للقبول بصفقات تُبعدهم عن مكاره الإرهاب، وتضع المكونات الطائفية تحت سلطات يحكمها المزاج الطائفي، والتي سيكون مصيرها انتاج أنظمة حكم استبدادية. لكن هذه الميديا تغفل تماما جغرافيا الثروات في العراق، وتنظر للأمر من وجهة نظر سياسية أو إعلامية، وكأن هذه الجغرافيا الصعبة لاوجود لها على أرض الواقع، فالجميع يعرف أنّ ثروات العراق النفطية في الجنوب، وأن ثروات النفط في كردستان لا تساوي شيئا أمام الحصص التي يحصل عليها الكرد من الميزانية الاتحادية، كما أنّ المنطقة (السنية) صحراوية، ولا وجود للثروات بها على المدى القريب. كيف إذا ستكون معالجة هذه الأزمة، فيما  لو فرضها البعض؟ فهل سيظل الجنوب يوزع ثرواته على (الفيدراليات)؟ وهل ستطمئن هذه الفيدراليات داخل حدودها الافتراضية؟
هذه الأسئلة هي المقاربة الواقعية لما يجري، فلا هيلاري كلنتون، ولا رونالد ترامب يملكان تصورا واضحا عن المعطيات، وعن طبيعة القوى المتصارعة داخليا وخارجيا، لأن حجم الأخطار ستكون جسيمة، وربما ستقود بعض الدول للانفراط عن (الحلف الأميركي) مثل تركيا، لأنها ستجد في الدعم الاميركي اللوجستي والعسكري للكرد في العراق وسوريا نوعا من المخاتلة، وأنّ قبولهم بإنشاء (اقليم أو دولة كردية) في الجنوب التركي، أو الغرب الايراني بمثابة إعلان حرب، وتهديد للوحدة السيادية لهذه الدول، وهو ما يدعو الى صناعة حرب جديدة ومن طراز جديد. إن تعويق مواجهة الإرهاب في العراق، والبطء في معالجة العديد من الملفات الأمنية هو العامل الحاسم في صناعة تلك (الأمنيات الضالة) مثلما هو تأثير الفساد والفشل السياسي، لكن الحلقة الأخطر في هذا المجال ستكون ذات بعد اقتصادي، إذ سيكون هذا البعد حافزا لإيجاد (إرهابٍ آخر) وأعداء آخرين، وربما سيدفع (الدول) او الأقاليم للتورط في حروب خارج قدرتها، وهو ما يعني الفشل في الادارة والتنمية وفي الحماية، لعل أنموذج (دولة جنوب السودان) شاهد على ذلك، وحتى (جمهورية تيمور الاندنوسية) إذ تحوّل التقسيم الى وبال سياسي واقتصادي وأمني خطير، وتسبب عن مظاهر مروعة للفقر والصراع الأهلي.