هل تنفجر العلاقات المصرية السعودية؟

حازم مبيضين 
والأهم والأخطر عند أهل الخليج  النقلة النوعية في العلاقات مع طهران والمحور الذي تقوده، وتجلى ذلك في زيارة لواء المخابرات السوري علي مملوك للقاهرة، وهي زيارة مثقلة بالسياسة والأمن في آن معاً، غير أن كل ذلك لايعني أن العلاقات المصرية الخليجية في طريقها للانفجار، فالطرفان بحاجة لاستمرارها، مصر من الناحية الاقتصادية بالأساس، والخليج من الناحية الستراتيجية، وفق ما يعتبرونه صراعاً وجودياً مع طهران، على أسس مذهبية، وحاجة الخليج لثقل القاهرة المادي والمعنوي.
نأى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ببلاده عن ما تورطت به السعودية من حروب، بالوكالة في سوريا والعراق، وبالأصالة في اليمن، ولكن دون أن يقف ضدها بالعلن، وحافظ على علاقة مع دمشق ولو بالحد الأدنى، بمعنى اقتصار ذلك على القنوات الأمنية، كما أن القاهرة رفضت التعاطي مع المعارضات السورية المدعومة خليجياً، وإذا كانت مصر سجلت اسمها رسمياً في التحالف السعودي المقاتل في اليمن، فإن ذلك كان رمزياً، لأن الجيش المصري لم يطلق رصاصة واحدة ضد الحوثيين وجماعة الرئيس اليمني المخلوع، وفي العراق، نأت السياسة المصرية عن الحملات المضادة للحكومة العراقية، باعتبارها شيعية مُتهمة بالتبعية لإيران، وحافظت على علاقاتها مع بغداد، ولم يرتفع صراخها وعويلها على أوضاع الطائفة السنية، ومضت في طريقها الخاص، الذي انتهجته على الدوام، كدولة لها وزنها وتأثيرها الإقليمي، حتى وإن أدى ذلك إلى انخفاض الدعم المالي والاقتصادي الذي تحتاجه من المنظومة الخليجية، وهي بذلك تعتمد على بعض التباينات بين الرياض وبقية عواصم الخليج.
متأخرة أدركت الرياض أنها لم تشتر مصر، رغم كل ما دفعته من مليارات، فعادت للحديث عن التاريخ والروابط الاجتماعية والثقافية، وصولاً إلى الحديث عن قواسم مُشتركة تجاه الملفات الساخنة التي تواجه البلدين، وهنا يتم العزف على نغمات الموقف المشترك من حركات الإسلام السياسي، ومعارضتهما تمكينها، وكأن حكم آل سعود الوهابي يستند 
إلى مفاهيم الديمقراطية والعلمانية والدولة المدنية، ثم يتم العزف على نغمة الموقف من خطر الإرهاب والأفكار المغذية له، وضرورة العمل المشترك لمواجهة أخطارهما، وهنا يتم تجاهل الدعم الخليجي السري والمُعلن، للكثير من التنظيمات الموصومة بالإرهاب، أمّا الحديث عن أكذوبة التضامن العربي، وأن الرياض والقاهرة يُشكلان العمود الفقري لمعنى ذلك التضامن، باعتباره أملاً لاستعادة القوة ومجابهة التدخلات الخارجية، فهو محاولة بائسة لإحياء جثة هامدة، ساهمت سياسات الرياض في دفنها، حتى حين كان فيها عرق ينبض. ليس من حق أحد محاولة استغباء عقولنا، بالحديث عن ما بات ماضياً، في حين أن الراهن يؤكد حاجة المنظومة الخليجية لحشد التأييد لمواقفها، من ما تراه خطراً إيرانياً يشمل العراق ولبنان وسوريا واليمن، ولا من قبيل التذاكي الحديث عن غض مصر لنظرها عن ذلك الخطر، أو الاستهانة بتقديره أو التهاون في مواجهته، مع تكرار التهويل بأن ذلك الخطر أفسد العلاقات بين الطوائف الإسلامية التي تعايشت مئات السنين، ولم تصل إلى مرحلة الحرب قبل توظيف الدين لتحقيق المكاسب السياسية، وكأن النظام السعودي لم يتكئ على الفكر السلفي لبناء دولته، وكأن المؤسسة الدينية عنده ليست ذات تأثير مباشر على كل مفاصل الحياة، ابتداءً من جماعة الأمر بالمعروف وليس انتهاءً بمنع المرأة من قيادة السيارة، أو التنفس دون إذن المحرم 
يبدي البعض دهشته من تحول الخلاف بين القاهرة والرياض إلى تراشق إعلامي، ويرون أن من يقومون بذلك يغردون خارج السرب، ويؤكدون أن قيادتي البلدين تتعاطيان بالاحترام مع أي خلاف في وجهات النظر، وتقدير لظرف كل بلد ورؤية قيادته، وسيادة قراره الوطني، ويتجاهل هؤلاء أن في البلدين قيادتين جديدتين، تخوضان تجربة الاختلاف للمرة الأولى، مع بعض النزق والتهور عند أطراف فاعلة هنا وهناك، لجأت لتبادل الإهانات وتعظيم الاحتقان، متجاهلين أن البلدين لا يملكان ترف الخلاف، وأن مصر لن تنسحب من تحالفاتها الخليجية الممتدة لأكثر من 30 عاماً، أتت بعد خلافات صاخبة في عهد عبد الناصر، لكن الواضح اليوم أن مصر السيسي ستواصل تنويع تحالفاتها وخياراتها، مثلما تفعل في تنويع مصادر تسلحها، كي لاتكون أسيرة لأي طرف أو ظرف.. وخيراً تفعل.