محمد شنيشل فرع الربيعي
الإنسان هو الهدف الأسمى مرتبة في هذا الكون في حصد الإبداعية الفكرية ، ليتحول النص إلى ركن هام من أركان التنمية البشرية ، وهذا أهم حدث تاريخي ينبغي أن يلتفت اليه الكاتب والمقارب ، لان التوسعة العقلية تتطور وفق منهج الواقع وهو واقع بناء حضارة الفكر وصراع الإيديولوجيا فيه .
بعد أحداث 2003 في العراق حدث إنفجار على مستوى الكتابة ، وبدأ العراقيون يتنفسون الصعداء لاستحضار المتراكم بعد أن وثقته الذاكرة وهي مقيدة بحلق الهمِّ ، واحتفظت بتنضيده بعد أن جمعته قطفا من حيقة الحاكم المستبد في عقلها الجمعي ومن خلال القصص والمواقف التي مرت عبر تلك الحقبة المذكورة ، تحول كل شيء الى فكر يوثق للتاريخ ، بهذا الكم الكبير من الإنتاج المطبوع ، الأمر الذي جعل من الآخرين يعيبون على طريقة توثيقه بهذه العُجالة ، بحجة الركة في الكتابة وتوهين الإسلوب وما الى ذلك من الذرائع ، ولا ندري من جعلهم أوصياء وحكاما على تقييم ما يجول في بال الآخرين فيقفون حجر عثرة ضد الفر والأفكار .
إنَّ العراقيين الذين تحرروا من قيد الحزب الواحد ، تحرروا من محكمة النقد الأحادي السلطة الذي ينظر الى النص نظرة لغة وعنفوان ، لا نظرة وجود وتغيير .
لقد رفضنا في منهجيتنا أن يكون الناقد ناعورا لا يحمل إلا نفس الماء ، فهو يتعامل مع النص بأدواته الكلاسية السلفية ، أو ينظر اليه نظرة شعر عصر ما قبل الإسلام… وكأنه يرغب بالحفاظ على العلاقة المتوترة بينه وبين الكاتب وبين الناقد والمتلقي وينبغي في نظره أن يحافظ على ديمومة الأزمة !
فبعد منجزه الأول ، الإعلامي والكاتب العراقي مؤيد عبد الزهرة يتنفس من جديد كل الأمكنة بزمنها المنتمي الى ذلك الخيال القديم والذكريات التي شكلت وجدانا يبعث فيه طاقات التجدد ، لقد جمع مؤيد عبد الزهرة تأملاته القديمه بمساحة الذاكرة كلها قبل أن تنصهر في طوفان الحداثة الذي محى كل ما هو متقادم .
صدرت لمؤيد عبد الزهرة من دار المتن للطباعة ، مجموعة متنوعة التجنس ، فهي قريبة من القصة التي يجد فيها المتلقي عنصر السردية ، وقد تداخل باسلوب القص مع الأحداث الدائرة ، كما ويجد كيفة السرد فينتبه الى التداخل بين الأجناس ، وهي تحمل نفس النص النثري الذي يرى أن العالم له من المعاضل ما يكفي الى عدم إصلاحه ، وفي هذا المنجز نرى دفقا كبيرا من الحكمة ، الحكمة الأولى التي هي بذرة النشوء الأولى .
إعتمد مؤيد عبد الزهرة على تثوير الوجدان في قضية الصدق وآمن أن الإنسان قابل للتغيير ويتقولب بحسب المنطق البيئوي والاقتصادي والنفسي .
لقد بعث الكاتب رسالة تنص على أن النص الذي يعي ذاته يحتاج إلى مجموعة من التجارب والخبرات ، والنص الذي يتناول سيسيولوجية الإنسان بصدق ، يعني هو النص الذي يتعقب مراحل الحب وقيمه الفلسفية في الحياة .
بهذا التقديم وجد مؤيد عبد الزهرة أن خلافته الأرضية تحمله مسؤولية المشاركة في إعادة تنظيم الكون من جديد ، فكانت له بصمة في تقدير مساحة الذات التي تنشد حضورها دائما ، سيما بعد خبرة تراكمت أثر منظومة أحداث كبيرة ومتطورة يبعث من خلالها ما يود أن يظهره أنموذجا للحياة ، فيفتعل الحوار ويقرأ ما يتوافر لديه من كتب وينمي علاقاته المجتمعية ، ويكتب مذكراته لأجل الموازنة بين تطور الفكر البشري وامتصاصه لأحداث الواقع.
في نص سردي ــ درامي ،موسوم بـ (القفل يتوسل) يطّرد به مؤيد عبد الزهرة مسيرة الحرب وكيف كان يحارب من أجل الإيمان بعقيدة لا يفهمها إلا هو ورفاقه الى أن وضع في السجن ، وتدور أحداث بطلها السجان مع السجين ورفاقه .
أن السجان برزمة مفاتيحه لا يقل شأوا عن أولئك الذين أودعوه السجن ، فهو نسخة معدلة من الخوف والإستبداد والألم… لكن بمرور الأيام تتحول الفكرة الى الإتجاه الآخر من الحكم ، وإذا بالسجان يكون وديعا معهم ويحثهم على المقاومة وذلك بالبقاء على أجسادهم حية بوساطة الطعام .
يفصح هذا الجهد الإنساني للكاتب عما افتقرت اليه الإنسانية من تناول الحوار المنتج لإرساء قواعد الحب المؤدي بالنتيجة الى طرد الكره وتثوير الإثبات بالنفي عن طريق تحريك الخير في الداخل البشري ، وقلب المعادلة اللغوية في توظيف المفردات .
إن طريقة السرد التي يتبناها مؤيد عبد الزهرة هي مزيج من كتابة الحداثة التي تمزج بين الرمز والحس ، كما وأنها بمجملها فكر متراكم في نزعته المعرفية ، وذلك من خلال الرجوع بالذاكرة الى أوليات الاحداث لتنشيطها جمعيّا ، وتهيئتها للحدث الكتابي ، ومن ثم إحالتها الى مصاديق الوجود المقترن بكمية من القوانين ودراسة معنى المعارضة الحقيقي ، وليس من أجل المعارضة فقط ، لإن إيجاد القيم الإنسانية من ضروريات التعايش .
إن هذه النصوص تستقرء رحلة السنوات من على محطات الحياة ، وهي حصيلة ذلك الترفد الذي يحتاج فيه الكاتب الى اللسان ليكون قريبا جدا من الحدث الإنساني ، فبهذا العنفوان اللساني قد تضمحل مسالك اللغة ، وتبدأ الأصوات اللسانية تنهمر على مسامع المتلقي ، ولكن ليس بهدوء الأصوات وإنما بهدوء العقل ، فالحدث جسيم ويحتاج الى حجاجية مقنعة ، وإجابات وافية على التساؤلات التي تخيم على الوضع الإنساني الخطير .
إن فلسفة الكتابة ليست فقط هي التعبير عن الصدمة أو أخراج الأحداث والتعابير أو تجسيد الشعور …، بل هي في التفكير عن كيفية وصولها الى الآخر بواسطة الإسلوب . والعمل الأدبي إنتاج فكري مؤثر ، ينسحب على عملية التفكير نفسها ومحاولة لفهمها.
هذا التوجه لم يتوان فيه مؤيد عبد الزهرة في تطبيقه على مساحة أدبياته ، فقد تحول من السارد الى الحكيم الذي يرفد الحياة بكل ما هو معبّر ومفيد ، فكانت كتاباته صريحة بطريقة التداعي الحر وهو يقطع الزمن عبر أطواره .
إن هذا النوع من الكتابة يعمل على تثبيت الوصل بين الانسان وذاته وزيادة أواصر إرتباطه بالإنسان وبالمجتمع … لقد عرف “ أندريه لالاند” في قاموسه “النزعة الإنسانية” بأنها مركزية إنسانية متروية ، تنطلق من معرفة الإنسان وموضوعها تقويم الإنسان وتقيمه واستبعاد كل من شأنه تغريبه عن ذاته ، سواء بإخضاعه لقوى خارقة للطبيعة البشرية ، أم بتشويهه من خلال استعماله استعمالًا دونياً، دون الطبيعة البشرية “