Pdf copy 1

زمن رشيد
​تخفق الكثير من الأدبيات السياسية الحديثة عندما تختزل مفهوم «القانون» في أجهزة الرقابة أو في هيئة النصوص المدونة والعقوبات الزجرية؛ فالشرطة والمحاكم تضمن الحد الأدنى من النظام، لكنها لا تبني أمة فاضلة ولا تصنع مجتمعاً متماسكاً، إذ إن عمق الدولة الحقيقي ودرجة تحضرها لا يُقاسان بشرور العقوبات أو بكثرة عيون السلطة، بل بما يُمكن تسميته بـ «احترام القانون الذاتي»، وهو ذلك الامتثال الواعي والواجب الأخلاقي الذي يمارسه الفرد حين يغيب الرقيب وتتاح له فرصة المخالفة دون أي احتمال للعقاب. إن الخوف من العصا سلوك بدائي تستجيب له كافة الكائنات، أما الانصياع الطوعي للمبدأ فهو الخصلة الإنسانية الفذة التي تحول الجمع من البشر إلى مجتمع مواطنين، وكما يرى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في طرحه الأخلاقي الخالد أن هناك شيئين يملآن الوجدان بإعجاب وإجلال يزدادان كلما أطلنا الفكر فيهما: السماء ذات الكواكب فوقنا، والقانون الأخلاقي الداخلي في صدورنا. فالقانون الذاتي هو السور الذي يبنيه المرء حول حريته لكي لا تتعدى على حريات الآخرين، وهو الإدراك العميق بأن خرق النظام في خلوات الليل لا يُسقط هيبة الدولة فحسب، بل ينخر في بنيان السلم الاجتماعي الذي يستظل به الجميع. وقد سجّل التاريخ الإنساني صوراً ناصعة لعظماء جعلوا احترام القانون الذاتي والالتزام بالضمير مقدماً على المنفعة الشخصية بل وعلى النجاة بالنفس؛ فنشهد ذلك جلياً في موقف الفيلسوف اليوناني سقراط الذي حين حُكم عليه بالإعدام ظلماً بتهم باطلة، أعدّ له أتباعه خطة فرار محكمة من السجن، لكنه رفض الخروج وجلس يشرح لتلاميذه أن قوانين أثينا هي التي ربيته وحمته وصنعت كرامته، وأن نقضها اليوم لمجرد أنها أصدرت حكماً جائراً ضده سيهدم مفهوم «الدولة والشرعية» من أساسه، فآثر تجرع سم الشوكران والامتثال لضميره على نجاة بدنه وهدم قانون مجتمعه. كما يظهر احترام القانون كضمير حي في موقف الخليفة عمر بن الخطاب عندما تخاصم مع أحد عامة الناس وجلسا معاً أمام القاضي شريح، وحين قام القاضي ليُجلّ الخليفة ويُرحب به زجره عمر قائلاً إن هذا أول جوره وسوى بينه وبين خصمه في المجلس، حيث كان يملك السلطة المطلقة لعزل القاضي أو تجاوز اللائحة، لكن القانون الذاتي داخل السياسي المسؤول منعه من جعل السلطة فوق العقد الاجتماعي. وعلى المنوال ذاته، نجد أبراهام لنكولن في أحلك ظروف الحرب الأهلية الأمريكية قد تعرض لضغوط هائلة لتجاوز أحكام القضاء والدستور للحفاظ على مكاسب الحرب بسرعة، ومع ذلك رفض أي إجراء يُفقد الدولة بوصلتها القانونية، مؤكداً أن الاستهانة بالقانون باسم حماية الدولة هي أقصر الطرق لتدمير الدولة نفسها، ولم يخضع لإغراء السلطة الحربية بل جعل احترام القانون مرجعيته الأولى والأخيرة. إن مأساة المجتمعات تبدأ عندما يُنظر إلى القوانين على أنها عوائق يجب الالتفاف عليها، لا كالتزامات أخلاقية تضمن بقاء الجمع، ومتى ما استقر في الوجدان الجمعي أن خرق القانون هو هزيمة شخصية للضمير قبل أن يكون مخالفة تحررها أجهزة الدولة، نكون قد وضعنا اللبنة الأولى لدولة المؤسسات الرصينة، فاحترام القانون الذاتي هو الفضيلة الأسمى التي تحمي الأمم من الانزلاق نحو الفوضى وتمنح الدولة معناها الحقيقي.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *