بقلم/ د. خالد قنديل
ليست الدولة حدودا مرسومة على الخرائط، ولا علما يعلو الأبنية، ولا نصوصا دستورية تتلى عند الحاجة، وإنما هي قبل ذلك كله مرجعية سيادية واحدة، وقانون نافذ، وقرار لا ينازعه قرار خارج مؤسساتها، وقوة لا تستخدم إلا باسمها وتحت سلطانها. ومن هنا، فإن قضية حصر السلاح بيد الدولة في العراق لم تعد مسألة إجرائية تتعلق بكيفية جمع السلاح أو توقيت ذلك، ولا ملفا أمنيا يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم. لقد أصبحت تمس أصل فكرة الدولة نفسها: من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يملك، باسم الشعب والقانون، حق استخدام القوة؟، فالحديث عن السلاح في العراق ليس حديثا عن بندقية أو صاروخ أو طائرة مسيرة بقدر ما هو حديث عن مصدر القرار. وقد يبدو هذا المبدأ بديهيا في منطق الدول، لكنه في الحالة العراقية محاط بتاريخ بالغ التعقيد، اختلطت فيه الضرورات الأمنية بموازين النفوذ الداخلي والإقليمي. ومنذ سقوط النظام العراقي عام 2003، دخل العراق مرحلة من أشد مراحل تاريخه الحديث اضطرابا. تفككت موازين كانت قائمة، وتكونت مراكز قوة جديدة، وصعدت جماعات مسلحة استطاعت، بدرجات متفاوتة، أن تجمع بين النفوذ الأمني والحضور السياسي، كما ارتبط بعضها بعلاقات وأجندات إقليمية. وهكذا تحول السلاح، في مراحل كثيرة، من أداة يفترض أن تحمي الدولة إلى عنصر من عناصر النفوذ خارج مؤسساتها.
والدستور العراقي لم يترك أصل المسألة غامضا، إذ نصت المادة التاسعة على حظر تشكيل ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة. غير أن المسافة بين النص والواقع اتسعت في العراق بفعل ظروف استثنائية وحروب متلاحقة وضعف مؤسسات الدولة في مراحل مختلفة. والإنصاف يقتضي، مع ذلك، قراءة قضية السلاح في سياقها التاريخي كاملا. فحين اندفع تنظيم داعش قبل أكثر من عقد ليهدد العراق ومدنه ومجتمعه، كان لقوات الحشد الشعبي دور بارز في مواجهة ذلك الخطر، ثم أصبحت لاحقا جزءا رسميا من المنظومة الأمنية العراقية. وهذه حقيقة لا ينبغي إنكارها، كما لا ينبغي في المقابل أن تتحول إلى ذريعة لتعليق مفهوم الدولة إلى غير نهاية. فما تحتاج إليه الدولة في ساعة الخطر قد يختلف عما تحتاج إليه في زمن إعادة البناء. وما كان ضرورة في الاستثناء لا ينبغي أن يصبح قاعدة دائمة. والتاريخ قد يفسر نشوء الظواهر، لكنه لا يمنحها بالضرورة حق البقاء خارج منطق الدولة إلى الأبد. ومن هنا ينهض السؤال الذي لا ينبغي للعراق أن يؤجله طويلا، هل ما زال استمرار تشكيلات مسلحة بخصوصياتها التنظيمية وقرارها المستقل ضرورة تفرضها اللحظة العراقية؟ أم أن اللحظة نفسها باتت تفرض الانتقال من منطق القوى المتعددة إلى منطق الدولة الواحدة؟، إن الدولة الحديثة لا تلغي تعدد الآراء والاتجاهات السياسية، لكنها لا تحتمل تعدد المرجعيات المسلحة. اختلاف السياسة مشروع، أما اختلاف السلاح فليس كذلك. فالسيادة لا تستقيم إذا استطاعت قوة ما أن تفتح باب المواجهة أو تجر البلاد إلى صراع من دون المرور عبر مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق تكتسب تعهدات رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي أهميتها، إذ أعلن أن منهاج حكومته يقوم على تعزيز هيبة الدولة وسيادة القانون، وأن حصر السلاح بيد الدولة يأتي في صدارة إصلاح المنظومة الأمنية، بالتوازي مع الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. وهذه المسارات ليست منفصلة عن بعضها. فلا اقتصاد قويا في وطن يتعدد فيه القرار الأمني، ولا استثمار مستقرا في بلد تستطيع فيه قوى خارج مؤسسات الدولة تغيير قواعد المشهد الأمني بقرار مستقل. فالأمن ليس كل الدولة، لكنه السقف الذي تقوم تحته بقية عناصرها. غير أن تحقيق هدف حصر السلاح لا ينبغي أن يبدأ من فوهة البندقية، بل من مائدة الحوار. حوار عراقي-عراقي، لا تكون نتائجه امتدادا لصراع إقليمي، ولا استجابة حرفية لإرادة خارجية. وقد تعهد الزيدي بالمضي في هذا التوجه خلال زيارته إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن القيمة الحقيقية للمشروع لا تقاس برضا واشنطن عنه أو اعتراض غيرها عليه، وإنما بكونه استجابة لحاجة عراقية أصيلة. فالمصلحة العراقية قد تتقاطع مع مطالب دول أخرى، لكن شرعية القرار يجب أن تبقى نابعة من الدستور والمصلحة الوطنية.
ولهذا يبقى الحوار هو الطريق الأكثر حكمة. فليست الحكمة أن تواجه كل قوة بالقوة، ولا أن يختصر تاريخ معقد بقرار إداري مفاجئ. والمجتمع العراقي الذي خبر الحروب طويلا يعرف أن أول الرصاص معلوم، أما آخره فلا يعلمه أحد. إن الانزلاق إلى مواجهة داخلية بين الحكومة وفصائل مسلحة قد يبدد كثيرا مما تحقق في السنوات الماضية، ويعيد العراق إلى مناخات دفع أثمانا بشرية وسياسية واقتصادية هائلة للخروج منها. والسياسة الحكيمة ليست التي تثبت قدرتها على إشعال المعركة، بل التي تحقق غايتها من دون أن تمنح الفتنة فرصة للاستيقاظ. ولهذا فإن أي مسار ناجح لحصر السلاح يجب أن يفرق بوضوح بين الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة قانونية رسمية، وبين أي نشاط مسلح يجري خارج أوامر الدولة والقائد العام للقوات المسلحة. فالمعيار ليس اسم التشكيل، وإنما خضوع السلاح والقرار والحركة للمرجعية الدستورية.
كما أن موقف ائتلاف إدارة الدولة، الذي أكد التعامل مع النشاط المسلح خارج إطار الدولة بعد المواعيد المحددة وفق قانون مكافحة الإرهاب، يكتسب أهميته من كونه تعبيرا عن توافق داخلي، لا مجرد استجابة لضغط من الخارج. فالقانون حين يكون امتدادا لإرادة وطنية يكون أكثر قدرة على ترسيخ هيبة الدولة. وقد دفع العراق ثمنا باهظا بسبب ازدواجية القرار، حين كانت الحكومة تتحمل أحيانا تبعات أفعال لم تمر عبر سلطتها المركزية. ففي لحظات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، أو اتساع المواجهات في المنطقة، يجد العراق نفسه أمام خطر أن يدفع ثمن قرارات لم يتخذها.وهنا يظهر البعد الأخطر لاستمرار تعدد مراكز القوة. فالمشكلة ليست فقط في علاقة العراق بهذه الدولة أو تلك، وإنما في قدرة الدولة العراقية نفسها على تقرير ما إذا كانت تدخل حربا أو تمتنع عنها. كما أن تعدد القرار العسكري ينعكس مباشرة على صورة العراق في الخارج. فالاستثمار لا يقرأ الخطب، وإنما يقرأ الاستقرار، والشركاء الدوليون لا يسألون فقط عن القوانين، بل عن قدرة الحكومة على إنفاذها. والدولة التي تريد جذب رؤوس الأموال وحماية المنشآت والمصالح لا يكفي أن تقدم التعهدات، بل عليها أن تثبت أن قرار استخدام القوة داخل أراضيها لا يملكه إلا مؤسساتها. ومن هنا فإن حصر السلاح يمكن أن يكون أحد مفاتيح إعادة تعريف موقع العراق في السياسة الخارجية. فإذا نجحت بغداد في وضع أدوات القوة المسلحة كلها تحت سلطة الدولة، استطاعت الانتقال من صورة الساحة التي تتقاطع فوقها النفوذ إلى صورة الدولة التي تحدد علاقاتها وفقا لمصلحتها الوطنية.
عندها يستطيع العراق أن يقول للقوى المتنافسة في الإقليم، لسنا أرضا تتصارعون فوقها، بل دولة تتعاملون معها. فالسيادة ليست عزلة عن العالم، وإنما القدرة على التعامل معه من موقع القرار الحر. لكن هذا المسار لا يمكن اختزاله في قرار حكومي يعقبه التنفيذ المباشر. فالواقع أكثر تعقيدا. هناك فصائل تملك السلاح والتنظيم والخبرة وشبكات من المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما توجد بيئات ترى في السلاح جزءا من تاريخ المقاومة والحماية. وهناك كذلك مخاوف من أن يتحول التخلي عن السلاح إلى أداة للإقصاء السياسي أو تصفية الحسابات. ومن يتجاهل هذه التعقيدات قد يملك هدفا صحيحا، لكنه يختار له طريقا خاطئا.
لذلك يحتاج العراق إلى حوار يعترف بالتاريخ من دون أن يصبح أسيرا له، ويحترم التضحيات من دون أن يحولها إلى سيادة موازية، ويؤكد أن انتقال السلاح إلى الدولة لا يعني استهداف جماعة أو مكون، وإنما نقل الجميع من شرعية القوة إلى قوة الشرعية. وينبغي لهذا الحوار أن يترجم إلى ترتيبات واضحة، تشمل دمج المؤهلين ضمن المؤسسات الرسمية وفق معايير مهنية موحدة، وحصر السلاح المتوسط والثقيل بيد الدولة، والفصل بين النشاط السياسي والتنظيم المسلح، ومعالجة شبكات النفوذ والاقتصاد المرتبطة بالسلاح. فالمشكلة لا تكمن في السلاح وحده، وإنما في المنظومة التي تمنحه القدرة على الاستمرار خارج مؤسسات الدولة. كما ينبغي أن تقوم العملية على ضمانات سياسية وقانونية تمنع تحول نزع السلاح إلى عقاب سياسي، وتثبت أن الدولة قادرة على حماية جميع مكوناتها بعدالة. فالدولة لا تطلب الثقة بالكلمات، بل تبني أسبابها بالإنصاف.
وقد ظهرت مؤشرات على استعداد بعض الفصائل لتنظيم سلاحها أو وضعه تحت سيطرة الدولة، فيما ما تزال فصائل أخرى أكثر تمسكا بمواقفها السابقة. وهذا التباين، على صعوبته، يوضح طبيعة المشهد ويفتح المجال أمام التمييز بين من يمكن إقناعه بالحوار، ومن يحتاج إلى ضمانات، ومن يرى في السلاح أداة نفوذ لا يريد التخلي عنها. وهنا تختبر الدولة حقا. فليست الدولة القوية هي التي تعرف كيف تعاقب فقط، بل التي تعرف كيف تستوعب وتفاوض وتضع الخطوط الحمراء. وليست الدولة العادلة دولة ضعيفة، كما أن الدولة الحازمة ليست بالضرورة دولة ظالمة. العراق يحتاج إلى الاثنين معا، دولة قوية أمام السلاح المنفلت، وعادلة مع القوى السياسية والمجتمعية. فالقوة من دون عدل تتحول إلى قهر، والعدل من دون قوة يتحول إلى أمنية.
إن معركة حصر السلاح، بهذا المعنى، ليست معركة مع فصيل أو مكون، ولا ينبغي أن تتحول إلى ذلك. إنها معركة بين مفهومين: دولة يكون القانون سقف الجميع فيها، وقوى تحتفظ لنفسها بحق استخدام القوة خارج ذلك السقف. ولا ينبغي أن يكون المنتصر في هذه المعركة طائفة على أخرى، ولا حزبا على حزب، ولا حكومة على جماعة. ينبغي أن يكون المنتصر هو العراق. فمن حمل السلاح دفاعا عن أرضه لا ينبغي أن يهان حين يعود إلى الدولة، بل ينبغي أن تحفظ له تضحياته داخل مؤسسات وطنية جامعة. فالدول الكريمة تحفظ فضل أبنائها، لكنها لا تجعل من أدوار الماضي بديلا عن مؤسسات المستقبل.
وفي جوهر القضية، ليست معركة السلاح سوى معركة ثقة. فإذا وثق المواطن بأن الدولة له، وأن الجيش جيشه، وأن الأمن لا ينحاز ضده، وأن القانون لا يختار خصومه قبل أفعالهم، يصبح التخلي عن السلاح عودة إلى الدولة لا تسليما للخصوم. أما إذا بقيت جماعات أو مكونات ترى الدولة دولة غيرها، فستظل القوة الخاصة أكثر إغراء من القوة العامة. ولهذا فإن حصر السلاح يحتاج، قبل كل شيء، إلى دولة قادرة على حماية الجميع وإنصاف الجميع. دولة يكون القانون فيها مرجعا واحدا، لا أداة انتقائية، وتكون مؤسساتها قوية بما يكفي كي لا يحتاج المواطن أو الجماعة إلى قوة موازية.
العراق يقف اليوم أمام لحظة تتجاوز الحسابات الآنية، إما أن يبقى التاريخ يحكم الحاضر، وإما أن يتحول التاريخ إلى درس لبناء المستقبل. وإما أن يبقى ساحة تتقاطع عليها مشاريع الخارج، وإما أن يصبح دولة تحدد للآخرين حدود أدوارهم فيها. إن حصر السلاح بيد الدولة، إذا تحقق عبر توافق وطني وحوار مسؤول وقانون عادل، لا ينبغي أن يفهم على أنه نهاية لقوة مكون، بل بداية لقوة العراق كله. فحين تنتقل القوة من الجماعات إلى الدولة لا تختفي، وإنما تتوحد. وحين يصبح القرار العسكري في يد المؤسسات، يصبح السلاح سلاح العراقيين جميعا، لا أداة لفئة دون أخرى. لقد عرف العراق من وجع الماضي ما يكفي ليدرك أن كثرة السلاح لا تعني كثرة القوة. فقد تكون البنادق كثيرة والوطن ضعيفا، وقد تتعدد الجيوش وتبقى الدولة هشة. أما القوة التي تدوم فهي قوة المؤسسات. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا نفعل بالسلاح؟، السؤال الأعمق هو: أي عراق نريد بعد السلاح؟، عراقا يكون فيه اختلاف السياسة مشروعا، واختلاف السلاح ممنوعا؟ عراقا يستطيع أبناؤه أن يختلفوا إلى أقصى حدود الاختلاف، لكنهم حين يبلغون حدود السيادة يجدون دولة واحدة وقرارا واحدا وقانونا واحدا؟، ذلك هو جوهر معركة حصر السلاح.
فالدولة ليست أن تملك الحكومة بنادق أكثر من الآخرين، بل ألا يملك أحد حق استخدام السلاح خارج قانونها. والهيبة ليست أن يخشى المواطن حكومته، بل أن يخشى المعتدي قانونها ويأمن المواطن عدلها. لقد دفع العراق كثيرا من دمائه واقتصاده واستقراره كي يصل إلى هذه اللحظة. ولذلك لا يليق به أن يبقى رهينة معادلات صنعتها أزمنة الطوارئ. آن للدولة أن تنتقل من إدارة التوازن بين القوى إلى أن تكون هي ميزان القوة، وأن تنتقل السيادة من لغة الخطب إلى واقع المؤسسات. وعندها فقط يستقيم المعنى، أن تكون للعراق دولة، لا دول داخل الدولة، وأن يكون له قرار، لا قرارات تتدافع في الظل، وأن يكون له سلاح، لا أسلحة تتنازع حق الكلام باسمه. وأن تكون بغداد عاصمة القرار العراقي، لا صندوق بريد لقرارات الآخرين. فالدول لا تنهض حين يكثر فيها حملة السلاح، وإنما حين يعلم كل حامل للسلاح أن فوق يده يد القانون. وحين ينجز العراق ذلك، يكون قد خرج من زمن الضرورات إلى زمن الدولة، وأعلن لنفسه قبل أن يعلن للعالم، هذه أرضنا، وهذا قانوننا، وهذا قرارنا. نختلف في السياسة ما شئنا، ونتنافس في صناديق الاقتراع ما استطعنا، أما سيادة العراق فلا شريك فيها، وقرار الحرب والسلم لا يد فوق يد الدولة.


لا يوجد تعليق