المهندس علي جبار
قراءة مقارنة في فجوة الكهرباء العراقية: بين حجم الحاجة المعلنة وخسائر النقل والتوزيع التي تلتهم 50–60% من الطاقة
رقم 60 ألف ميغاواط الذي يُطرح اليوم كحاجة للعراق إلى الكهرباء يستحق مراجعة منهجية، ليس لأن العراق لا يحتاج إلى زيادة كبيرة في قدرته الكهربائية، وإنما لأن الذروة لا تعني بالضرورة الطلب الاقتصادي الحقيقي، ولا يجوز تحويل أعلى حمل صيفي إلى معيار وحيد لتحديد حجم منظومة التوليد المستقبلية.
للمقارنة، تبلغ ذروة الطلب في بريطانيا العظمى نحو 45.9 ألف ميغاواط، بينما تتجاوز في السعودية 77 ألف ميغاواط، وتدور في إيران وألمانيا حول 80–86 ألف ميغاواط، في حين أن أستراليا تسجل ذروات في سوقها الوطني تقارب 34 ألف ميغاواط. أي أن العراق، إذا اعتمد رقم 60 ألف ميغاواط، سيكون عند مستوى استهلاك يقترب من اقتصادات أكبر منه بكثير في النشاط الصناعي والإنتاجي.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية في المقارنة: بريطانيا وألمانيا وأستراليا وإيران والسعودية لديها قواعد صناعية واقتصادية كبيرة تستهلك الكهرباء بصورة منتجة؛ مصانع، مناجم، صناعات تحويلية، بتروكيمياويات، مراكز بيانات، نقل كهربائي، ومرافق إنتاجية واسعة. أما العراق، فما زال جزء كبير من طلبه الكهربائي متركزاً في الاستهلاك المنزلي والتبريد والخدمات، مع قاعدة صناعية وطنية أقل بكثير من هذه الدول. والـIEA نفسها تشير إلى أن الصناعة تمثل عاملاً رئيسياً في نمو الطلب على الكهرباء في الاقتصادات الكبرى، بينما يرتفع الطلب في العراق بصورة خاصة نتيجة الحرارة والتكييف والنمو السكاني . (IEA)
والأكثر أهمية أن الطلب العراقي الحالي متأثر بشدة بضعف الشبكة. فالـIEA تقدر خسائر النقل والتوزيع في العراق بنحو 50–60%، وهي من أعلى المستويات عالمياً، بينما تشير بيانات أحدث وتحليلات قطاعية إلى خسائر كبيرة جداً في مرحلة التوزيع تحديداً. كما أن الـEIA قدرت أن العراق في 2024 كان يمتلك نحو 25 غيغاواط فقط من الإمداد المتاح وقت الذروة، مقابل نحو 48 غيغاواط من الحاجة في ذروة الصيف . (IEA)
وهذا يعني أن جزءاً من المشكلة ليس نقص محطات التوليد فقط، وإنما كمية الكهرباء التي تضيع بين محطة التوليد والمستهلك، إضافة إلى التجاوزات، وسوء كفاءة الأجهزة، وضعف العدادات، واختناقات النقل والتوزيع. وتشير دراسة عراقية حديثة إلى أن الكهرباء التي وصلت إلى شبكات التوزيع في 2024 كانت نحو 149 تيراواط/ساعة، بينما بيع للمستهلكين نحو 67 تيراواط/ساعة فقط، مع خسائر توزيع ضخمة.
لذلك، فإن بناء محطات جديدة للوصول مباشرة إلى 60 ألف ميغاواط من دون احتساب أثر إصلاح الشبكة يشبه زيادة إنتاج المياه لتعويض الأنابيب المتسربة.
المقارنة الصحيحة للعراق يجب أن تكون على ثلاثة مستويات:
أولاً: ذروة الطلب الفعلية.
ثانياً: الطلب الاقتصادي المنتج، خصوصاً الصناعة والزراعة والخدمات.
ثالثاً: الطاقة المفقودة في التوليد والنقل والتوزيع والتجاوزات.
وعليه، فإن السؤال العلمي ليس: هل يحتاج العراق إلى 60 ألف ميغاواط؟
وإنما: كم ستكون حاجة العراق الحقيقية إذا خُفضت خسائر الشبكة إلى مستويات مقبولة، وعولجت التجاوزات، ورفعت كفاءة أجهزة التبريد، وأعيد تشغيل القطاع الصناعي على أسس إنتاجية؟
فقد يكون العراق بحاجة إلى عشرات آلاف الميغاواطات الجديدة مستقبلاً، خصوصاً مع النمو السكاني والصناعي المتوقع، لكن اعتماد 60 ألف ميغاواط كرقم نهائي للحاجة الحالية من دون نشر نموذج احتساب مفصل للذروة والخسائر والاستهلاك الصناعي والتجاري والمنزلي يجعل الرقم بحاجة إلى تدقيق فني واقتصادي قبل اعتماده كأساس لتخطيط استثمارات بمليارات الدولارات.

لا يوجد تعليق