الشيخ أكبر علي الشحماني
المقدمة
يملك العراق مقومات كبيرة تؤهله لأن يكون دولة مزدهرة اقتصاديًا وإقليميًا، من أهمها النفط والغاز، الموقع الجغرافي، الموارد المائية والزراعية، الثروة البشرية، إضافة إلى موقعه الذي يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وإيران. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يمتلك العراق الثروات؟ بل: هل يستطيع تحويل هذه الثروات إلى تنمية مستدامة ورفاه للمواطن؟
أولًا: مؤشرات تدفع العراق نحو الازدهار
يمتلك العراق قاعدة مالية وموارد طبيعية ضخمة، كما أن احتياطياته الخارجية بلغت نحو 100.3 مليار دولار في نهاية 2024، وهو ما وفر غطاءً لأكثر من 12 شهرًا من الواردات. كما شهدت بعض القطاعات غير النفطية، مثل الزراعة والصناعة والتشييد والخدمات، قدرة على الصمود والنمو رغم التحديات.
كذلك فإن الاستثمار في الطرق والنقل والطاقة والمشاريع الكبرى يمكن أن يحول العراق من اقتصاد يعتمد على بيع النفط إلى اقتصاد يستفيد من موقعه الجغرافي ويصبح مركزًا للتجارة والنقل والخدمات في المنطقة. ويؤكد البنك الدولي أن مشاريع الطاقة والنقل يمكن أن تدعم النمو وخلق فرص العمل وتنويع الاقتصاد إذا رافقتها إصلاحات أعمق.
ثانيًا: النفط فرصة وتهديد في الوقت نفسه
يمثل النفط مصدر القوة المالية الأكبر للعراق، لكنه في الوقت نفسه أحد أكبر مصادر المخاطر. ووفق البنك الدولي، شكّل النفط في 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من إيرادات الحكومة، و91% من صادرات السلع. وهذا يعني أن أي انخفاض كبير في أسعار النفط أو صادراته ينعكس مباشرة على الموازنة والاقتصاد.
لذلك فإن الازدهار الحقيقي لن يتحقق بمجرد زيادة إنتاج النفط، بل عندما يتم استثمار عائداته في الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا والنقل والتعليم والبنية التحتية.
ثالثًا: الكهرباء والماء مفتاح التنمية
لا يمكن بناء اقتصاد قوي من دون كهرباء مستقرة. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن خسائر توزيع الكهرباء في العراق بلغت نحو 55% في 2024 بسبب السرقات والتوصيلات غير القانونية، وهو ما يمثل خسارة اقتصادية كبيرة.
ولهذا فإن إصلاح قطاع الكهرباء، وتطوير الغاز العراقي، وتقليل الهدر، وتحسين الجباية، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، ستكون خطوات أساسية لتحويل العراق إلى دولة إنتاجية.
أما المياه، فهي تحدٍّ استراتيجي آخر؛ إذ إن نقص المياه والطاقة أصبح من العوامل التي تضغط على النمو غير النفطي، بحسب البنك الدولي.
رابعًا: القطاع الخاص هو بوابة الازدهار
من الصعب أن يصبح العراق دولة مزدهرة إذا بقيت الدولة هي المشغّل الأكبر لمعظم المواطنين. فصندوق النقد يرى أن ضعف الإنتاجية، وضخامة دور القطاع العام، وضعف الاستثمار الخاص، ومشكلات سوق العمل تحد من النمو غير النفطي.
لذلك يحتاج العراق إلى بيئة يستطيع فيها المواطن تأسيس مشروع، والحصول على التمويل، والعمل بعيدًا عن التعقيدات والروتين، مع حماية المنافسة والاستثمار.
خامسًا: مكافحة الفساد والإدارة الرشيدة
الأموال وحدها لا تصنع الازدهار. فالدولة التي تمتلك موارد كبيرة لكنها تعاني من سوء الإدارة والهدر والفساد قد تبقى في دائرة الأزمات. ويؤكد صندوق النقد أن معالجة الفساد وضعف الحوكمة ضرورية لدعم التنمية، إلى جانب إصلاح المؤسسات الحكومية والقطاع المصرفي وتحسين إدارة الإنفاق العام.
سادسًا: ماذا يحتاج العراق حتى يصل إلى الازدهار؟
يمكن وضع مشروع وطني للسنوات القادمة يقوم على ستة محاور:
تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
إصلاح الكهرباء والمياه باعتبارهما أساس الصناعة والزراعة.
دعم القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني وربطهما بسوق العمل.
مكافحة الفساد وتعزيز الرقابة والشفافية.
استثمار موقع العراق الجغرافي ليكون مركزًا للنقل والتجارة والطاقة بين الخليج وتركيا وسوريا والأردن وإيران.
وتشير دراسة لصندوق النقد إلى أن حزمة إصلاحات شاملة في الحوكمة ومحاربة الفساد وسوق العمل والقطاع المصرفي يمكن أن تضيف نحو 4 نقاط مئوية إلى النمو على المدى المتوسط مقارنة بالمسار الأساسي.
الخلاصة
نعم، العراق يمكن أن يكون متجهًا نحو الازدهار، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الازدهار المستدام. العراق يمتلك الثروة والموقع والسكان والموارد التي تؤهله لذلك، لكن الطريق يتطلب الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط والإنفاق الحكومي إلى اقتصاد يعتمد على الإنتاج والاستثمار والقطاع الخاص. فالازدهار العراقي لن يُقاس بعدد براميل النفط المصدرة فقط، وإنما بعدد فرص العمل، وقوة الدينار، واستقرار الكهرباء، وتحسن التعليم والصحة، ونمو الصناعة والزراعة، وارتفاع مستوى دخل المواطن.

لا يوجد تعليق