زمن رشيد
في المسار الطويل لتطور الفكر الإنساني، تعاقبت المفاهيم وتداخلت المصطلحات إلى الحد الذي أصبحت فيه بعض التسميات تُستبدل بأخرى دون مراعاة للفروق الفلسفية والمنهجية الجوهرية بينها، ولعل من أكثر المفاهيم تعرضاً لهذا التداخل والخلط الشائع في النقاشات الفكرية والسياسية اليومية هو الخلط بين مفهومي «العلم» و»المعرفة»، حيث يُستخدم اللفظان مراراً وتكراراً وكأنهما مترادفان يعبران عن الحالة نفسها من الإدراك البشري، غير أن القراءة التحليلية العميقة لتاريخ الفلسفة ونظرية المعرفة تكشف عن فاصل بنيوي وفكري عميق بين المفهومين لا يتوقف عند حدود اللغة أو الاصطلاح بل يمتد ليشكل الدعامة الأساسية التي تُبنى عليها المناهج السياسية والاجتماعية والتنموية لأي مجتمع يسعى إلى بناء نهضته على قواعد عقلانية صلبة. تبدأ رحلة التمييز بين المفهومين من إدراك أن المعرفة تمثل النهر العريض الشامل لكل ما يتلقاه العقل البشري ويختزنه، بينما يمثل العلم مجرى دقيقاً ومنظماً داخل هذا النهر الفسيح، إذ إن المعرفة هي الإطار الكلي والحصيلة الإنسانية التراكمية الناتجة عن التفاعل المباشر وغير المباشر للإنسان مع محيطه الطبيعي والاجتماعي، وتشمل الخبرات الذاتية، والانطباعات الأولية، والموروثات الثقافية، والحدس الشفهي، والبيانات الحسية التي يلتقطها الفرد في حياته اليومية، فعندما يدرك شخص ما أن النار حارّة لأن يده احترقت بها في الطفولة فهذه معرفة ناتجة عن التجربة المباشرة والتراكم الحسي، وهي بطبيعتها فضفاضة ومرنة وشخصية في كثير من الأحيان وتتسع لتقبل الحقائق والظنون والأفكار المثبتة والانطباعات الانفعالية. وعلى الضفة الأخرى، يقف العلم باعتباره هيكلاً منظماً ونظاماً صارماً من إدراك الواقع، فهو لا يكتفي بالمعرفة أو باستقبال البيانات كما هي بل يتجاوز ذلك إلى البحث في الأسباب والقوانين التي تحكم الظواهر، فالعلم هو المعرفة المصفاة والمحكومة بالمنهج الذي يقوم على الملاحظة الدقيقة ووضع الفرضيات والتجريب الصارم والاستدلال المنطقي القابل للقياس وإعادة الإنتاج، فإن كان الخبر الذاتي يخبرنا أن الطقس حار فهذه معرفة انطباعية حية، أما العلم فهو الذي يفسر لنا سبب ارتفاع درجات الحرارة من خلال قوانين الفيزياء الجوية وتحليل الضغط الجوي ونسب الغازات في الغلاف الجوي، إذ إن العلم لا يقبل بالظواهر كمعطيات مجردة بل يستجوبها للوصول إلى العلة الكامنة ورائها. وتتجلى هذه التفرقة المنهجية بصورة أوضح من خلال معيارين أساسيين هما الشمول والمنهجية؛ فمن حيث الشمول يُقر الفكر الفلسفي بالديداكتيك الشهير الذي ينص على أن كل علم هو معرفة ولكن ليست كل معرفة علماً، فالمعرفة هي الكل والعلم هو الجزء المتطور منها، إذ تشمل المعرفة كل ما نعرفه عن العالم سواء أكان ذلك عن طريق الفن أو الأدب أو الأسطورة أو التجربة العابرة أو الرؤى الذاتية، أما العلم فهو النواة الصلبة داخل هذه المعرفة والجزء الموثق والمحقق والقابل للبرهنة والنقد المنهجي. أما من حيث المنهجية، فإن المعرفة قد تحصل دفعة واحدة وبصورة عفوية عبر الحدس أو الملاحظة العابرة دون الحاجة إلى أدوات إثبات أو قوالب منطقية، بينما يستحيل أن يوجد العلم في غياب الأدوات المنهجية والتأطير المنطقي، فهو يقوم بطبعه على خصلة سياسية وفكرية جليلة وهي القابلية للتفنيد، أي أن القواعد والنظريات العلمية تظل صحيحة فقط طالما أنها صامدة أمام الاختبار والتجربة وتملك الشجاعة الضمنية للتراجع والتعديل متى ما ظهرت معطيات جديدة تُثبت عدم دقتها، بينما تظل قطاعات واسعة من المعرفة غير العلمية غير قابلة للاختبار التجريبي وتعتمد في بقائها على القبول الاجتماعي أو التلقي الشفاهي أو السلطة الراديكالية للفكرة. إن التمييز بين العلم والمعرفة ليس مجرد ترف فكري أو تمرين أكاديمي في فقه اللغة ونظرية المعرفة، بل هو ضرورة حيوية في مجال التحليل السياسي وبناء السياسات العامة، فالمجتمعات التي تفشل في التفريق بين المعرفة الشائعة والعلم الدقيق غالباً ما تقع في فخ إدارة الأزمات بالانطباعات والتكهنات بدلاً من البيانات والدراسات، وفي السياسة والديناميكيات الاجتماعية تشكل الانطباعات والأفكار السائدة نوعاً من المعرفة العامة لكن الاعتماد عليها وحدها في صناعة القرارات المصيرية يخلق حالة من السياسات الهشة، فالتحليل السياسي العقلاني يحتاج إلى تحويل المعرفة بالواقع إلى علم بالواقع أي الانتقال من مجرد استعراض المشاكل والأزمات إلى فهم آلياتها وبنيتها التحليلية والقوانين الموجهة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية. وتُظهر التجارب التاريخية لنهضة الأمم أن الانتقال من التخلف إلى التقدم لم يكن يوماً عبر تراكم المعارف العفوية وتكثيرها بل كان دائماً عبر عصرنة المعرفة وتحويلها إلى علم، فقد امتلكت الشعوب القديمة معرفة واسعة بالزراعة والبناء والفلك لكن الفارق الحاسم أحدثته الثورة العلمية عندما صاغت هذه المعارف في قوانين رياضية وفيزيائية وكيميائية قابلة لتوليد التكنولوجيا والابتكار المستمر، فالمعرفة هي المادة الخام التي تجود بها الحياة والتجربة البشريتان، أما العلم فهو المصنع الذي يصقل هذه المادة الخام ويحولها إلى طاقة دفع حقيقية تغيّر وجه الواقع. وختاماً، إن تعميق الفهم بالفرق بين العلم والمعرفة يمثل الخطوة الأولى نحو التحرر من سطوة الخرافة والانطباعية والتبسيط السطحي للضاغط الاجتماعي والسياسي، فالمعرفة تمنحنا الاتساع والتنوع والتواصل مع التراث والتجربة الإنسانية الممتدة، أما العلم فيمنحنا الدقة والقدرة على التنبؤ وأدوات التغيير والسيطرة على مقدرات المستقبل، ونحن في عالمنا المعاصر الأشد تعقيداً وتسارعاً أحوج ما نكون إلى الجمع المتوازن بينهما، بأن نملك المعرفة الشاملة بآلام واقعنا وإرثنا ومجتمعاتنا وأن نتسلح بالعلم والمنهج لتقديم الحلول وتشييد المستقبل.

لا يوجد تعليق