حسن العامري
في السابع والعشرين من أيلول، تعود الذاكرة بنا إلى يومٍ ليس ككل الايام ،،يوم لم يكن عابرًا في تاريخنا ، يوم غاب فية قائد ورمز ومرتكز من مرتكزاتنا حين ترجل الفارس عن صهوة جوادة ، نعم غاب السيد حسن نصر الله عن الدنيا، وبقي اسمه حاضرًا بيننا وبقيت مبادءه التي آمنا بها وبقيت خطوطة التي نسير عليها حاضرة على الطريق، بقي في ذاكرة من عرفوه وتابعوا مسيرته، وفي ذاكرة خصومه قبل أنصاره.
نعم عامان مرّا على رحيله ولكن صورته لم تمحى من حدقات العيون وصوته لم يهدئ في مسامعنا ، لان بعض الرجال لا تقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، بل بما تركوه خلفهم من أثر. وقد كان السيد حسن نصر الله واحدًا من الشخصيات التي تجاوز حضورها حدود المكان واخترقت ايامها الزمان، فبقي خالدا وان رحل وبقي موجها وان سكت فتحولت كلماته ومواقفه إلى مرحلة سياسية وعسكرية شديدة التعقيد وتمسك التاريخ بها وصارت المنطقة تعرف بشخصة فاصبحنا نكني الجنوب البطل بحسن نصر الله، خلافا لغيره من القادة الذين يكنون بالمدن.
لم يكن الرجل بالنسبة إلى أنصاره مجرد أمين عام لحزب أو قائد لتنظيم،لاننا لانرى منصب يحتويه بل هو من احتوى جميع المناصب والالقاب، بل كان رمزًا آمنوا به، ورأينا فيه صوتًا وروحا ومواقف للمقاومة في مواجهة إسرائيل وكل قوى الشر . وفي المقابل، كان بالنسبة إلى خصومه رعبا و شخصية سياسية وعسكرية شديدة التأثير، اختلفوا معها بشدة، ونظروا إلى دورها من زاوية مختلفة تمامًا. وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها حين نتحدث عن رجل ترك كل هذا الجدل والرعب في قلوب اعداءه وراءه.
لكن الموت حقيقية تضع الإنسان أمام حقيقة أكبر من الخلاف ؛ فحين يسكت صوت الرجل، يبدأ الناس في البحث عنه في قلوبهم وعقولهم والبعض يفتش من اجل اعادة قراءة سيرته بعيدًا عن ضجيج اللحظة، ويصبح السؤال ليس فقط: ماذا قال؟ بل ماذا ترك؟ وكيف سيقرأ التاريخ تجربته بعد أن تهدأ أصوات المعارك وتبتعد حرارة الأحداث؟
لقد كان السيد حسن نصر الله رجلًا يعرف جيدًا قوة الكلمة، ويعرف أن الجماهير لا تبحث دائمًا عن القائد الذي يخلو من الأخطاء، بقدر ما تبحث عن شخص يؤمن بما يقول، ويملك القدرة على تحمل تبعات مواقفه. ولهذا بقي حضوره مؤثرًا في وجدان الجميع حتى بعد رحيله. وفي ذكراه، لا أكتب لأطلب من المختلفين معه أن يصبحوا مؤيدين له، ولا لأطلب من مؤيديه أن ينسوا اختلاف الآخرين؛ فالاختلاف في السياسة حق،والاختلاف في المبادئ موجود، والتاريخ وحده سيضع كثيرًا من الأحداث في ميزانه.
لكنني أكتب عن رجلٍ غاب جسدا وهو يحمل قضية آمنا بها، وعن مرحلة ابقت بصمته شاخصة لدهور ، وعن صوتٍ غاب جسدًا ولم تغب كلماته عن ذاكرة الذين عاشوا تلك السنوات بل لازلنا نسمعها تتردد رحم الله سيدنا. حسن نصر الله، ورحم كل من بذل روحه على طريق المبادئ والدين والارض في هذه الحروب بين جبهتي الحق والباطل ، من أي ساحة من الساحات في لبنان وايران واليمن والعراق ، وحفظ الله الاسلام وكل من تمسك بالحق والحقيقة.
فبعض الرجال يغادرون الحياة، لكنهم لا يغادرون الذاكرة… وبعض الأصوات حين تصمت، يبدأ التاريخ بالحديث عنها.

لا يوجد تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *