حلمي شعراوي
من خلال عدد من التحركات والظواهر في الفترة الأخيرة، نكتشف أن ثمة بدائل، تبدو قائمة في بعض أنحاء الواقع الإقليمي، في مواجهة طروحات خطيرة أخرى أمامها، باسم العولمة. فها هي مثلاً منطقة الخليج العربي، ضمن معالجة مشاكل الإقليم المزمنة مع اليمن، تتجه لتعبئة التضامن في اتجاه الغرب الأفريقي فضلاً عن العربي في أفريقيا أيضاً، لنجد تأسيساً ممكناً لتأكيد أحد ظواهر العمل العربي الأفريقي، ما دمنا نرى التفاهم وارداً بشأنه على مساحة عرض القارة من جيبوتي إلى السنغال، مروراً بمصر والسودان. وبصرف النظر عن تفاصيل هذا التحالف وطبيعته العسكرية هذه المرة، لكنه يرتبط بالضرورة بسياسات تضعها هذه الدولة أو تلك، لعمل إقليمي في النهاية، مدعوماً بالتأكيد بعناصر عالمية لا تخفى، لكنا هنا نريد التعرف على بدايات الإقليمية الجديدة في مواجهة العولمة الساحقة لغيرها. وهناك حالة أخرى متمثلة في تحرك مصر المتسارع نحو عدد من الدول الآسيوية، كبيرها وصغيرها، وتحت مسمى واضح عن«الرحلة الآسيوية»أو الاتجاه شرقاً. إلخ. وهذه الروح «الشرقية»التي ليست جديدة في مصر على أية حال منذ الرحلة إلى باندونج لعبدالناصر عام 1955، تكتسب اليوم طابعاً جديداً، فلا «الشرق» يعني الاشتراكية السوفييتية، أو حتى بناء تكتل جديد، واضح العداء أو الموقف من «الهيمنة الغربية» كما كان الحال سابقاً، وإنما نحن هنا أمام بنية «التعددية» الجديدة في العالم وكسر الاستقطاب القديم بجهود مازالت فردية حتى الآن. والتعددية الجديدة، مازالت ذات طابع اقتصادي ملحوظ، فلا استثمارات الصين في أميركا، ولا المال الخليجي في العالم قادر على تشكيل هيمنة عولمية. وتقدم هذه النماذج مع الاختلاف بينها، حالة خاصة مبسطة أيضاً عن بنية «الأفرو آسيوية» من دون عناصرها القديمة، فلسنا هنا أمام حركة الوحدة الأفريقية القديمة، أو حاله التعاون العربي الأفريقي الصاعدة، لأن انتخاب الكويت لرئاسة القمة العربية الأفريقية منذ عامين لم يدعم فكرة التعاون أو التضامن العربي الأفريقي، كفكرة مؤسسية تحمي الحركة العربية والأفريقية على السواء، ومن ثم تظل حركة الوحدة الأفريقية محاصرة لدى بعض كتاب في تنزانيا أو غانا. كذلك يعف كتاب «العروبة» عن ذكرها الآن، وإنْ كان أحد المراكز العربية فاجأنا مؤخراً بندوته في مقر الجامعة العربية عن «التكامل العربي» الذي التف حوله عدد مناسب من المثقفين العرب بالتأكيد. لكني في كل الأحوال أصل إلى أن الخلاص عن طريق الحركة العربية أو الحركة الأفريقية غير وارد، ككتلة «قومية» في مواجهة العولمة.
ومازلنا نعيش في أفضل أحوالنا محاولات خلق «قوى إقليمية» ضمن هذه المجموعات القارية، أفريقية أو آسيوية، فنذكر مثلا في إطار المحاولة وضع الصين أو الهند أو جنوب أفريقيا وإثيوبيا. ومحاولات من مصر أيضاً، مع محاولة التشكيل لذلك في الخليج. وبودي هنا أن تعي ساحتنا العربية تحديداً قيمة هذه التطورات جميعاً مع اختلافها، لأني أكرر أن ذلك هو المنفذ الشافي من الضربات القاتلة التي تتلقاها من مفاهيم «الطائفية»، والمذهبية الدينية«، والتي تصل إلى العرقية أو الاستبدادية الاقتصادية، بما سيدمر حيواتنا مشرقاً ومغرباً من دون رحمة.
الانتماء الأفريقي الآسيوي إذن، وفي بنيات إقليمية، أو باستعادة ملحمة»الآسيوية الأفريقية«لباندونج، هو الذي يمكن أن ينقذ المنطقة من هجوم جديد يطرح من دون أي حرج من قبل الدول الكبرى باسم»التحالف الدولي«لتدمير هذه الدولة أو تلك «إقليمياً».. والغريب هو الانتقائية الملفتة لمن لهم حق ممارسة «العولمة العسكرية» الجديدة بالتدخل في سوريا أو العراق أو ليبيا، بل والتحكم الفردي (فرنسي أو أميركي أو اتحاد أوروبي) في شكل وعضوية وتوقيت التدخل.
وهنا نستطيع التوقف لنقول إننا لانسعى لتشكيلات «قومية» لا يحبها «أصدقاؤنا»، ولكننا نسعى لتشكيلات «الإقليمية»، التي يمكن أن تتدرج، مع تصفىة الاضطرابات المؤقتة، إلى كتل فعالة لبناء كتله الجنوب، تصبح فيها «بريكس» مثل «الخليج» مثل «التضامن العربي الأفريقي» بذوراً صالحة لبناء «الأفرو آسيوية» داخل عولمة إنسانية جديدة، وحقيقية. ورحم الله «مالك بن نبي» الجدير بقراءة ثانية هذه الأيام. ومن لم يستجب لمثاليته، فليقرأ خطابات «المهدي بن بركة»! وأظن أن المشارقة أولى أن يسارعوا إلى الكاتبين!