السبعينيات كانت البداية وفي المشهد التاريخي صورة يتوسطها نزار قباني ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي وشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري وهم يتحشدون على منصبة المهرجان الشعري الأول للمربد في البصرة عام 1971.
في الصباح يرتقي منبر الشعر مجموعة كبيرة من الشعراء الأسماء وفي المساء تعقد الأمسيات النقدية وها هو صوت سهيل أدريس يهدر ناقداً في أمسية يحضرها سياسيون عرب وعراقيون وشعراء جيل الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وفي لحظة يتفجر فضاء الأمسية النقدية بقنبلة موقوتة وضعها الناقد الدكتور سهيل ادريس تحت مقعد شاعر العرب الأكبر الجواهري حيث قال (استمعت اليوم إلى ست عشرة قصيدة شعرية كلها ذكرتني بشعراء العهد العباسي خصوصاً قصيدة الشاعر الجواهري التي لطالما كانت شديدة الصلة بأجواء التمسح باحذية الخلفاء). كانت قصيدة الجواهري عباسية بامتياز في نظر هذا الناقد الكبير ولم تكن لها علاقة بأجواء الشعر العربي الحديث المفعم بالرؤية العريضة لقضايا التحرر والعروبة وهموم القومية العربية وحين تكون القصيدة هكذا فهي تعبير عن انحدار لا علاقة له بالارتفاع الشعري المشهود!.
لم يكن نزار قباني في مربد 1971 يقبل حين يرتقي المنبر أن يقدمه عريف المربد العراقي المذيع الراحل رشدي عبد الصاحب.. كان يصر على أن يقدمه محمود درويش فيقبل شاعر الثورة الفلسطينية المهمة ويرتقي المنصة وهو يقول(كيف يقدم الورد رحيقه وكيف تقدم النوارس بحارها.. مع نزار قباني). كان حشد المربد الشعري في البصرة عربياً وبعض عراقي وكانت الأسماء تعبيراً عن هوية عراقة لهوية شعرية عراقية جامعة كان الشعر العربي يحتاجها في ظروف التحول القومي وفي مراحل أفاد النظام السابق منها في التعريف بالقضايا التي تتناول برنامجه السياسي الخاص وفي وقت كان البعث العربي يعيش نشوة انتصار بعد هزائم مني المشروع القومي بها في الستينيات فتحولت إلى حرائق في المربد البصري بداية السبعينيات!.
أين نحن من هذا المربد البصري اليوم.. أليست لدينا ذات القضايا القومية والوطنية الملحة؟ ثم أليست هنالك أسماء شعرية عربية كبيرة!. أين نحن من هذا المربد، وأنا أشاهد شقيق المربد السابق وقد لونه القيمون عليه بإضافة تسمية غريبة عليه هي مربد مظفر النواب؟!.
في السابق وعلى جلالة قدر التسميات والأسماء الشعرية العربية لم يكن المربد(يتسمى) بأسم شاعر ولو كان لكان اعتلى التسمية شعراء سابقون أهم تركوا بصمة في تاريخ الشعر العربي وعاشوا في أعماق التجربة الشعرية العربية وصنعوها كأبي الطيب المتنبي وأبي العلاء المعري والبحتري وأبي العتاهية وامرؤ القيس وصريع الغواني وآخرين لكن المربد بقي (حاضنة) بلا اسم سوى المربد لكل الابداعات والأسماء وعاش طليقاً ولم يتأبد بأسم شاعر، قدر ما تأبد باسمه، فلماذا سمي المربد الحالي بمربد مظفر النواب، والنواب منذ سنوات لم يكتب قصيدة واحدة عن العراق وبقي مسكوناً بقراءة نص قديم كتبه عن محمد الدرة وبقي يستعيده في دمشق مراراً وتكراراً في إذاعة فلسطين! الشيء الذي سقط في الذاكرة، وأنا أشاهد صورة المربد في مربع المشهد التلفزيوني، أننا (محّلنا) المربد وأبعدنا مشهده السبعيني عن عروبته ووجود العربية فيه بغياب الأسماء الشعرية العربية الراهنة وما قيمة وجود شاعر أجنبي في مربد شعري عربي؟.
لقد حضرت بعض الأسماء التي قيل إنها أسماء شعرية عراقية لم تستطع تأهيل المربد كمهرجان ومكانة وآبدة شعرية.
أدعو وزارة الثقافة ووزيرها الدكتور سعدون الدليمي إلى إعادة الاعتبار للمربد السبعيني عبر ممارسة قدر كبير من المسؤلية الثقافية في الانفتاح على الشعراء العرب وهو إن دل على شيء (عدم وجود هؤلاء الشعراء) فهو تعبير عن اشكالية الانكفاء التي عليها الشعرية العراقية وربما السياسة العراقية في الأوساط الشعرية العربية.
المربد الحالي انعكاس لبؤس الواقع الثقافي في العراق وإذا كان لدينا بعض خجل على واقعنا الثقافي وسمعتنا الشعرية فإن الذوق يحتم اعادة النظر والمعالجة المطلوبة لصورة المربد ولو بتأجيل انعقاده ريثما تكتمل ذات الصورة السبعينية برؤية شعراء لهم القدح المعلى في الشعرية العربية وليس استقدام أنصاف الضباط!.