تطور اللغة

يقال ان اللغة كائن حي ، ولأنها كذلك فهي تتغير من زمن الى زمن ، وتأخذ بأسباب التطور مرحلة بعد مرحلة ، تماما كما هو حال ابن ادم ، ولهذا فأن مفردات الشعر الجاهلي ولغته وصوره ، هي غيرها في العصر الأموي ، وغيرها في العصر العباسي وغيرها في عصرنا الراهن … وهكذا .اعرف شابا يدعى مظلوم العطوان ، يعمل موظفا في إحدى دوائر الدولة ، كان غاية في الطيبة والبساطة والنزاهة ، وحصل ذات يوم ان طفح به الكيل فتحدث الى زملائه عن أزمة السكن ، وكيف ان هذه الأزمة تقف حائلا بينه وبين زواجه ، لان الدنانير القليلة التي يقبضها شهريا تحت عنوان ( راتب ) ، لا تكفي بمجموعها لإيجار شقة صغيرة او كوخ في أطراف العاصمة ، وقد دار هذا الحديث قبل 3 أشهر على احتلال العراق ، ولم يكد العطوان ينتهي من كلامه ، حتى فاجأه احد الموظفين من ذوي البدلات الزيتونية بصوت غاضب ( اسمع مظلوم أفندي .. إذا سمعتك مرة ثانية تشتم السلطة ، ارفع بيك تقرير وخليهم يطيحون حظك ! ) سكت الرجل على الفور مندهشا من هذا الموقف الغريب ، فهو لم يشتم السلطة ولم يذكرها من قريب او بعيد ، وهو يدرك بالمقابل ، ان ابسط معاني ( طيحان الحظ ) هي الطرد من الوظيفة ، ولهذا ابتلع الاهانة وفوض أمره الى الله … ثم ( وقع ) الاحتلال وسقط النظام في حرب سريعة ، وكانت مفاجأة العطوان بما جرى لاحقا اكبر من الحرب ونتائجها ، فالموظف الذي هدده برفع التقرير وطيحان الحظ تم تعيينه مديرا للدائرة من بين الموظفين الآخرين حيث ظهر بان ابن عمة والدته كان يعمل مع المعارضة في الخارج !

اجتمع المدير الجديد بموظفي دائرته ، وأفاض في الحديث عن مساوئ النظام القديم ، وأفاض أكثر في الحديث عن حسنات العراق الجديد بعد التحرير ، وانه على أبواب تجربة فريدة في البناء الديمقراطي ، ثم طلب منهم ان يطرحوا ما لديهم من مشكلات او متاعب او آراء من دون مخاوف ولا محاذير أمنية ، وهكذا نسي العطوان كل شيء وأحس بالفرح واخذ يدغدغ خاصرته ، وان أمر زواجه بات قاب قوسين او أدنى ، فما كان منه إلا ان استأذن طالبا الكلام وسأل المدير ( أستاذ … هل هناك نية لحل أزمة السكن في القريب العاجل … وجنابك يعرف ان زواجي منذ أربع  سنوات متوقف على توفير بيت او شقة او … ) وقبل ان ينتهي من عبارته قاطعه المدير وهو في اشد حالات الغضب ( اسمع مظلوم أفندي .. إذا سمعتك مرة ثانية تشتم الحكومة .. ارفع بيك تقرير وخليهم يجتثوك ) .وسواء سكت العطوان وفوض أمره الى الله ، أم ظل يحاور نفسه حوارا داخليا ، إلا ان القضية التي شغلت باله في تلك اللحظة تكمن في السؤال التالي : هل ان مفردة الاجتثاث هي البديل عن مصطلح طيحان الحظ ؟!

أنا شخصيا لا ادري الى اية قناعة توصل مظلوم العطوان ، بل لا يهمني الحادث جملة تفصيلا ، وقد أتيت على ذكره مثالا واضحا عن تطور اللغة ، وما خفي من الأمثلة  كان أعظم !!