حين بلغت الأربعين من العمر، شعرت لأول مرة، أنني بدأت أعي الحياة على حقيقتها، وأدركت أن أربعة عقود من الأوهام والأخطاء والمواقف الصبيانية التافهة، هي التي طبعت تصرفاتي وعلاقاتي وأفكاري، ولذلك عمدت إلى مراجعة نقدية صارمة، وغيرت الكثير الكثير من فهمي الساذج للأمور، ومن قناعاتي التي تفتقر إلى المنطق والحكمة. واحدة من عشرات، بل مئات القناعات الفوضوية القديمة التي نقدتها وانقلبت عليها انقلابا جذريا واعيا، هي مسالة التخصص ، فقد كنت اقف بالضد من هذه المسألة، ولا أرى ضيرا في ان يكون الانسان مهندسا ومحاميا ورساما وجراحا وضابطا في الجيش ومقاولا في وقت واحد، كما لم أكن أجد ضيرا في من يجمع بين هواية الموسيقى والغناء والرياضة وصيد السمك والسفر وقيادة الدراجة النارية ، وبين هواية جمع الفراشات والطوابع والنسوان والسبح والعمل القديمة وأجهزة الموبايل وكلاب الزينة في وقت واحد، وبقدر متساو من الاهتمام! هذا عبث غير مقبول ، وتشتت نفسي ووجداني وفكري يضيع معه المرء، وتضيع شخصيته المركزية، ولا يعرف موطئ قدمه الحقيقي ، هكذا بدأت افكر وادعو الى التخصص وأهميته في الحياة، وبغيابه تغيب الهوية الإبداعية، وتتضاءل فرص التركيز والابتكار والتطور، اما ان تكون طبيبا او محاميا، واما ان تكون موسيقيا وتاجرا، واما ان تكون لصا او شرطيا ، واما ان تكون مع النظام او معارضا له، اما ان يجمع ابن ادم في شخصيته بين الفنان والتاجر، او بين اللص والشرطي.. او بين الوزير والفقير ، فهذا مرفوض تماما، ويطعن الاختصاص في الصميم! قناعة الاختصاص قناعة راسخة اهتديت إليها فيما اهتديت بعد بلوغي الأربعين وتجاوزي هذه السن، بحيث نضج وعيي وفكري، واختمرت رؤيتي، ولم اعد أناقش هذا الموضوع لأنه بات من المسلمات البديهية بالنسبة لي، ولذلك حين سألني بحارنا ابو حسين، وهو مواطن بسيط يعاني من كثرة العيال، ومن ازمة فقر مزمنة (ستاد .. هاي شنو المشكلة بين السيد رئيس الحكومة وبين السيد الناطق باسم الحكومة .. الله يحفظهم ، اشو كلامهم بي شويه اختلاف)، غضبت منه غضبا شديدا ، لأنه يجهل معنى الاختصاص ، ثم قلت له (السيدان الفاضلان كلاهما يمثل الحكومة) هز الرجل رأسه ، وعندها سألته (هل حصل في يوم من الايام ان تدخلت الحكومة في شأن من شؤونك، أو سألت عن ازمتك مع الفقر وكثرة العيال؟)، أجابني (لا … لم يحصل ، الشهادة الله ، الحكومة لم تضايقني في يوم من الايام ، او تسأل عني ، او تتدخل في شؤوني ! ) وعندما انتهى كان غضبي قد بلغ قمته ، ولهذا صرخت في وجهه (يا مغفل يا جاهل … متى تفهم ان الاختصاص اهم شيء في الحياة ؟ انت من الشعب ، والشعب له تخصص، والسيدان الفاضلان من الحكومة، والحكومة لها تخصص ، وما دامت الحكومة ملتزمة بتخصصها ولم تتدخل في تخصص الشعب او تسأل عن قضاياه ؟ فلماذا تسمح لنفسك بالتدخل في اختصاصها ، ولماذا تسأل عن قضاياها؟ عليكم اللعنة .. ناس جهلة لا تفهمون التخصص وتدسون أنوفكم فيما لا يعنيكم!) كان ابو حسين مندهشا ، ثم نهض ، وقبل ان يغادر المكان قال لي (صحيح ستاد اني كلش غشيم وابن … ) ومن يومها وهو صامت لا يسأل عن صفقة اسلحة ولا فساد مالي ولا ملفات جاهزة .. فتلك امور من اختصاص الحكومة .. وهو .. من الشعب !!