لا ريب أن التَبرُّم في معاجم المدن العريقة يعد من أشد حالات الضجر والاستياء والتذمر, وهذا هو حال ساحة (أم البروم) البصرية العتيقة, التي التصق بها الضجر والتصقت به, فلم يفارقها ولم تفارقه منذ اليوم الذي استقبلت فيه قوافل الموتى, وصارت فيه من أشهر مقابر مدينة العشَّار بالبصرة, حتى اليوم الذي تحولت فيه إلى أكبر مزابل المدينة, ثم صارت رمزا شعبياً من رموز الملل والقرف والخراب بعد انكماش مساحتها, وتقزم أرصفتها, واختفاء بواباتها, وتشوه ملامحها.
يقولون هذه الأيام: إن أم البروم أبرمت اتفاقية مع مقاول من خارج البصرة, وإنها اتفقت معه منذ أكثر من عام على ترميم ما تبقى من خرائبها في غضون ثلاثة أشهر, فاختفى المقاول, ولم يكمل المهمة المنوطة به على الوجه الأكمل. . يعود تبرم أم البروم إلى عام 1875, ففي تلك السنة تعرضت البصرة إلى انتشار مرض الطاعون, الذي جلبته لها السفن الهندية والإفريقية القادمة من المرافئ الموبوءة, فدفن الناس موتاهم في هذه الأرض المعزولة, ثم تحولت شيئاً فشيئاً إلى فندق كبير لضحايا الطاعون, ومقبرة رسمية لأهالي مدينة العشّار والقرى المجاورة لها, وصادف أن تعرضت المدينة إلى مجاعة قاسية, فتساقط الناس بالمئات من شدة الجوع والمرض, فتبرع رجل من أخيار البصرة (محمود باشا الملاك) بتوفير الطعام للعوائل الفقيرة بقدور نحاسية كبيرة, يسمونها وقتذاك (البروم), ومفردها (برم), فكان رحمه الله أول من أقام الولائم في المقابر, فسجل بعمله هذا انتصارا ساحقا على الجوع والمرض. ظلت المقبرة على هذا الحال حتى عام 1933 عندما أمر متصرف البصرة (تحسين علي) بإزالتها نهائيا, وتحويلها إلى حديقة عامة مزدانة بأشجار الأثل والسدر والبرهام, خصصوا فيها ركنا لربات البيوت القريبة, وحفروا فيها حفرة مستديرة بقطر خمسة أمتار, ملئوها بالرمل الناعم, وأحاطوها بسياج من الآجر بارتفاع ثلاثة أقدام, خصصوها للرياضيين الذين كانوا يهوون ممارسة المصارعة الحرة, وكان (كريم سرهنك), و(صادق الصندوق), و(فائق العيداني), و(سلمان الصگـار), و(فتحي الأعور), و(الهندي لجمان) من أشهر المصارعين في مرحلة الثلاثينيات, ثم جاء من بعدهم (غانم هجول), و(قدري الشلال), و(كريم جاسم مهدي العطية) الملقب (كيمي), و(عبد الرزاق طاهر), ومعظمهم من محلة (البچاري) القريبة من أم البروم. أطلق عليها المتصرف (تحسين علي) آنذاك اسما رسميا (حديقة الملك غازي) بيد أن اسم (أم البروم) ظل هو الاسم الشائع بين الناس, وفي عام 1941 تجحفلت فيها بعض كتائب القوات البريطانية الغازية, فحولتها إلى ثكنة عسكرية مؤقتة, وكان معظم عناصرها من الهنود والمرتزقة (الگرگة), فتربص بهم أحد رجال البصرة (الحاج عبود) ببندقيته المحلية الصنع, وكان يتسلل ليلا إلى (أم البروم) ليطلق النار على الجنود الهنود, فقتل منهم جماعة, ثم نصبوا له كمينا وقتلوه, وارتكب جنود الاحتلال (الگرگة) جريمة أخرى في الساحة نفسها عندما قتلوا امرأة فقيرة اسمها (زعفران), كانت تبيع التبغ الرخيص (السويكة), فأصيبت في صدرها, وسقطت مضرجة بدمها, وعلى أثر مقتلها انطلقت أهزوجة شعبية ساذجة, تقول:
گرگي قتل زعفران
أهل السويكة عزلوا
وفي ستينيات القرن الماضي تغير اسمها رسميا للمرة الثانية بعد انهيار النظام الملكي, فأطلقوا عليها (حديقة الشعب), لكنها احتفظت باسمها القديم تضامنا مع الطبقات المسحوقة من الشعب, وخضعت فيما بعد لمشاريع الترقيع العمراني في الخطط العشوائية التي تبنتها إدارة المدينة, فتقطعت أوصالها, وتحولت إلى مرآب كبير لسيارات الأجرة, ومبنى لدائرة البريد والبرق والهاتف, وحديقة مغلقة لا يرتادها الناس, ثم أضيفت للحديقة مفرزة لشرطة المرور.
خلدها السياب بقصيدة مأساوية رائعة, تناول فيها تحولاتها العجيبة المتناقضة مع تقلبات الزمان والمكان, لكنه لم يستطع التنبؤ بما آلت إليه أحوالها البائسة هذه الأيام, بعدما فقدت ملامحها التاريخية, وبعدما هجرتها السيارات الكبيرة والصغيرة, وانقطعت علاقتها بالمحال التجارية المحيطة بها, وتحولت الآن إلى مكب عشوائي للنفايات والملوثات والأنقاض, وصارت مرتعاً نموذجياً للكلاب السائبة والقطط الضالة والجرذان المستهترة, فرحلت عنها قوافل الأحياء والأموات, حتى بدت وكأنها مستعمرة مصغرة للأشباح والعفاريت والأرواح الشريرة.