أحلام فوضوية!

لا يمضي يوم من دون ابتكار جديد يهز العالم، وحركة التطور العلمي تحقق أرقاماً خيالية، ففي كل دقيقة هناك 6 انجازات ما بين اختراع أو اكتشاف او إضافة أو تحديث، ومع ذلك من كان بمقدوره -عالما او جهازا او مؤسسة علمية- ان ينقلني بسرعة تفوق سرعة الضوء الى بلاد اليونان في القرن السابع قبل الميلاد، سوى حلم فوضوي من تلك الأحلام التي باتت تلازمني منذ عقد من السنين؟!

إنها ليلة من ليالي مايس الشهر الماضي، حيث رأيت فيما يرى النائم، انني احط الرحال في اليونان ضيفا على أستاذ الفلسفة الراحل مدني صالح الذي كنت ارتبط معه بصداقة عظيمة، على الرغم من انه كان أستاذي في الجامعة، ودرست على يديه مادة (الفلسفة اليونانية)، فماذا تفعل الأحلام الفوضوية، وكيف تخلق صلة وصل غريبة بين اليونان ومدني صالح، والفلسفة اليونانية وعلاقة جامعية تعود إلى 45 سنة؟!

احتفى بي الرجل وأكرم وفادتي، وأخذني في جولة مفتوحة، وأطلعني على هذه البلاد واهم معالمها، وقد هالني ان اليونان التي سمعت الكثير عن حضارتها وجمالها، ليست افضل حالا ان لم تكن اسوأ من مدينة الناصرية قبل خمسين سنة، وقد سألني فجأة (كيف هو العراق في الالفية الثالثة بعد الميلاد؟) فقلت له (يفيض بالنعمة، والخير يداهمه من كل جانب) فنظر إليّ نظرة عتاب (تكذب على أستاذك يا ولد)، والله العظيم لم اكن اكذب عليه، ولكن هذه هي صورة العراق كما رأيتها في الحلم، وحدثني الرجل، ونحن نواصل جولتنا، على أن مظاهر التعب والتخلف في المدينة أمر طبيعي، لأنها في القرن السابع قبل الميلاد ولكن ناسها شعلة من الثقافة، وليس فيهم من لا يحمل شهادة في الفن او التاريخ او الفلسفة، ولكنهم كما ترى، عاطلون في الأسواق، مثلما حدثني عن الكثير من عادات الشعب وتقاليده، ثم توقف عند النظام السياسي (هناك حكومة وبرلمان، لا يمكن التعرف على طبيعة العلاقة بينهما الا عبر تركيبة البرلمان فهو يتألف من 3250 عضوا، كل واحد منهم يمثل عشيرة، وكل عشيرة تتكون من (10 آلاف) مواطن، والانتخابات تعتمد على الأسلوب القبلي، وتحت قبة البرلمان يجلس الرئيس، والى يمينه (950) عضوا، من اتباع الحكومة، والى يساره (2300) نائب يمثلون المعارضة، ولكن المعادلة تغيرت في السنوات الاخيرة، حيث اصبح اتباع الحكومة (2400) نائب، بينما تراجع عدد المعارضة الى (850) عضوا، وذلك بعد شيوع ظاهرة غريبة، يتولى فيها النائب عرض نفسه للبيع، او عرض صوته للتأجير، وتتولى الحكومة بدورها عملية الشراء باسعار مغرية، النائب المهم يصل سعره الى (3كغم ذهب)، اما غير المهم فيمكن شراؤه بكيلو غرام فضة، بل ان احدى النائبات بكيلوغرام فافون) وسألته ان كان بعض نواب المعارضة بهذه الضحالة، فأجابني (نعم .. بعضهم بهذا المستوى، ولكن الاسوأ هو الحكومة، فاذا بقي مع المعارضة نواب حقيقيون على قلتهم، فتشكيلة الحكومة تضم ما يسمونه في اليونان (نواب للبيع)، وهي اشد مجاميع السياسة انتهازية)!!

في ختام جولتنا وصلنا الى مبنى كبير، مساحته (4×4) كم يقع في منطقة مهجورة ويحرسه جنود ملتحون مدججون بالرماح، يوحي بأنه سجن للخارجين عن (القانون)، غير انه أوضح لي (حكومة اليونان فرضت إقامة جبرية على الاف المفكرين، ارسطو والجاحظ والمعري وماركس وغاندي وسارتر وعلي الوردي وغيرهم في هذه القلعة، ومنعت ان يزورهم احد الا من أمثالي)، وفجأة تركني في ذلك المكان الموحش المخيف ودخل البناية وانا اصرخ بأعلى صوتي (استاذ مدني لا تتركني ارجوك)، وتعالى صراخي حتى أيقظ الجيران قبل ان يوقظني من ذلك الحلم الفوضوي !!