معسكرات القبائل العربية

سيأتي اليوم الذي نسمع فيه بمعارك قبلية تدور رحاها في ليبيا واليمن والصومال. يستعمل فيها المقاتلون الأسلحة الكيماوية المحظورة، وربما نسمع بمعارك تُحسم فيها الغلبة لمن يمتلك قنابل غاز الأعصاب، أو غاز الخردل، ويُحسم فيها النصر لمن يمتلك الراجمات السريعة والدبابات الليزرية والطائرات المسيرة آلياً.
تعد ظاهرة التسليح القبلي من الظواهر الفوضوية التي عصفت بالعالم العربي ومزقت نسيجه الاجتماعي، من دون أن تلتفت إليها المعاهد العسكرية الإستراتيجية، ومن دون أن ترصدها مجسات التخطيط القومي المرتبطة بجامعتنا العربية التي لا تجمع ولا تنفع. فالأسلحة التي تمتلكها قبائلنا في ليبيا واليمن وموريتانيا والصومال وغيرها من البلدان العربية والإسلامية تفوق ما تمتلكه عشرات البلدان الأفريقية، وقد تتفوق على تسليح بعض الأقطار الأوربية والآسيوية الفقيرة.
فقد وصل وفد من القبائل الليبية إلى (بيونغ يانغ) عاصمة كوريا الشمالية لتوقيع عقود شراء بعض الأسلحة الكورية الخفيفة والمتوسطة والثقيلة. بينها صواريخ متوسطة المدى ومحمولة على الكتف. وكشفت صحيفة (لو فيغارو) الفرنسية عن قيام فرنسا بإنزال قاذفات صواريخ وبنادق ومدافع رشاشة وصواريخ مضادة للدبابات بالمظلات على قبائل الجبل الغربي، في حين تكفلت أمريكا وقطر بتسليح القبائل الأخرى المتناثرة في جوف الصحراء.
أما في اليمن فما تزال ظاهرة الاتجار بالسلاح وحيازته هي الظاهرة الأكثر تعقيداً، والتي يصعب التغلب عليها بسبب العادات القبلية التي تمنح المواطن حق الحيازة في إطار الأعراف والتقاليد القبلية السائدة، فضلاً عن دوافع قبلية أخرى في مقدمتها الثارات والحروب الأهلية وغياب نفوذ الدولة، وارتباط بعض القبائل بمراكز القوى الخارجية.
تعترف صحيفة (الجمهورية) اليمنية في مقالة افتتاحية كتبها (وضاح الأحمدي) في 21 أيلول (سبتمبر) الماضي: (أن معدل التسلح في اليمن يساوي اليوم نصف معدل التسلح في الولايات المتحدة الأمريكية)، وتشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من ستين مليون قطعة سلاح في اليمن، ويعد انتشار السلاح واحدة من أقوى المشكلات الماثلة أمام الحكومة. وعلى ذات السياق أنتقد الدكتور ياسين سعيد نعمان في كتابه (عبور المضيق) التشريعات اليمنية الحالية، التي سمحت بتكديس السلاح على مدى عقود من الزمن.
ربما يطول بنا الحديث عن سباق التسلح بين قبائلنا، لكننا نختصر الطريق فنقول: أن ذيول هذه القضية وتداعياتها المخيفة المتفاقمة ستظل عائقاً أساسياً أمام نجاح أي بلد عربي في مغادرة الحلقة المفرغة للتخلف بصورتها المركبة، ولا يبدو أن هناك من يضع هذه المسألة الهامة في إطارها الصحيح حتى الآن. لم تعد هذه المسألة تقبل أي مناورات أو مساومات من ذلك النوع الذي ينتهي بتسوية خاصة بين هذه القوى، وتكون التسوية على حساب الدولة. فالسلاح واحتكاره من قبل الدولة قضية جوهرية، لا يمكن أن تُترك لتقديرات مغايرة لحقيقة أنه بوضعه المنفلت ظل يشكل مصدراً لكل المصائب والمصاعب التي واجهت البلدان العربية في كل خطواتها نحو التحول إلى أوطان آمنة، فقد كان السلاح المنفلت هو القاسم المشترك لكل التجارب الفاشلة، وكانت حيازته بتلك الصورة تعكس خللاً جوهرياً في مفهوم الدولة، حيث أخذت تتناسل من هذا المفهوم أنساق من السلوكيات العشائرية المعبرة عن الانفلات والفوضى والتطاول على القانون، والجرأة على إفساد كل محاولة لبناء الدولة العربية.