تصويت لكن ضد الرئيس

نوزاد حسن

في الاسبوع الماضي قلت ان السياسة بدأت تأخذ طابع الواقعية السحرية الجذاب الساحر. وانا اعني بكلامي ان عنصر الدهشة سيكون موجودا في اكثر الاحداث ولعل اعتصام النواب الأخير احد هذه المواقف. وقبل هذا كان اعتصام السيد الصدر صورة لا يمكن ان نجدها الا في ادبيات أميركا اللاتينية. الطريف او المؤسف لو شئت ان اكون واقعيا ان كل المراقبين والمحللين لم يشيروا ان اعتصاما ما سيقع، وان العملية السياسية ستسير في مفترق طريق، وان نوابا من مختلف الكتل والانتماءات سيعتصمون مطالبين بانهاء المحاصصة. ولم يخطر كل هذا ببال مراقب يتحدث بثقة نيوتن عن الجاذبية.
بلا مبالغة اقول ان هناك حدثا جديدا طرأ على الواقع السياسي. ويبدو ان السياسيين يشعرون اليوم ان خللا ما حصل, ولا بد من معالجته. لذا فان الدعوات تطالب بان يتم حل هذه المشكلة عبر الحوار بين جميع الكتل تحت قبة البرلمان، لكن النواب المعتصمين اقالوا الجبوري في جلسة يراها الكثيرون غير دستورية ,في حين يصر من اعتصم انها كانت دستورية بامتياز.
  السؤال الذي يخطر على البال هو: ما الذي حدث يوم الثلاثاء الثاني عشر من نيسان اي اليوم الذي بدأ فيه الاعتصام..؟ هذا السؤال جيد لكنه غامض بالنسبة لاعضاء البرلمان او لنسبة كبيرة منهم.
ان مشهد العراك والصخب, والفوضى, وقذف قناني الماء, والضرب بالأيدي, والصدامات المتشنجة التي تخفي حركاتها الهستيرية، غيضا وحقدا مدفونا.. كان لقطة من واقعية سحرية خصص ماركيز لها رواية كاملة هي «خريف البطريق»..لقطة كشفت عن ان هناك انحرافا ما حصل اثناء مسيرة قطار الديمقراطية طيلة كل هذه السنوات. اذ لم يشعر احد من السياسيين ان الاقناع الذي كان يرفع ايدي النواب للتصويت على القوانين لم يكن اقناعا عميقا بل كان حركة الى الاعلى تقول للعالم اننا مقتنعون. هكذا في الحقيقة كنت افهم طقس التصويت ونقاط النظام اثناء الجلسات التي كانت تبث على الهواء.
يبدو ان البرلمان العراقي يمر هذه الايام بخطر واضح لم يكن في الحسبان ابدا، وكل الاطراف المعنية بدأت تتحرك لتجنب حدوث ما هو اسوأ.والشيء الاكثر غرابة ان لا احد يعرف ما هي الخطوة التالية ؟وكيف ستحسم مسألة الاصلاح بعد اقالة سليم الجبوري خاصة وان السيد مقتدى الصدر امهل الحكومة 72 ساعة لاختيار وزراء تكنوقراط ومستقلين.
انا من جهتي ابحث عن شخص يعرف كيف ستنتهي الامور, وكيف سنعبر هذه اللحظة الصعبة التي نعيشها..؟وكما كان اعتصام السيد الصدر مفاجئا فان اعتصام النواب داخل البرلمان كان ايضا مفاجأة لا تقل قوة عن انقلاب الفريق بكر صدقي الذي حدث في عام 1936,والذي كان من ابرز واهم مؤيديه الشاعر الكبير الجواهري.نعم صار الاعتصام جزءا من واقعية سحرية سياسية لا احد يعرف خواتيمها ولا نهاياتها.لدينا حكايتنا التي تروى بطريقة غامضة فوجئ الجميع بها بلا استثناء.