أفكار فرنسية مجردة

مفتاح شعيب

أطلقت وزارة الخارجية الفرنسية حملة دبلوماسية واسعة لشرح مبادرة جديدة لإحياء «محادثات السلام» بين الفلسطينيين وكيان الاحتلال، وقد مهد الرئيس فرانسوا هولاند ووزير الخارجية جان مارك أيغولوت لهذه الحملة بجولة مؤخراً شملت لبنان والأردن ومصر تم خلالها مناقشة أبعاد المبادرة والفرضيات التي تواجهها، مع تسليم أيغولوت مسبقاً بأن احتمالات الفشل أكبر من فرص النجاح بسبب تعقيدات القضية.
من حيث المبدأ، لا ضير في أن تطلق فرنسا مجموعة أفكار تحاول نظرياً إيجاد تسوية، ولا تختلف عن المبادرات السابقة وعن مرجعية اتفاقية أوسلو من جهة تأكيدها على حل الدولتين، تقوم بمقتضاه الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو/حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، بيد أن التخطيط شيء والواقع شيء آخر، ففرنسا أعلنت أن تفاصيل مبادرتها ستعلن في مؤتمر دولي يعقد على أراضيها أواخر الشهر المقبل، وسيدعو إلى عقد قمة دولية حول السلام في فلسطين قبل نهاية هذا العام. وبالمقابل، رفض كيان الاحتلال هذه المبادرة وأعلن، في أكثر من مرة، أنه غير معني بها، وبدورها لا تبدي السلطة الفلسطينية حماسة كبيرة، وأعلنت فصائل أخرى أنها مضيعة للوقت. ولا عجب في ذلك، لأن المبادرة تبدو عملاً استعراضياً أكثر منها بلورة لميثاق ملزم يمثل مرجعية وسلطة قانونية تسري على الجلاد والضحية. فالأطراف ذات الصلة بالقضية الفلسطينية ما زالت تعتقد أن 99 في المئة من أوراق اللعبة بأيدي الولايات المتحدة، وهذه الدولة أهملت هذا الملف وأصحابه. وحتى إذا دعمت المبادرة الفرنسية، فستكون مجاملة لدولة حليفة، وليس إيماناً بروح الأفكار المطروحة أو انتصاراً لقضية الشعب الفلسطيني.
أغلب الظن أن المبادرة الفرنسية ستطلق في موعدها، وستسجل في أرشيف القضية الفلسطينية، ولن يقبلها كيان الاحتلال، وهو المحصن من الملاحقة والمساءلة. فلو كانت هناك إرادة دولية فعلية لبدأت العمل وفق القانون الدولي الإنساني باتخاذ قرارات وعقوبات لوقف مشاريع الاستيطان ووقف خطط التهويد وفك الحصار عن قطاع غزة وإنهاء عمليات الإعدام بحق النشطاء الفلسطينيين، وهي استحقاقات، لم تستطع الإرادة الدولية المطالبة بها، بينما تجد بالمقابل في مطالبة الشعب الفلسطيني بسلطته وقياداته وفصائله بتقديم التنازل تلو الآخر من دون تحقيق أي مكسب يحسب لفائدته ويعزز حقوقه.
لن تكون المبادرة الفرنسية أكثر من أفكار مجردة، مثل قصة رومانسية تحلم بواقع بعيد المنال، فهي لن تجلب أي إنجاز عملي للفلسطينيين، ولن تتضمن أي ردع لكيان الاحتلال. وهذا الحكم سيسقط حين تثبت المبادرة العكس وتأتي بجديد لا يعرفه أحد.