1804
14/12/2018

 
الأولمبي يواجه نظيره السعودي ودياً AlmustakbalPaper.net بيكيه يضع اللمسات الأخيرة لشراء احد الاندية الكتلونية AlmustakbalPaper.net جماهير ليفربول غير سعيدة بتصرف صلاح AlmustakbalPaper.net عملاق إيطالي يخطط لاقتناص إيسكو AlmustakbalPaper.net عراقي يحصد ميدالية ذهبية ببطولة آسيا لمواي تاي AlmustakbalPaper.net
ألبيـر قصيـري.. «فـولتيـر النيـل» وراوي القحـط الإنسانـي
ألبيـر قصيـري.. «فـولتيـر النيـل» وراوي القحـط الإنسانـي
أضيف بواسـطة
أضف تقييـم
اسكندر حبش
قد يصحّ القول إنّ هناك موجات في عالم النشر الفرنسي يمكن تسميتها «موجات ألبير قصيري». إذ نجد في كلّ فترة أنّ أعماله تعود من «غياهب النسيان» لتصدر في طبعات جديدة، سرعان ما تنفد. هذه هي الحال اليوم بعدما أعادت منشورات «جويل لوسفيلد»، إصدار جميع كتبه في طبعة أنيقة، بعد عشر سنوات من رحيله، لتعيد التذكير بهذا الذي بقي طوال حياته كائناً «لا امتثالياً».
 عاش بعيداً عن أشياء العالم الراهن، وكلّ أشكال «الموضة» الأدبية وأساليبها، وبقي يكتب بأسلوبه الخاص. بحث في كلّ كلمة كتبها أن تكون صادرة من ذاته، بعيدة عن أيّ تماس مع كاتب آخر. ما يميزه عن الكتّاب الفرنسيين هو فرادة أسلوبه كما فرادة موضوعاته. فلكي يحيل الواقع المصري كما هو عليه، كان مضطراً إلى أن يعمل على «إبداع» لغة روائية جديدة. لم يستطع استعمال تعابير فرنسية صافية. هنا جوهر عمله. كتب بالفرنسية، بيد أنّ المناخ ونفسية الشخصية، مصرية، حين نقرأه لا نشعر أبداً بأنه فرنسي يكتب عن مصر.
عاش وحيداً أيضاً وبعيداً عن الجميع. وهو يشكل حالة خاصة من هذه الناحية. منذ أن استقر في باريس بعد الحرب العالمية الثانية، أقام في غرفة في فندق لم يغادره إلا إلى مثواه الأخير. رغبته الوحيدة كانت في القراءة والكتابة، على الرغم من أن مجموع أعماله لا يتجاوز ثمانية كتب، وعلى الرغم من أنه في السنوات الأخيرة التي عاشها مع مرضه – سرطان الحنجرة – كان توقف فيها عن الكتابة. 
كلّ شيء يبدو كما لو أن ألبير قصيري، الشبيه بشخصياته، عاش في منطقة أدبية أشبه بالمناطق المحايدة، إذ تناسى كلّ شيء، كما أن كلّ شيء قد تناساه. عمله الأدبي ليس سوى صنو لذلك كله، مثلما يشير أحد عناوين كتبه «بشر نسيهم الله». أراد أن يُنسى في ضباب هذا العالم، ليقود نفسه وحده. ربما لم يتحقق حلمه في السنوات الأخيرة، إذ أصبح أشبه بأسطورة غير مؤكدة، مثل شبح «داريلي» (من داريل صاحب «رباعية الإسكندرية») يتنزه بكامل أناقته، في منطقة «السان جرمان دي بريه».
وُلد ألبير قصيري في القاهرة في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1913 (وتوفي في باريس عام 2008)، من أبوين مصريين، ميسورين. هذا اليُسر سمح له بالعيش الرغيد. والده كان ملاكاً عقارياً، لذلك لم يعمل طوال حياته، كذلك جده. في حوار أجرته معه مجلة «ماغازين ليتيرير» الفرنسية (عدد 325 ـــ تشرين الأول/ أكتوبر 1994 ـــ كل الاستشهادات اللاحقة من أقواله في هذه المقالة هي من هذا العدد)، يقول قصيري: «حين نملك، في الشرق ما يكفي لنعيش منه، لا نعود نعمل، بخلاف أوروبا، إذ حين نملك الملايين، نستمر في العمل كي نكسب زيادة»!
منذ طفولته، تردد على المدارس الفرنسية («الفرير» والليسيه) في حين تلقى أشقاؤه علومهم عند اليسوعيين. من هنا، جاءته اللغة الفرنسية بشكل طبيعي. فدراسته كانت بالفرنسية في تلك الحقبة. بدأ يقرأ الكتب التي قرأها إخوته لأنها كانت في متناول يده. لذلك، لم يتعرف إلى كتب الأطفال، بل بدأ بقراءة روايات كبار الكتّاب. أما علاقته مع الكتابة، فبدأت يوم كان في العاشرة، إذ كان يذهب مع والدته الى السينما، ليترجم لها بعض الأفلام التي كانت تُعرض على شاشات القاهرة. وحين كان يعود الى المنزل، يبدأ بكتابة أقاصيصه، انطلاقاً من الفيلم الذي شاهده.
زار فرنسا للمرة الأولى قبل الحرب، وهو في السابعة عشرة. يومها، كان قد نشر بعض القصص بالفرنسية في بعض مجلات القاهرة. عمل في إحدى البواخر التجارية التي تعمل على خط المحيط الأطلسي، فاستطاع بذلك أن يزور مدناً عدّة، بيد أنه قرر بعد الحرب العالمية الثانية أن يعيش في فرنسا، ليكرّس وقته للأدب. بالنسبة إليه «من الأفضل للكاتب الذي يكتب بالفرنسية، أن يعيش في فرنسا، لأسباب عديدة».
لم يتغير قصيري طوال عمره، بل بقي هو نفسه. بيد أن الحيّ الذي عاش فيه تبدّل كثيراً، إلى درجة أنه لم يعد يعرفه. «انظروا حولكم، لا أعرف أحداً من الموجودين.. في ما مضى، كنت أجد هنا، جميع أصدقائي، أنتظر صدور كتبهم». لم تعد «سان جرمان دي بريه» (ولا مقهى «الفلور» حيث كان يجلس يومياً) سوى واجهة للذكريات. فالكتّاب إما رحلوا الى الريف وإما ماتوا: «لم تعد باريس تلك التي عرفتها، أصبحت متأمركة. فلو كانت هكذا يوم جئت إليها، لرحلت فوراً. أبقى فيها اليوم، لأنه بالنسبة إلى رجل في مثل عمري، لا يعود يهتم بما إذا كانت تعجبه أو لا... في أي حال، نحبّ بلداً ما بسبب مثقفيه. فرنسا بالنسبة إليّ هي ستاندال، هي لوي فرديناند سيلين. إنهما أعظم كاتبين في هذا البلد... حين وصلت الى هنا، كان هناك عشرة أو خمسة عشر كاتباً كبيراً في فرنسا. ربما كان جان جينيه آخر كاتب كبير أو ربما جوليان غراك. في تلك الفترة، كنت أنتظر كتاب كاتب ما بنفاد صبر، كنت أشتريه يوم صدوره».
ثمة عنصر مشترك كان يجمعه مع جان جينيه، فالاثنان لم يسكنا سوى الفنادق، بيد أن جينيه كان يبدّل فندقه في أغلب الأحيان، بينما سكن قصيري الغرفة عينها. أما لماذا لم ينتقل الى منزل خاص في الحي ذاته، فلأنه لا يريد أي شيء خاص به. إنه يرتعب من فكرة امتلاك شيء ما. لقد عرف العديد من الفنانين والنحاتين الذين أهدوه العديد من أعمالهم، وكانوا يعرفون أنه كان يبيعها في اليوم التالي، لأنه لا يحب الاحتفاظ بأي شيء. بمعنى آخر، لم يجد قصيري جذوراً ما هناك، بالأحرى، لم يبحث عن تجذر هناك، إذ بقي حتى أيامه الأخيرة يهرب من المجتمع، مخلفاً الجميع وراءه.
تتيح لنا إعادة طبع أعماله هذه، اكتشاف هذا الكاتب حتى أطراف أصابعه. روائي موسوم بشدّة، بمسقط رأسه، بالرغم من أنه عاش بعيداً عنه. ليس في الأمر أي تناقض، إذ إنّ الكاتب كان يعود الى مدينته، بين الحين والآخر، كان يشعر بأنه مصري، له بلد. فهو لم يأتِ الى فرنسا ليحصل على عمل أو جنسية، بحسب قوله، بل جاء ليدرس. لكنه لم يفعل شيئاً سوى القراءة والكتابة.
بدأ الكتابة عن مصر في أربعينيات القرن المنصرم حين نشر مجموعته القصصية الأولى «بشر نسيهم الله»، التي تشكل لوحة مؤثرة ورائعة عن «المصريين الحديثين». أقاصيص المجموعة كانت موزعة في بعض المجلات المصرية الناطقة بالفرنسية، نشرت في كتاب وترجمت في الوقت عينه الى العربية والإنكليزية. من هنا سبب شهرته في الولايات المتحدة، إذ أعجب بها هنري ميلر، ووجد له ناشراً هناك، بالأحرى كان السبب في نشرها. بيد أنّ النشر في الولايات المتحدة بقي بلا غد. فالافتتان بكتابة قصيري، بقي في تلك المرحلة قصراً على فرنسا.
قال هنري ميلر عن مجموعته هذه: «ما من كاتب حيّ كتب بهذا الشكل الآسر، وبهذا الشكل العنيد، حياة أولئك البشر الذين يشكلون ذلك الحشد السحيق المنطوي على نفسه.. بالنسبة إليّ، يشكل الكتاب مفاجأة كاملة. إنه الأول من هذا النوع الذي أقرأه منذ أعمال كبار الكتّاب الروس الذين عرفناهم في الماضي».
إنّ «البعد الثوري» الذي يرتبط به ميلر (أي ذلك النوع من الكتب الذي يسبق الثورات والذي يسبب الثورة، هذا إذا ما كانت لغة الإنسان تمتلك سلطة ما) نجده رزيناً في كتبه اللاحقة، وربما اختفى في كتبه الأخيرة، وتحديداً في «كسالى في الوادي الخصيب» أو كما في «شحاذون ومعتزون». فالعالم الذي يقدمه قصيري، يظهر مثقلاً بشكل كامل عبر «القحط الإنساني الذي يدعو إلى الرثاء». صحيح أنّ كتابه هذا شكّل «حدثاً» ما، يوم صدوره. إلا أنه لا يمكن اعتباره رائعته. فرائعته الكبرى، تبقى كتاب «شحاذون ومعتزون» (1955) التي حوّلتها المخرجة المصرية أسماء البكري الى فيلم سينمائي. ومن بين نجاحات الكاتب، هناك «موت المنزل الأكيد» التي نشرت عام 1942 في القاهرة، حيث عنوانها وحده، يصف الأبنية المأهولة في العاصمة المصرية، كما «كسالى...» و«العنف والسخرية» (1964) و«طموح في الصحراء» (1984) التي تجري أحداثها في بغداد، حيث ينظم أمير البلاد بنفسه، محاولات اغتيال وانفجارات في دويلاته كي يلفت انتباه العالم إليه.
تتخيل شخصيات قصيري أحياناً وجود منفذ ما، إلا أنها تهمله أكثر مما تأخذ به. فاحتمال البؤس، هو في المخدرات والكسل، التي تمثّل دور الملجأ بشكل عام. فاللوحة البانورامية التي يرسمها قصيري، عبر رواياته عن «البروليتاريا» القاهرية، بعيدة جداً عن الصور المعتادة التي عرفناها عن الشرق، عند الكتاب الفرنكوفونيين. فهذا البؤس ليس لديه ذلك السحر، الذي نجده عادة في البازار الشرقي. ربما لهذا أطلق عليه لقب «فولتير النيل»، أي بسبب سخريته المرّة تجاه «المقتدرين». لذا تبدو كتبه اليوم، عملاً أدبياً نادراً تحول الى شيء «مقدس» عند المعجبين به. وما يلفت النظر فيها، هذا الميل الخاص جداً للشخصيات الساخرة، الذلقة اللسان، وهذا الحب «للفلاسفة الانفعاليين»، الذين لا نلتقي بهم، إلا في القاهرة. أولئك الأشخاص، هم من نلتقي بهم في روايته «ألوان الفضيحة» (أو «ألوان العار»). كتاب سردي صغير (134 صفحة) جاء بعد 15 سنة من الصمت، يروي قصة أسامة، النشال الشاب، الذي ـــ طبقاً للأخلاقيات التي يدرسها معلمه العجوز، نمر ـــ لا يفعل شيئاً، سوى استعادة الخبرات الموزعة بشكل سيئ في مجتمع شرقي فاسد بشكل كبير. بمعنى ما، يشبه أسامة «روبن هود»، لكنه هنا، «روبن هود» الأحياء المصرية، الخلفية، الفقيرة.يتدبر أسامة أمر نفسه جيداً، الى درجة أنه ينشل من غني مثير – بالإضافة الى محفظته السميكة – رسالةً، تضع موضع الشبهة أحد الوزراء في قضية انهيار مبنى تسبب في مقتل خمسين شخصاً، هم ضحايا إهمال المهندس ورجل الأعمال الغني الذي كان يهمّه توفير الباطون أكثر من توفير الحماية للسكان.
«يرتجل» قصيري، في كتابه، صورة ولوحة لمدينة «مريضة»، كأنه بهذا المعنى، يشارك أبطاله المضادين، نوعاً من «الكلبية» (بالمعنى الفلسفي) التي تجعله ينتقم من كل الانحرافات الاحتيالية ومن كل الحداثة التي يفتعلها ذوو الشأن والواصلون. لوحة قصيري، بهذا المعنى، مليئة بالخطوط السوداء، القاسية في أغلب الأحيان، وإن كان لا يتجاهل «الإنسانية». بمعنى آخر، يشبه بلزاك، لكن على طريقته الخاصة، في كتابة هذه الأنماط، وهذه الوجوه، في حركة مدينة تعيش من دونهم.
رابط المحتـوى
http://almustakbalpaper.net/content.php?id=43469
عدد المشـاهدات 256   تاريخ الإضافـة 22/07/2018 - 05:38   آخـر تحديـث 14/12/2018 - 00:57   رقم المحتـوى 43469
محتـويات مشـابهة
السيرة العاشورائية.. رسالة الحق والاحتجاج
آثار سجون «داعش» في بيوت أهالي الفلوجة: تعذيب وقتل ورائحة نتنة

العراق - بغداد

Info@almustakbalpaper.net

إدارة وإعلانات 07709670606
رئاسة تحرير 07706942363




إبحـــث في الموقع
جميـع الحقوق محفوظـة © www.AlmustakbalPaper.net 2014 الرئيسية | من نحن | إرسال طلب | خريطة الموقع | إتصل بنا