طوال زمن عمر العراق الذي ابتدأ مع فجر تاريخ البشرية , منذ مايربو الخمسة الآف عام قبل الميلاد والفين ونيف بعده ,أضطررنا كعراقيين أن ندفع الكثير,عناء يليه عناء ومحنة تليها محنة,تنبؤنا كتب التاريخ وحوادثها وأيامها , كم من المشقة والمكابدة حاق بنا , وسفحنا من جراء قسوته الكثير , عرقا وشقاء ,قلقا وخوفا ,ضنكا وعوزا , ذعرا ودماء , ولكننا , في النهاية , لم ننثن ولم نرضخ , بقينا سارية من الكبرياء ,وفنارا من المجد , يدلان المتشككين بالقدرة اللانهائية لأنسان مابين النهرين على المطاولة بوصفه العشق الأكبر والأشد فتوة وعزيمة لمعبودة لاتدانيها جمالا وسناء كل ربات الجمال والسناء , الا وهي الحياة .
أن المثابة التي أنعشت بصيص الامل لدينا ,بعد أن أوشك أن يخبو ويزول الى الأبد , كانت ,مع تعدد الاراء والمواقف , أنعطافة يوم التاسع من أبريل- نيسان- عام 2003 ، يوم سقط قناع الأستبداد المخادع , وتهاوت صروحه الهشة ,كما الرمال تذروها الريح ,ثم أبتدأت رحلة الأف ميل ، أذ شرعنا تتفجر فينا ينابيع فرح متدفقة ، بعد ان عم وأكتمل الخراب ,، نكاد نخطو من نقطة الصفر الخطوة الاولى , وهي خطوة, كما نعرف جميعا , كانت محفوفة بما يصعب حصره من التحديات ,ليس أولها التطاحن الطائفي والارهاب , كما ليس آخرها الفوضى الضاربة وغول الفساد .
ومع أن محاكمة عقلية متزنة تعتمد الحقيقة القائلة : أن فعل الهدم أمر يسير جدا ازاءمشقة وعناء البناء ,كتبت ذات مرة في نص سردي نشرته ابان عهد الدكتاتور المقبور في واحدة من صحفه الصفراء مامفاده ان اصبع ديناميت يمكن له ان يفجر جبلا في لحظة ، ولكن كم مليون لحظة نحتاج لبناء جبل ، الامر الذي يعني بصورة مؤكدة ان فعل البناء فعل مركب وصعب فيما فعل الهدم يسير وسهل سيما أن عهودا طويلة من فعل الهدم , سواء كان همجيا أعمى,أو واعيا منظما ,فعلته أو قادته مؤسسة القمع المدحورة قد أنجزت خرابها ألأكيد في شتى مناحي الحياة العراقية , مع اليقين بنجاعة تلك المحاكمة العقلية ، لاينبغي لها ان تمسي متكأ للتهاون وفتور الهمة , أو تصير غطاء تستتر خلفه اسباب النكوص والارتداد , أوحواضن العنف والظلامية المولدة لدكتاتوريات جديدة .
أن أعداء الحرية مافتأوا يكيدون لهل , لذا أمسى من أولويات مهام حراسها يقضة متصلة وتشخيص مبكر لفايروسات الحقد كيما يمكن القضاء عليها وهي في أرحامها العفنة .
ومن أجل أن لاتطبق مشاعر الخيبة واليأس على روح هذا العراقي الباسل في عشقه للحياة , ينبغي أن تظل شاخصة حزمة من الاسئلة , أمام من يتصدى لأية مسؤولية في هذه البلاد , ان كان وزيرا أو نائبا أو عضوا في مجلس محافظة , من مثل : ماذا بذمتنا لهذا العاشق العملاق ؟ وكيف لنا أن نغذي توهج هذا الفنار ؟ ومتى سنمنحه ,بعد كل ذاك الشقاء وتلك المكابدة ,ثمة أمل وبعضا من راحة ؟