خطاب أوباما تدليك عاطفي للعراقيين وتأكيد قيادي أمريكي

عندما يكون الخطاب الأمريكي موجها الى الشرق الأوسط والعالم الإسلامي تحديدا : هذا يعني أن هذه المنطقة ما زالت في دور الحضانة الأمريكية التي تجعل من إسرائيل شريكا إستراتيجيا.

وعندما تقف كلنتون الى جانب أوباما في خطابه المعد بعناية, وكلنتون كانت المنافسة العنيدة في الانتخابات لأوباما على الرئاسة الأمريكية , فهذا درس يجب أن يتعلم منه الساسة العراقيون في حكومة الشراكة التي لم يستطيعوا ترجمة معانيها الى اليوم الذي أصبحت فيه ترشيحات وزارة الداخلية والدفاع معضلة تفوق معضلة تشكيل الحكومة التي استغرقت عشرة أشهر ثم ولدت ولادة خديجية مما جعلها في حاضنة الاحتضار؟

خطاب أوباما الذي جعل قناة العراقية تنقله مباشرة, وتجعل من بعض فقراته خبرا عاجلا مثل: إن العراق له دور كبير في المنطقة كما قال أوباما, وهذا هو التدليك العاطفي للمسؤولين العراقيين, لأنه لا يمتلك أي مصداقية, ولا توجد بارقة أمل توحي بذلك, ولو كان الأمر صحيحا لكنا في غاية الفرح والسعادة, ولكن على طريقة أهل مكة أدرى بشعابها, فإن واقع التجربة العراقية تحت الرعاية الأمريكية لا يوحي بالاطمئنان, وما يتحدث به الأمريكيون وشركاؤهم في السر والعلن, لا يتطابق مع ما جاء في خطاب أوباما عن العراق وطريقة الحديث عنه بالمثالية التي تجعل منه مثار الإشادة؟

وهناك تبرز أمامنا ظاهرتان لا تجعلان من التجربة العراقية موضع انجذاب الآخرين اليها وهما:

1- الأخطاء الأمريكية في التجربة العراقية : ومما يزيد التعقيد في الرؤية أن تلك الأخطاء متعمدة, ومقصودة, ومنها:-

أ‌- صناعة الإرهاب بمؤازرة أمريكية , وباعتراف الرئيس بوش أولا, وبمعرفة ميدانية عراقية لا تحتاج الى دليل إضافي على طريقة المناطقة : الوقوع أدل دليل على الإمكان ”

ب‌- العبث بمقدرات الدولة العراقية : من حل الجيش العراقي , وتدمير المكائن والالات , والأجهزة التابعة للجيش العراقي، وهو عمل عدواني حاقد لا يوحي بالاطمئنان وحسن النية.

ت‌- العبث بالآثار العراقية, والتي سيظل ملفها حاضرا لعشرات السنين, وسيشكل عقدة ذنب للأمريكيين عند صحوة الضمير لدى بعضهم؟

ث‌- إدخالهم للمفسدين من العراقيين, واعتمادهم على العناصر الهامشية مما شوه التجربة العراقية.

ج‌- تدخلهم في كل مفاصل الدولة العراقية ومؤسساتها, مما جعل الرعب سباقا للزيارات التي يقوم بها المسؤولون الأمريكيون, وهذا الوضع خلق مناخا نفسيا غير منتج في عموم دوائر الدولة العراقية ومؤسساتها.

ح‌- عدم الجدية في تدريب الجيش وقوات الأمن العراقية.

خ‌- تأكيدهم على ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها أسس لمشكلة عنصرية أفسدت مناخات الفدرالية في العراق.

د‌- سكوتهم عن أخطاء الانتخابات الكبيرة, أضعف التجربة الديمقراطية في العراق.

ذ‌- تأثيراتهم في كتابة الدستور خلق ثغرات دستورية غاية في التعقيد.

ر‌- المماطلة التي يبدونها في الاتفاقية الأمنية, تؤدي الى التباس الوضع السياسي, وتعثر العملية الديمقراطية في العراق.

أما بالنسبة لأخطاء الجانب العراقي , فيمكن إيجازها بما يأتي :-

1- تغليب الجانب العاطفي على الاتجاه العقلي الرزين.

2- تغليب الحالة الحزبية على المصلحة الوطنية.

3- عدم إشاعة الثقة بين الأطراف التي شاركت في الحكومة بغطاء أمريكي.

4- وجود أجندات حزبية تنتمي الى الحاضنات الأجنبية, وتأخذ توجيهاتها منها, وهي أصبحت مشاركة في الحكومة والدولة.

5- عدم اعتماد الكفاءة في بناء الدولة.

6- عدم الجدية في وضع الخطط والدراسات, والمشاريع المستقبلية للبناء.

7- شيوع ظاهرة التزوير والرشاوى, والسرقات, مما أفقد ثقة المواطنين بالمسؤولين.

8- لم تسع الحكومة بشكل جاد لتشريع قانون للأحزاب.

9- القبول بالرواتب الخيالية والامتيازات الشخصية مع إهمال واضح للطبقات الفقيرة.

10- الفشل التام في تقديم الخدمات للمواطنين.

هذه الأخطاء التي أشترك فيها الطرفان من الأمريكيين والعراقيين هي التي أفسدت التجربة العراقية وجعلتها غير قابلة للتأثير الإيجابي في محيطها, بل جعلتها مضربا للمثل المحمل بالفشل.

ولكن هذا لا يعني الوصول إلى طريق مسدود, فالعناوين العامة للتغيير, هي موضع اعتزاز العراقيين, وهذا أمر مطمئن على عدم التشظي والخراب المطلق, ومن هنا يمكن التواصل لمعالجة الأخطاء التي حدثت, ومن تلك الأخطاء : –

1- وضع الإنسان غير المناسب في المكان غير المناسب , وهذا العمل يمكن تغييره بعد حصول قناعة عامة بعدم صلاحية مثل هذا الاتجاه , وخميرة هذا الأمر موجود في التوافق الاجتماعي .

2- رفض التزوير , ومحاربة الرشاوى والسرقات , وهذا مطلب من مطالب القاعدة الشعبية , وتنفيذه , من خلال أصلاح وتغيير القيادات الإدارية , فالتزوير والرشاوى والسرقات هي من الأخطاء القاتلة لكل تجربة حكم.

3- إطلاق العنان لهوس الأحزاب, وفوضى العمل, الذي أربك الدولة, وجعل إرادة الموظفين الحكوميين مرهونة لمزاج الحزبيين.

4- عدم المعرفة بفن المصالحة الوطنية, وإنابة من هم غير مؤهلين للقيام بدور المصالحة, مما أفسد أجواء المصالحة وضيع بوصلتها الحقيقية ؟

5- الانتهازية والعنصرية والطائفية في بناء الجيش والقوى الأمنية وهو خطأ قاتل للدولة ؟

6- انتهاج أسلوب المحسوبية والمنسوبية في الوظائف, مما أضعف الثقة بين الدولة والمجتمع.

وهذه الأخطاء يمكن معالجتها, من خلال تغيير المواقع للمسؤولين, وتغيير خريطة السلطة, من خلال إعادة كتابة قانون الانتخاب, وإلغاء طريقة القائمة, وجعل الانتخاب يقوم على : القائمة الفردية التي أصبحت مطلبا شعبيا, ثم تغيير بعض فقرات الدستور التي أصبحت عقبات حقيقية في طريق الحكومة والدولة.

عندما نجتهد في إحداث مثل هذا التغيير في تجربتنا الديمقراطية, فإن العراق يصبح مهيئا للعب الدور الحضاري, وهو أمل كل المخلصين الوطنيين من أبناء العراق.