.. ذو شأن !!

هو يعيش برفاهية ونعيم يمارس عمله بإتقان وانتظام ودوام كامل محدد بالساعات, لا تزيد ولا تنقص, ويتقاضى راتبا من الشركة التي يعمل فيها بمقدار سبعة آلاف دولار وهو ما يعادل راتب عشرين موظفا.. وسواء رضينا أم لم نرض , وسواء رضيتم أم لم ترضوا .. فانه ذو حسب ونسب, من سلالة لا شائبة على سلامة نسلها للفصيلة التي انحدرت منها أجيال عديدة.

وهو موظف في شركة أمنية يبدأ بممارسة عمله منذ الصباح الباكر, حيث يأتي في قفصه الأنيق في سيارة مبردة, وعندما تفتح له باب القفص ينط إلى الأرض برشاقة وغرور مشهود.

شغله الشاغل “شم” الناس والسيارات ليكشف المواد المتفجرة إن وجدت وعندما يخطأ لا يعاقبه رئيسه في العمل.. مع إنه ليس مثله ولا يقطع من راتبه دولاراً واحدا، بل يعرضه على طبيبه الخاص للتأكد من سلامة صحته النفسية, وسبب التوتر الذي أصابه فأفقده حاسة الشم فيتلقى العلاج اللازم, وقد يمنح استراحة لمدة ثلاثة أيام لا يخرج فيها إلى العمل.

وإذا كانت أُنثى فولدت فان وليدها يعيش في عز ودلال ويمنح راتبا بمقدار خمسة آلاف دولار بعد ولادته مباشرة كنوع من الضمان الاجتماعي وتتمتع الأم بإجازة ولادة. ولتصرف هذه المبالغ على راحة الوليد الجديد وصحته وغذائه وحاجياته الخاصة بما فيها مستلزمات اللهو الخاصة بالطفولة.

وذلك من اجل نموه ونشأته صحيح الجسم معافى سليم الأنف متقد الذكاء، فالأنف السليم في الجسم السليم. وما أن يبلغ الوليد أشده, وبعد مرور أشهر على عمره المديد حتى يجد فرصة العمل أمامه, فلا يتشرد في الشوارع ويخالط بقية الأنواع السائبة القذرة فتؤثر في أخلاقه بممارساتها اللا اخلاقية. إنه ذو شأن يصل إلى مقر عمله في سيارة خاصة مبردة, ويعود منه في سيارة خاصة مبردة.

وفي مقر إقامته راحة تامة, فغرفته مكيفة وطعامه مسلفن جاهز, وماؤه مقطر معقم. فهو لا يشرب مثلنا من أنابيب الإسالة الملوثة. لأنها تضر بصحته التي تعد أغلى من صحة الكثيرين بما فيهم رئيس الشركة التي يعمل فيها.

وهو يستحم مرتين في اليوم. مرة عند خروجه إلى العمل، ومرة عند العودة منه. وعندما تحييه بتحية لا يرد عليك، بل ينظر إليك نظرة شزر ملؤها الاحمرار من فرط الغيظ الذي أصابه نتيجة تجرؤك على النظر إليه.

انه مهم ذو شأن، يمتلك هوية خاصة، واسمه مدون في سجلات الشركة، وله رقم خاص واسم دلع وكنية. وقد يكون أكثر أهمية من الشخص الذي يمسك بالسلسلة التي تحيط برقبته..

فهذا الأخير لا يملك “حاسة الشم” التي يمتلكها وقد يكون راتبه اقل كثيرا من راتب الكلب الذي حالفه الحظ فأصبح كلبا ذا شأن، ومثله يحصلون على وظائف مهمة في أجهزة الأمن والمخابرات وشركات الحراسة.

بينما يبقى كثير من البشر عاطلين عن العمل لا يتقنون لغة العصر أو لغة الحاسوب أو أية لغة أجنبية بل أنهم لا يتقنون حتى لغة الكلاب. ولله في خلقه شؤون.