السياسة تاجر مصلحي نسيم ومراوغ، يطمح ان يكون كل شيء.. ويستأثر بكل شيء، لا يقيم علاقة مع احد، ولا يعترف بأية حقيقة، إلا بقدر ما تدر عليه تلك الحقائق والعلاقات من منافع، فإذا ما توقفت تلك المنافع كشر عن أنيابه وكشف عن وجهه المستور، وما بين ليلة وضحاها أبدل قناعه القديم بقناع جديد، ووقف من دون حياء او حرج الى جانب خصومه، وقلب ظهر المجن لحلفائه انه وهو يقدم على شراء البضاعة من الآخر، لا يتوانى عن التقليل من شأنها ونعتها بالكاسدة والرديئة، فإذا ما أصبحت بين يديه وأراد عرضها للبيع، رفعها الى السماء وتفنن وفي مدحها بما يعجز الشعراء المداحون عن الإتيان به!
هؤلاء هم السياسيون – إلا من رحم ربي وتمسك بالعروة الوثقى – أفرادا كانوا ام أحزابا ام حكومات، صغارا او كبارا، لاتعرف لهم حقا من باطل ولا باطلا من حق، شتاؤهم غير صيفهم، وليلهم يختلف عن نهارهم، ونبقى نحن البسطاء، ذلك القطيع الكبير من المغفلين، أفرادا وجماعات وشعوبا نسير وراء تجارنا مغمضي العيون وجزءا من قافلتهم التجارية، نجلس حيث يجلسون ونسير وراء بوصلتهم، تأخذنا شرقا او غربا الى اليمين او اليسار وليس لنا إلا الطاعة، وليس لنا في البضاعة نصيب، هؤلاء هم نحن البسطاء المغفلين، نستخرج ثروات الارض ونحمل الذهب ونأكل العقول ولكن دوام الحال من المحال، وها هي بشرى الربيع العربي تهز غفلتنا من الأعماق وتبشرنا ان الأرض لمن يزرعها، وان زمن العاقول ولى من غير رجعة، وأولى بشائر الربيع المبكر انطلقت من العراق وانتشر أريجها الى تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين والأردن والكويت والسعودية، وكان ربيعنا من القوة والقدرة على التأثير بحيث وصل الى إيران والجزائر والمغرب، ولم تسلم منه بلدان أوربية لا تحمل شعوبها الذهب على ظهورها ولا تأكل العاقول، وكان كل ذلك من دواعي سعادتنا فما كان حلما نخشى البوح به بات حقيقة تصدح بها عاليا أصواتنا المخنوقة، الا ان فرحتنا لم تكتمل، فقد اطل علينا الساسة التجار – إلا من رحم بي – من جهات العالم الأربع وافسدوا حلمنا المتواضع، وكل يقودنا الى بوصلته وكأن مصالحهم تعارضت، فمن قائل ان ما يجري ان هو إلا خريف عربي، ومن قائل ان هو الا ربيع اميركي لا دور فيه ولا فضل للعرب الا بقوافل المساكين الذين قدموا حياتهم ثمنا للحلم الموعود، أما الثمرة حين تنفع فلن تقطفها الا سيدة العالم ذات القوة والهيمنة، ومن قائل ان البيع ما مر بغير العراق، ومن قائل ان التغيير العظيم الذي أنجزته الشعوب المتهورة في بلدان الرافدين والنيل وتونس وليبيا هو الحق العائد الى اهله، وان التغيير الذي تنتظر اليمن والبحرين والمغرب انجازه، هو كذلك حق مقبل في الطريق، اما ربيع سوريا المنتظر فهو فعل من تدمير الشيطان الأكبر، والشيطان مرحبٌ به في صنعاء، مرفوض في دمشق، ومن قائل ان شهداء القذافي في الجنة وشهداء الأسد في النار، ومن قائل ان نظام مبارك نقمة، ونظام بشار رحمة، ومن قائل الربيع حتمية التاريخ، وانه آت على الجميع طال الزمن أم قصر، ومن قائل احذروا الربيع فهو خديعة الغرب الى الشرق وموسم الحساسية والطفح الجلدي، اما نحن البسطاء أهل الغفلة من المحيط الى الخليج ممن أضاعوا البوصلة واختلطت عليهم الريح، فكنا ومازلنا في الشتاء والصيف والخريف والربيع، نزرع القمح ونأكل العوسج، وكأننا خارج المواسم والفصول وحتميات التاريخ والطبيعة والمنطق!.