رسالــــة حــــــب !!

هل أستميح العذر للفتى الذي ما زال روحه ينبض تحت وطأة  السنين العجاف، أم أتوكأ على عصاي وامضي مخذولا حيث يدفن الشيوخ أحياء في حضرة الأحفاد ؟، شفيعي الى الشفاعة أني منذ ولدت في زمن الاقحوان بين عيني امرأة ، وهبت حياتي عنف الاشتعال ، قبل ان تختفي مثل حلم لم يكتمل ، وأنا اكتب إليها متعلقا بأمل موؤد ،ولست ادري تحت أي الهواجس ينتابني اليقين ، ان هذه الرسالة هي آخر المطافات الموجعة .

يا سيدة العصور المستعرة ، عام آخر يجتاز حقلي صامتا ، لا شمعة تطفأ عند انتصاف الليل ، لا شفه ظامئة الى الكف ، لابكاء يفجره اللقاء ، وباردة هي المواقد انطفأت خطانا الى (رواق)  موفق الخطيب،و ( حوار) قاسم سبتي ،وذبلت حدائق الحسن بن هانئ ، فمن يهب ( الفنون الجميلة) رونقها وقد جفت الألوان يا أشهى من توهج الزيت وذؤابة الفرشاة بين أناملها ،وأتساءل وجلا : 

أين حمى العشق والعتابات الحزينة، أين توسلات الصفح وحرائق الأنفاس تذيب الثلج على شرفات المنزل؟، والمنزل غرفة من حجارة (سفين) وأغصان البلوط في مخابئ شقلاوة .

اثنان هو العالم، أنا وأنت ، تحت شجرة سدر في ( راغبة خاتون ) نحتمي من المطر ، اكتشفنا الالق الكوني ، وكيف تولد الأسرار في العيون ، ثم مضينا نزف البشرى ، ونزرع دروب بغداد بالنرجس ، من رأس الحواش الى المسبح ، ومن جسر الصرافية الى قاعة  الدروبي ، ومن صباحات زيونة وشارع الرشيد الى اماسي دجلة والعطيفية ومطعم في سفينة يرجرجها الموج ، ما تركنا من جسد المدينة وابوابها وكرخها ورصافتها ، خلية إلا واودعناها ذكرى، هي اليوم تطاردني حيث صخب الأمس يضج في الروح ، وروحي موحش فمن اي مشرق طلعت حتى ارتجت مياه الحياة في العروق ، والى اي مغرب أويت ضيفا على (الشيخ معروف) فلا شمعة ولا كف ولا شفة غير بابي المهجور، وقد مضى ليل، ومر عام ، ثم أبت شقلاوة الى حضن الجبل ونامت أغصان الجوز، ولم يهجع انتظاري ، وكلما تدافعت خيوط الثلج على زجاج النافذة ، راودني الحلم المستحيل ، ستعود من البلد المجهول ، فيورف الشجر الذابل والبيت الذي من حجارة سفين ، ويكذبني السراب يا سيدي الشيخ اقبل عمامتك أكرم وفادتها وأطلق سراحها ، فانتظاري لا يهجع ، أنا الذي صدقت الوعد وأوفيت العهد الذي كان ميثاقا وقاومت الموت سنة من شتائها الى شتائها كما كنت تريدين ولم أرد ، توسلت عيناك ( لا تمت من اجلي ) والموت أدنى من قاب قوسين ، ولأجلها يا أشهى من توهج الزيت على أناملها احتملت الحياة !!

حبيبتي … كانت مريم ، ابنتنا التي لم ننجبها ، مريم التي نمت تحت عيوننا كما تنمو فسيلة البرحي ، رفيقة السرير الأبيض وشاهد الإغفاءة الأخيرة لك بين ذراعيها ، إنها  تخذلني يا مريم ، تختار قدرها وحيدة ، ومريم لا تسمع حزني ، حبات دمعها تكفن جسدك المسجى ، يا التي ما آمنت بالسحر وارتعاشة القلب الا تحت شجرة السدر ورائحة المطر ، انا الذي نذرا لتوسلات عينيك لجمت شهوة الموت ، وتخذلني يا مريم ، وحيدا أطارد أمسي ، واثنان هو العالم ، الجنون والوحشة ، وأنا وأنت وبيت من حجارة سفين ودجلة وليالي المسرة وبغداد التي وشمنا دروبها بالمحبة ، وهو الذي يخامره اليقين ، إنها آخر أعوامه ، وآخر المطافات الموجعة .