دراسة توثيقية ميدانية لحركة الظاهرة الاستشهادية من خلال استحضار العلاقة المباشرة في توزعها على مساحة جغرافية الفكر دون الجغرافية الاطلسية “نسبة الى اطلس المدارس” والتضاريس, ومن دون استعمال اسلوب الرواية الذي خذلنا في أكثر من مكان وزمان على طريقة “وما آفة الاخبار إلا رواتها”.
الشيخ راغب حرب: مرت هذه الأيام احتفالية ذكرى شهداء قادة المقاومة الإسلامية في لبنان: وهم، الشيخ راغب حرب شيخ شهداء المقاومة الاسلامية في حزب الله الذي استشهد عام 1982 في جنوب لبنان, والسيد عباس الموسوي أمين عام حزب الله الذي استشهد هو وعائلته في قصف الطيران الإسرائيلي عام 1992, والمجاهد عماد مغنية مهندس العمليات الاستشهادية والذي استشهد عام 2008 في دمشق على أيدي عصابات التجسس التابعة للموساد الاسرائيلي.
والشيخ راغب حرب “رحمه الله” من خريجي حوزة النجف الأشرف هو والسيد عباس الموسوي “رحمه الله”, والشيخ صبحي الطفيلي أمين عام حزب الله الأسبق, وقد كان ممثلا للسيد الشهيد المرجع محمد باقر الصدر في مدينة الخالص في العراق, والشيخ محمد يزبك مسؤول شورى حزب الله وقد كان ممثلا للشهيد محمد باقر الصدر في الاسكندرية, والشيخ عفيف النابلسي وقد كان ممثلا للشهيد الصدر في بعض مناطق بغداد, والشيخ نعيم قاسم نائب أمين عام حزب الله وقد كان طالبا في حوزة النجف الأشرف عندما كان السيد المرجع الشهيد محمد باقر الصدر يرعى طلبة الأقطار الإسلامية بعناية خاصة ومنها لبنان, وكان المرحوم محمد جواد مغنية صاحب التفسير المعروف “التفسير المبين” يقول، اني أحضر للنجف بين فترة وأخرى للتشرف بزيارة ضريح الإمام علي “عليه السلام” , وللوقوف بباب محمد باقر الصدر واستمع الى اجاباته على اسئلة الزائرين, وكان المرحوم محمد جواد مغنية يقول، لو لم يعطنا السيد محمد باقر الصدر إلا “فلسفتنا واقتصادنا” , والبنك الأربوي في الاسلام لكفاه فخرا أن يدخل في اصحاب الموسوعات الفكرية الخالدة.
ومما لفت نظري وكتبت عنه وذكرته في بعض محاضراتي، ماكتب على اللوحة التي تتصدر القادم للحلة من جهة كربلاء المقدسة وما كتب في تلك اللوحة: “انتشر الاسلام الحديث بكتابات محمد جواد مغنية ومحاضرات الشيخ الوائلي. ومع احترامنا لهذين العلمين, إلا ان ما نقلته هنا من مقولات الشيخ مغنية رحمه الله بحق فيلسوف القرن العشرين محمد باقر الصدر يفند ما ذهب إليه من كتب تلك الكلمات على لوحة خطت عليها صورة المرحوم الشيخ الوائلي الذي احسنت قناة المعارف الاسلامية في نشر تسجيلاته المنبرية لمحاضراته التي انتفع منها جيل الشباب بصورة خاصة وعموم الناس بصورة عامة, والشيخ الوائلي “رحمه الله” كانت بيني وبينه علاقة أخوية في أيام المهجر في سورية, كنا نتبادل فيها هموم العراق وهيمنة الطغمة الفاسدة الصدامية في تلك المرحلة القاسية التي مرت على العراق, ومن صميم التلاقح في الأفكار, كتبت ذات مرة منشورا نفضح فيه جرائم صدام حسين بأسم حزب الدعوة الاسلامية وطلبت من الشيخ الوائلي أن يدفع تكاليف الطبع ففعل بكل قناعة, لأن في ذلك الزمان لم يظهر الكومبيوتر وطباعته بعد وكنا نضطر للطباعة بالمكائن التقليدية.
وقد جاء الى سورية في تلك الفترة المرحوم الشاعر مصطفى جمال الدين بعد ان هجر العراقيون من الكويت في أثر التفجيرات التي الحقت الأذى بالجالية العراقية من المهاجرين, وقد زارني المرحوم مصفى جمال الدين وبصحبته ولده محسد الذي لم يتجاوز عمره آنذاك الثانية عشرة من العمر, وقال لي، يا دكتور هذا ديوان شعري إذا وجدتم فيه بيتا واحدا امتدح فيه صدام حسين فتبرأوا مني. وهناك تفاصيل حديث دار بيني وبين المرحوم مصطفى جمال الدين أترك تفاصيله لمناسبات أخرى بعضها أطلع عليه أخي خطيب المنبر الحسيني الشيخ عبد العظيم الكندي.
وجمعتنا مناسبة الهجرة في سورية مع المرحوم السيد عبد الزهرة الخطيب الحسيني الذي كنت أول من التقيته ورحبت به بعد قدومه من البحرين في ظرف حرج واستثنائي أترك تفاصيله الان.
وفي فندق متواضع من فنادق دمشق بالقرب من ساحة المرجة التقيت الشيخ راغب حرب “رحمه الله” والذي أصبح شيخ شهداء المقاومة الإسلامية في لبنان وهو يستحق هذا اللقب بحق كما يستحق شهداء المقاومة الإسلامية في حزب الله تلك الدرجة من الشهادة في مقارعة دويلة إسرائيل التي اصبحت تحظى باهتمام منقطع النظير من قبل أمريكا والدول الأوربية, وقد سلطت بعض الأضواء على تلك العلاقة التي مازال أغلب من يتحدث عنها لايعرف أسرارها, ومازال الكتاب والسياسيون يثيرون بعض الاشكالات على تلك العلاقة الأمريكية الاسرائيلية دون القدرة على تفكيك طلاسمها التي تختزن شيئا كثيرا من الفهم التوراتي على طريقة حزقيال في كتابه – الجزء 38- 39- والذي يختزل فيه كل المصطلحات التوراتية من “الهرمجدون” الى “يأجوج ومأجوج” والتي اصبحت اليوم ثقافة “المرمون” وتياره المليوني في امريكا والذي فاز ممثله ورئيسه “مت رومني” في انتخابات الحزب الجمهوري في بعض الولايات الأمريكية حاليا.
والمرمون هم حملة الثقافة التوراتية في امريكا والتي لم تدرس من قبل كتابنا دراسة جادة, فأمريكا التي طرحت نفسها لزعامة العالم بعد الحرب العالمية الثانية وخاضت غمار الحرب الباردة وانتصرت على الاتحاد السوفياتي, وتفردت لمدة عقدين على المسرح الدولي بدون منافس, واصبحت قيادتها تحمل ثقافة توراتية ظنا منها انها وصلت الى مشارف الحصاد الثقافي بعد ان أمنت حقول القوة العسكرية, والقوة الاقتصادية من خلال هيمنتها على منابع النفط, ولكنها نسيت ان العامل الثقافي يختلط مع عقائد الناس في أكثر من مكان ولاسيما في العالم الاسلامي, ولذلك هي سارعت لتبني ما يسمى بالربيع العربي واختارت لنفسها هذه المرة “الحرب الناعمة” من خلال الرهان على تنظيم القاعدة الوهابي لتفكيك وحدة الأمة وأرباك وضعها الأمني والاقتصادي, وفي لحظة الولع بالحرب الناعمة التي لم يكتمل حصادها بعد فظل البيدر معلقا على نوايا العمال دون الملاكين والعمال هنا يساورهم التمرد وتصفية الحسابات بطريقة تنتمي لعقائد العصر الوسيط التي تعرف عنها أمريكا العناوين ولا تدرك المضامين التي أنهدت بسببها دول وامبراطوريات, وتغيرت من جرائها جغرافيات ومازالت هي التهديد الحقيقي لكل النظام العالمي الذي لم يستقر ولن يستقر إلا بعد استرجاع هوية خلافة الانسان للأرض بملاكات بيعة كونية في حساب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها “وبوعد صادق” ، “وان عدتم عدنا”.
القيادة الأمريكية اليوم تعلن توراتيتها عبر مايلي:
1- التبني غير المحدود لإسرائيل.
2- استعمال مفرط للفيتو في مجلس الأمن من أجل اسرائيل.
3- خصومة كل من يهدد أمن واستقرار إسرائيل.
4- تجاوز وثيقة حقوق الإنسان من أجل اسرائيل.
5- تجاوز سيادة الدول من أجل اسرائيل.
6- التساهل مع الجماعات الإرهابية من أجل اسرائيل.
7- السعي لإعادة خريطة العالم من أجل اسرائيل.
وعمل ومواقف من هذا النوع لايمكن تبريرها بالآتي:
1- بالعامل الاقتصادي حيث لبعض الدول مغريات اقتصادية تضحي بها امريكا على خلاف العادة.
2- بالعامل السياسي: الذي يفترض مراعاته انسجاما مع الادراك الحقيقي لعلم ومفهوم السياسة.
3- بالعامل الثقافي وأهميته في نظر الدول لاسيما الكبرى منها.
4- بالعامل النفسي: الذي اصبح معتمدا في التخطيط والدراسات الاكاديمية ومعاهد البحوث التي تعطيها الادارة الامريكية اهمية تخدم مصالحها.
5- بالعامل التاريخي: الذي لا تملك امريكا القدرة على حسمه لصالحها.
6- العامل الديني: وهو المتبقي الوحيد حصرا لتفسير مواقف امريكا من خلال اكتشاف نمو الفهم التوراتي في مايلي:
ا- اعتبار الصهيونية هي نشيد المسيح الذي اصبح شعارا سياسيا.
ب- العمل على توحيد المسيحية مع الدين اليهودي في نظر جماعة الكنيسة ” الانكلوكانية المتطرفة ” مستقبلا.
ت- اعتبار الحرب الكونية المقبلة حربا مصيرية باثارات دينية.
ث- العمل سرا على فهم اطروحة “المهدي المنتظر” المنتشرة في اغلب الاديان القديمة على انها رجوع المسيح المصلوب.
ومن هنا فإن حزب الله الذي ينتمي اليه شيخ شهداء المقاومة الاسلامية الشيخ راغب حرب والذي تأسس عام 1982 وليس في عام 1978 كما ذهب الى ذلك يوسف اغا في كتابه عن حزب الله الذي ظهر حديثا وكتب عنه بعضهم في مواقع الانترنت فلم يعطوا حق التوثيق من ناحية التأسيس, كما لم يعطوه حق الفهم الصحيح لمفهوم “التقية” وهذا المفهوم ظلم تاريخيا واسيئ فهمه, واعتبره البعض من مقولات وعقائد الشيعة فقط والأمر ليس كذلك, فالتقية حالة نفسية وموقف سلوكي يحتاجه جميع البشر ويمارسونه دون وعيهم واحساسهم بذلك, والشيعة من موقف معرفي مكاشف صريح وجريء اعلنوا ممارستهم واعترافهم بوجوده كضرورة على النحو التالي:
1- كمفهوم معرفي يدخل في تفاصيل الحياة.
2- كضرورة امنية: تدخل في الاستراتيجيا والتكتيك.
3- كحالة نفسية مبررة “الضرورات تبيح المحذورات”.
والعالم اليوم على مستوى:
1- الدول
2- المجتمعات
3- القبائل والعشائر
4- الأحزاب
5- الأسر
6- الأفراد
كلهم يستعملون التقية كسلوك يومي لايفرقهم بذلك:
1- الدين
2- القومية
ومن ينكر التقية إنما ينكر جزء من ضرورات الحياة.
والشيخ راغب حرب “رحمه الله” قبيل استشهاده كان معي في دمشق وكان عازما على السفر الى جنوب لبنان, ويومها وقع الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982, وعندما رأيت الشيخ رحمه الله مصرا على الذهاب الى لبنان رافقته الى كراج السيارات الواقع في منطقة الفحامة غرب دمشق, وكنا نريد الحصول على تكسي أجرة الى بيروت وعندما دخلنا في باحة الكراج وجدنا سيارة تكسي ينادي صاحبها الى النبطية… وهي المدينة اللبنانية الجنوبية المعروفة, وما ان سمع الشيخ رحمه الله بأسم النبطية حتى هرع صوب السيارة التي ينادي صاحبها الى النبطية التي كانت تحت وطأة الاحتلال الاسرائيلي, وهنا عندما عرفت عزم الشيخ واصراره حاولت اولا ان اقنعه بتغيير ذهابه الى النبطية مباشرة لوقوعها تحت وطأة الاحتلال الاسرائيلي الغاشم , وطلبت منه ان يتريث في موضوع السفر او أن يسافر الى بيروت ريثما تنجلي صورة الموقف, ولكني وجدت الشيخ راغب رحمه الله مصرا بشكل لا يقبل اية فكرة من دون سفره مباشرة الى النبطية, ولعلمي بطيب سجية الشيخ راغب حرب وحبه للجهاد الذي نذر نفسه له من ايام كان طالبا في حوزة النجف الأشرف, وتربى على حب الشهادة التي قرأها في ملحمة الطف الخالدة في ثورة الإمام الحسين بن علي بن ابي طالب “عليهما السلام”.
وقد ذكر هذا المعنى السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في خطابه الأخير بمناسبة احياء ذكرى شهداء قادة المقاومة اللبنانية في حزب الله عندما قال: عندما أشتد القصف الاسرائيلي في حرب تموز عام 2006 وبدأ البعض يطرح فكرة الاستسلام من قبل بعض الاطراف العربية الخائفة من البطش الاسرائيلي والتي راحت تروج للفكرة التالية من اجل ايقاف وقف القتال على الشروط التالية:
1- أن يسلم حزب الله سلاحه
2- أن يسحب افراده من كل الأراضي اللبنانية في مواجهة اسرائيل
3- أن يوقع على مذكرة حفظ أمن اسرائيل
4- أن يترك العمل العسكري
5- أن يتحول الى منظمة سياسية فقط
وفي حالة عدم استجابته لهذه الشروط فإنه يواجه مايلي:
1- الإبادة التامة
2- سحق كل مالديه من عناصر وأسلحة
3- إبادة كل مايتواجد حوله ومعه من مؤيدين واتباع
يقول السيد حسن نصر الله في هذه اللحظة عرفت معنى ثورة الإمام الحسين وكيف خير بين “السلة والذلة” ولهذا قال الإمام الحسين صيحته المشهورة:
“هيهات منا الذلة” ، “هيهات منا الذلة”
وبهذا المعنى قال المرحوم الدكتور داود العطار في قصيدة نظمها لمواكب الجامعات العراقية في الستينات من القرن الماضي عندما قال شعرا:
يا شهيدا أين منك الشهدا
ما نرى شخصك إلا اوحدا
احمد منا ومنا حيدر
وحسين وهو نبراس الهدى
والسيد حسن نصر الله هو خريج هذه المدرسة الجهادية, وسبب نجاحه في قيادة حزب الله في مواجهاته مع اسرائيل في احداث:
1- عام 1996
2- في تحرير جنوب لبنان عام 2000
3- في تصديه لهزيمة اسرائيل عام 2006 والتي عرفت بحرب تموز, والتي كانت فاتحة لبداية هزيمة اسرائيل وقهر عنفوانها الكاذب امام الجيوش التي خذلتها انظمتها وجعلتها لقمة سائغة لحروب تشن بارادة اسرائيلية وقبول اوربي وغطاء امريكي, وهذا القبول وذلك الغطاء يقف وراءه فهم توراتي من نتائجه قيام قيس من الكنيسة المتطرفة بحرق القرآن, وكل الاعمال التحريضية التي جرت في الدول الغربية ولاسيما الاسكندنافية تقف وراءها جماعات تنتمي لتيار المرمون الامريكي الذي يمتلك في امريكا مايلي:
ا- 60 مليون من الأتباع
ب- 0 2000 ألف قس متطرف
ت- 43 فضائية
ث- 200 كلية لاهوتية
ج- عشرات الإذاعات المحلية
والشيخ راغب حرب يستحق منا حق الذكرى على مستوى كل من:
1- الحق الأخوي: فهو أخ في الله قبل أن يكون صديقا لنا.
2- حق الجهاد فهو شريك لنا في مرحلة الهموم والاعباء والمسؤوليات.
3- حق التنظيم: فهو يؤمن رحمه الله بالتنظيم كسنة في الحياة.
4- حق المواسات: كوفاء يعرف به الصالحون المخلصون على طريقة قول الشاعر:
اولئك اصحابي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا ياجرير المجامع
والشيخ راغب حرب كما عرفته، مؤمنا متواضعا, مخلصا لايهتم إلا بأمر المسلمين على وصية رسول الله “ص”:
“من أصبح وأمسى لايهتم بأمور المسلمين فليس منهم”.
ومن غرائب الصدف عندما ودعت أخي الشيخ راغب حرب رحمه الله في كراج الفحامة للسيارات في دمشق ورجعت الى منزلي في حي الأمين, سمعت في اليوم الثاني باكرا نبأ استشهاده من المذياع, فغمرني حزن بفراقه, وطغت علي فرحة حقيقية لمعرفتي باستحقاقه وسام الشهادة شرف المؤمنين المجاهدين وعلى رأسهم الانبياء والمرسلين, والائمة الأوصياء من الذين أنعم الله عليهم بشرف الدنيا في الجهاد وشرف الآخرة باعلى المراتب والمنازل “انا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد”.
وقد كتبت رواية طويلة عن العلماء الشهداء في التسعينات من القرن الماضي نالت استحقاق جائزة المناسبة التي احتفظ منها بمدالية اعتز بها مازالت تقف في واجهة الميداليات والدروع التقديرية التي حصلت عليها تكريما من جهات مختلفة في مختلف المناسبات, فالى روح أخي الشيخ المجاهد الشهيد راغب حرب والى ارواح الشهداء ومن بدرجتهم وأذكر منهم الشهيد المرجع السيد محمد باقر الصدر, والإمام الخميني, والشهيد محمد صادق الصدر والشهيد عبد الصاحب دخيل والشهيد هادي السبيتي والشهيد حسين جلو خان والشهيد عارف البصري والشهيد نوري طعمة والشهيدة بنت الهدى والشهيد عبد العزيز البدري , وكل شهداء الإسلام في أرض المواجهة والجهاد.