في العلاقات الدولية، ليس هناك شيء ممكن وفق المزاج أحادي الجانب.. إلا في حالات محددة ومحدودة منها:

*امتلاك القدرة والاستطاعة مع توفر إمكانية استخدامهما ضد الآخر. 

*ضعف الآخر وافتقاره لقدرة دفع الأذى وإمكانية تفادي فرض الهيمنة والتحكم والسيطرة وأسباب ذلك كثيرة.

*الحنكة القيادية في الجانبين الميداني والستراتيجي، التعبوي والسوقي، والقدرة المتمكنة من إخفاء الواقع والحقائق التي تشكل القوة وعناصرها.. إذ المعروف أن الدولة، أية دولة، تؤثر سلبا أو إيجابا في قرارات الدول الأخرى وفي المسرح الدولي بفعل قوتها، وهذه القوة يعتورها التغير والتبدل، فيتغير تأثيرها تبعا إلى ذلك، خصوصا وان قوة الدول لا تنحصر في الجانب العسكري وحسب، بل هي تشمل كل ما تستطيع حشده لحماية مصالحها وبلوغ أهدافها.

فالدول لا تفتأ تستعمل القوة بعضها ضد البعض الآخر، أو تلوح باستعمالها، وحتى أن لم تستعملها أو تلوح باستعمالها، فأن مجرد وجودها له تأثير على الدول الأخرى. إذ لا يمكن لدولة ما أن تتجاهل احتمال استعمال دولة أخرى لتلك القوة، فهي تمثل تهديدا محتملا، وهي تلوح دائما بالإيماءات أو بواسطة الخطاب المفتوح. ودرجة استعمال تلك القوة، وفي ضوئه فانك تستطيع أن تملي على الآخر ما تريد، وان تحصل منه كذلك على ما تريد، بيد انك في كلا الحالين تخسر نفسك، لماذا..؟

بالتأكيد انك لا تستطيع أن تملي على الآخر ما تريد، او تحصل منه على ما تريد، إلا في حالتين: 

الأولى: أن يكون ضعيفا وأنت قوي، وفرق القوة هو الذي حقق الإذعان وما تحققه القوة في زمان ومكان ما، قد يؤدي إلى فتح باب الاحتمالات ومن ضمن هذه الاحتمالات، تغير ميزان القوة وقد يرتب شيئا مماثلا لما كنت أنت عليه، فتتعرض لما تعرض هو له، فيجعلك مضطرا للتخلي عن كل الذي حصلت عليه بالقوة، فما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. هذا الذي قلناه ليس كلاما نظريا، بل هو أمر واقع فعلا فقد خسرت بريطانيا كل شيء بعد إن كانت “بريطانيا العظمى” تأمر فتطاع، واذا بها مستعمرة أميركية، بعد ان كانت سيدة أميركا بلا منازع.

الثانية: أن يكون الآخر غبيا ساذجا.. لا يجيد اللعب مع الطرف الآخر.. قيد نفسه وقطع الطريق على شعبه، فصار هدفا لأساليب الباحثين عن فرصة السيطرة والهيمنة على المغفلين وما أكثرهم في أوساط الاستبداد بين الدكتاتوريين وأمراء المال وشيوخ النفط.

لقد نمت وكبرت وتضخمت أوروبا اعتمادا على مبدأ الضحك على الذقون قبل مبدأ “القوة الفائقة” وقد تماثلت قصص الضحك على الذقون، فمن إعلان نابليون إسلامه إلى “لورنس العرب ولينبي ومس بيل الملاية” وغير ذلك الكثير الكثير من المضحكات المبكيات.

لا أريد أن أقول أن هذا الأسلوب، في التعامل الدولي أو حتى على المستوى الشخصي أسلوب أخلاقي أو انه أسلوب مبرر بل الذي أريد أن أقوله.. أن القانون لا يحمي المغفلين أولا، وثانيا إن من يتولى المسؤولية ينبغي أن يكون مالكا لكل عناصر القوة والسيطرة والتحكم. انه ينبغي أن يستند على عناصر القوة الوطنية ليحمي بلاده وشعبه. وعناصر القوة الوطنية متعددة في المرجعيات العلمية، لكن اغلب مدارس الستراتيجية والعلوم المستقبلية والدراسات السياسية والفكرية قسمت القوة الوطنية إلى أربعة ثوابت أساسية وهي: 

1 ـ القوة الاقتصادية 

2 ـ القوة العسكرية 

3 ـ القوة المعلوماتية 

وثمة من يضيف إلى ذلك القوة الجغرافية، أو ما يسمى بـ”عبقرية” المكان وهذه القوى تعتمد في الدرجة الأساس على إمكانيات الاستخدام الأمثل، فليس كل من ملك سيفا صار عنترة بن شداد وليس كل من امتلك الحكمة صار سقراط أو أفلاطون، المطلوب هو امتلاك قدرة استشراف المستقبل أو الرؤية الإستراتيجية المستقبلية وهذه الرؤية تعتمد على المرتكزات الماضوية والمستقبلية والحاضر من قوالب المعلوماتية لكون تأطير الابداع والابتكار يتم بالتفعيل التحليلي الذي يبنى على رواس معلوماتية جيدة وصادقة وواقعية موائمة وملائمة ومتزامنة مع المستجدات الحديثة.

ان الفهم الواقعي لطبيعة وحجم المتغيرات في ساحة الاحتكاك او الصراع او التنافس او المواجهة الساخنة ينبغي ان يؤخذ بنظر الاعتبار عندما يجري التخطيط للمستقبل او وضع الستراتيجية، وهذا امر يتطلب وجود بنى تحتية على قدر كبير من الاحاطة والفهم الدقيق في ضوء ما يصلها من معلومات صحيحة وصادقة وواقعية والا فان ثمة من يملك كل ذلك في الطرف الاخر الذي ليس في وسعه ان يتركنا نعيش لوحدنا في حياة قائمة على مبدأ ان تكون للجميع “سيئين وجيدين” مغفلين وشاطرين، اشرارا وخيرين، ونتيجة ذلك هو ان نعيش خارج الحياة، كما يصفنا مستشار الامن القومي الأميركي ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر فالآخرون يستقبلون “المستقبل” وهم مهيئون ومستعدون له، في حين نحن نستبسل المستقبل بمزيد من العزلة عن الحياة والمعايشة الحقيقية والواقعية وحتى عندما تتهيأ لنا سبل استشراف المستقبل كما حصل ذلك في موضوع مستقبل المياه في الوطن العربي وبشكل خاص في الشام وفي ” العراق ” وعرفنا في وقت مناسب خطط اسرائيل كمستهلك لمياه مصدرها العرب، وخططت تركيا، والعرب مستهلكين للمياه التي مصدرها تركيا وايران ونشر الكثير من البحوث والدراسات حول المياه ومستقبلها ومستقبل العرب معها، وكل ما نشر وقيل في حينها ركز على مسألتين اساسيتين:

الاولى : تفادي الوقوع فيما تعمل كل من اسرائيل كمستهلكة وتركيا وإيران كمصدرين للمياه لمستقبل علاقتهما بالمياه.

الثاني: وضع الترتيبات اللازمة لمنع تركيا وايران وإسرائيل الاستفادة من المياه بمعزل عن العرب. 

عقدت من اجل ذلك مؤتمرات قمة ومؤتمرات مسؤولين كبار وخبراء ولم تكن هناك أية نتائج على الأرض، كانت جعجعات بلا طحين، والأمر أن العرب يعانون العطش وإسرائيل في فيضان وتلك مفارقة أخرى مبكية مضحكة بل ان إسرائيل هددت وهي تهدد بتحويل مجرى نهر الأردن وكذلك نهر الليطاني. ايران وتركيا اغلقت او قننتا المياه الواصلة للعراق وسوريا، في حين سوريا ولبنان غير قادرتين على منع وتقنين المياه المتدفقة الى اسرائيل، هي تلوذ بالقانون الدولي المستند على ضعف العرب، وتركيا وايران يستندان على القانون الدولي ايضا المستند على قوة تركيا وإيران قياسيا بالعراق وسوريا، لذلك نرى الامور رغم معرفتنا المباشرة او غير المباشرة لنتائجها مسبقا، تسير من سيئ الى الأسوأ كذلك عناصر قوتنا الأخرى هي نهب غيرنا.

في عام 1973 وفي أثناء حرب تشرين وبعدها، كانت لدى العرب بعض نهضة أو يقضة فاستخدموا النفط كسلاح في المعركة، ورغم إني لا اميل لمثل هكذا أسلحة تستخدم لإغرام الآخر على التسليم بالحقوق المشروعة غير ان استخدام ما اريد منه، حيث وقف العالم الى جوار الحق داعما ومؤيدا او مناصرا العرب رغم أنهم استخدموا سلاحا تعلق بشريان الاقتصاد، بل الحياة في العالم وذلك لأن الحق كان إلى جانب العرب، والباطل إلى جانب اسرائيل التي عرضت عرض الجدار بقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ولم تنسحب من سيناء وأجزاء كبيرة من فلسطين والجولان وجنوب لبنان برغم مطالبات العالم المتكررة بذلك.

كان ذلك أول استخدام مرغم ولكنه كان الأخير.. فقد ضاع النفط وضاعت القدرة على استخدامه، بعد ان ضاع التضامن من العربي ومعها منظومة الأمن العربية، التي كانت هي مصدر ووعاء الاستخدام الإستراتيجي لسلاح النفط من اجل اجبار إسرائيل على الاعتراف بوجود تقارب في توازن القوى الستراتيجية في ذلك الحين.. وعاد العرب القهقرى لتكون، ثرواتهم وأراضيهم ومياههم نهبا لكل من يجد في نفسه ميلاً.

ولنأخذ على سبيل المثال التسلح العربي وما يترتب أو ما ترتب عليه من فوائد أو أضرار لقد بلغ العرب في التسليح ورغم ذلك ليس ثمة شيء يمكن اعتماده للقول إن تلك العملية كانت مفيدة وحتى اليوم وبرغم الفشل الذي جنته الأمة العربية، فان “مئة” مليار دولار في خمس سنوات هذا هو حجم التسلح في دول المنطقة، وفق آخر التقارير الاستخباراتية والاستشارية وفي طليعة الدول المهتمة بعمليات التسليح، السعودية والإمارات والكويت، وحدها السعودية سوف تنفق 30 مليار دولار منها 800 مليون دولار لشراء 72 مقاتلة من الولايات المتحدة الأميركية وبذلك فان هذه المنطقة تستحوذ على 11 في المئة من إجمالي الانفاق الدفاعي بحلول عام 2014 والرقم يعتبر الأعلى على مستوى العالم.

والسؤال الآن ترى ما قيمة هذه الأرقام إذا ما ارتبطت بحاجة القومي العربي لمواجهة التحديات الآنية والمستقبلية..؟ لا اعني بالسؤال التقليل من قيمة الأسلحة الموردة للعرب من خلال رقم الإنفاق العالي ولكن اعني ان السلاح وحده لا يشكل اي حماية حقيقية للعرب ان لم يقترن بالإرادة الوطنية والقومية الحقيقية، الإرادة المخلصة والصادقة والنزيهة.. الإرادة الذائدة والحامية والمرافقة، وليس الإرادة العدوانية المنافقة الاحتوائية التوسعية.

كل ما سمعناه وقرأناه وشاهدناه لا يتعدى حدود المظهرية المنافقة الكاذبة وبذلك فقد شكل ذلك ذريعة جاهزة لأولئك الذين بيتوا أمرهم بليل.. فقد وصفنا البعض بـ”الشوفونية” ونحن “المضطهدون” وطنيا وقوميا! لقد قالوا عنا اننا “عنصريون” مع اننا لا نستطيع العيش حتى بلداننا بسبب إدانتنا بجريمة ما كنا ولن نكون يوما احد صناعها تلك بلوانا.

بلوانا أو مأساتنا تكمن في اننا لا نجيد تطبيق فكرة “ان لكل مقال مكانا” اذ لا يجوز الخلط في الاشياء دون إدراك سليم وواع للتوافق الطبيعي غير المفتعل بين ما نملكه من قوة وما نملكه من فرصة وقبل ذلك إدراك إن كانت هي فرصة حقيقية للتقدم والتطور وتحقيق الأهداف وانجاز البرامج والمشاريع، أم هي مجرد وهم خلقه الآخر التوسعي او الاحتوائي او العدائي.

لقد فرطنا بما لدينا.. نتيجة جهل حقيقي بما لدينا وبما نحن فيه وعليه، قالوا لنا انتم “قوميون” وما عرفنا الا بعد التي واللتيا، ان القومية رأس بلاء اوربا صدرتها لنا بعد ان تخلوا عنها وكان المصدر يستهدف زرع شيء في داخلنا يكون مبررا لعنصريته وعنجهيته ودمويته وكراهيته للآخر، كان يريد أن يحارب الجيد فينا من خلال زراعة الرديء وقد حصل فعلا ما ارادته اسرائيل، فقد تصاعد مد لا يعي ولا يدرك تحت شعار “القومية” وفي الوقت نفسه ذوى في داخلنا الفكر العروبي.. أخذنا بالتخلي عن الخط العروبي.. لحساب الخط القومي دون أن نعي حجم الخسارة التي لحقت بنا.

ما كنا يوما “قوميين” بل كنا على مدى التاريخ “عروبيين” وقد اثرى الاسلام العروبة وأعطاها زخما لكنه ليس الوافد الوحيد لها، فالعروبة كائن فكري ككل الكائنات الحية تتغير وتتطور ويجب مراعاة ما يجري من تحولات والتي تجعل للوحدة أشكالا وقوالب مختلفة، والعروبة ليست هذيانا عاطفيا مجردا وشعارات، وإنما هي أصبحت تكاملا اقتصاديا ومشاريع وتكاملا إنساني ودعوة صادقة للحرية والانفتاح والعروبة ليست نتاجا جديدا، او حديثا بل هي نتاج يعود إلى التاريخ سحيق في القدم كظاهرة تاريخية لذلك فقد كان لزاما أن تنشأ منظومة مصالح مشتركة لمواجهة مفاهيم ومحاولات التفتيت وإسقاط ما هو سائد من مفاهيم في معظم الدول العربية من ان المواطنة على درجتين.

لقد كانت البداية إسقاط العروبة كمشد وجامع وموحد لحساب فكرة مستوردة طارئة لم تتوقف طويلا أمامها لنعرف مدى قربها منا وقربنا منها ثم بدأوا بالمرحلة الثانية وهي مرحلة تغليب الانتماء المذهبي او الديني على الانتماء العروبي وبات الصراع بين النقيضين المذهبي والديني على حساب الانتماء العروبي، وبذلك تحقق الاختراق الجديد الأكثر تدميرا او الأكثر تخريبا.

ان العمل الستراتيجي المطلوب يحتاج إلى دراسة مستفيضة ومعمقة ودقيقة لعناصر القوة فيه، لأن النصر يتحقق من خلال تراكم هذه العناصر وتفعيلها ووضعها في المكان المناسب والتعاطي معها بالزمان المناسب أيضا.

يقال ان العراق مر بأزمة خانقة في توفر مادة ” الحنطة ” وكان مصدر تجهيز العراق بهذه المادة الحيوية من ثلاثة محاور:

الاول : العراق ويجهز الاستهلاك المحلي بحوالي 70%.

الثاني : الاستيراد الخارجي من عدة مصادر : استراليا، اميركا، فرنسا .

الثالث : المساعدة الأميركية. 

وكان في حينها العراق مشتبكا بمفاوضات عسيرة مع بريطانيا لإخلاء قاعدتي “الحبانية والشعيبة” في عام 1955 فما كان من بريطانيا الا ان طلبت من أميركا واستراليا بعدم تجهيز العراق بأية كمية من الحنطة فما كان من نوري السعيد وكان رئيسا للوزراء إلا ان ذهب الى حفلة كوكتيل في السفارة الايرانية وكان من ضمن عدد كبير من السفراء كالسفير البريطاني والأميركي والفرنسي والروسي، فما كان من نوري السعيد الا وقد قصد السفير الروسي ودخل معه في حديث هامس، تخلله ضحك ونكات والسفير البريطاني يرقب ذلك وبعد فترة افترق نوري السعيد عن السفير الروسي بعد تبادل عبارات المودة والمحبة!! عندها دنا السفير البريطاني من نوري السعيد، ليبادره بالسؤال عمّا دار بينه وبين السفير الروسي فرد عليه نوري السعيد بعدم اكتراث.

ـ لقد طلب الرفيق سفير روسيا الصديقة استيراد كميات من الحنطة الروسية وبالأسعار التي نرغب بها، تأكيدا لرغبة روسيا في إقامة علاقات اقتصادية وتجارية متطورة مع العراق.

هنا قاطع السفير البريطاني نوري السعيد قائلا: 

– إن حكومة جلالة الملك قد وافقت على تزويدكم بما تحتاجون إليه من الحنطة وبأسرع وقت.

ذلك نموذج لكيفية امتصاص الطرف الآخر وإبعاده عن التأثير على مركز فعل العمل الستراتيجي بهجوم مقابل غير مباشر مستخدما عناصر فعل القوة المتاحة في زمان ومكان مختارين بشكل مدروس.. وهذا هو الذي يعنينا بشكل خاص ومحدد.. فما جدوى أن تضرب عدوك بسلاح لا يناسب مكانه ولا زمانه فالموقف الذي يحتاج إلى مدفع لا ينبغي ان نستخدم له طائرة وهذا ما نشاهده الآن، حيث يجري تصفية الخصوم السياسيين بالاغتيال عن طريق الطائرات بدون طيار من قبل دول بعد أن عجزت عن توفير عملاء يقومون بالواجب نيابة عنها.

بصرف النظر عن وجهة نظرنا الشاجبة والرافضة الأسلوب البشع، بيد انه نموذج آخر للتحكم بالبدائل حسب الزمان والمكان. وهذا ما ينبغي أن يكون.

 

 

التعليقات معطلة