مفاجأة القراء نفير دونه ألف فضاء

كتب لي بعض الأحبة المتابعين الذين اعتز بهم، من سدني في استراليا، ومن دترويت في اميركا، ومن بعض الدول الاسكندنافية، ومن هبمورك في المانيا، ومن الداخل العراقي المحتقن بالاسماء والعناوين التي لا تبرئ الذمة، والمدانة بحديث: “هلك الرجل اذا كثر خلفه خفق النعل”.

كذلك استغرق احبتي من رواد مجلسي الثقافي في حديث ليس لصالح الأسماء والعناوين الطارئة على فضاءات العراقيين السياسية والاجتماعية والتي يراد لها ان تكون بدائل يزداد الواقع العراقي معها بؤسا، وتتهرأ القيم لتستبدل بموضة اجمل فساتين السهرة وتصفيف الشعر، وزفاف المثليين الذي باركه اوباما وربما نجد في العراق من يباركه ليكون مرجعا ولو على “اللوطية والبريكية والايمو”، وجنوح بعض اصحاب محال الملابس الذين يلاحقون زوجات الشهداء !؟.

مفاجأة القراء لها ما يبررها خاصة اولئك الذين يحبون التحليل العميق والرؤية المعرفية، والموقف المصنع بثقل المفاهيم وصدق الكلمات وخبرة الواقع، وخيار الهجرة والرحيل كطيور ” القطا ” التي قال عنها الشاعر :-

ولولا المزعجات من الليالي

                لما ترك القطا طيب المنام 

أو كحال “البط البري” الذي قال عنه الشاعر الشعبي وقد اجاد الوصف والتعبير:-

بطة وصدتني بين الجرف والماي

                   يلماردتني تكسر جناحي ليش؟

وعلى ذكر الشعر الشعبي، كان الشاعر بدر شاكر السياب يقول:-

” قضيت عمري اريد ان اكتب مثل هذا البيت الشعري الشعبي فلم استطع ” وبيت الشعر الشعبي هو :-

نجمة صبح يهواي واسقط على غطاك

                        وبحجة الحلمان لتلفلف وياك

والعراقيون اصبحوا كـ”القطا ” الذي ترك طيب المنام مرغما بحر الصيف وغياب الكهرباء المتحالف مع غياب المعرفة والعقل عن ادارة العمل السياسي.

والعراقيون اصبحوا كـ”البطّ البري” مكسور الجناح لا يعرف التحليق في فضاءات الحرية، ويفرض عليه الغرق بين الجرف والماء الذي تلوث بكل شيء، مثلما تلوثت السياسة، فولدت المشوهين والخدج ورؤوس طلعها كطلع الشياطين.

عندما تدلهم الخطوب، وتفرض المحاصرة شباكها على من هم في ظهر المعرفة وخيل الفروسية، وفراسة الموقف وغربلة الرجال تصبح النصوص التاريخية الملهمة لامتطاء صهوة الريح عبر سكائكه وطرائقه ما بين السحاب الثقال وصولا الى نجمة الصبح وما بعدها من الفضاءات التي تعترضها الثقوب السود، “مجاهيل دونها مجاهيل سحيقة لا تكشف اسرارها”، “أانتم اشد خلقا ام السماء بناها رفع سمكها فسواها واغطش ليلها واخرج ضحاها” .

وصاحب تلك النصوص التي اخذت سرها معها هو علي بن ابي طالب “ع” حيث قال: “ذهب نقي الثوب قليل العيب” وقال :”اقام السنة وسبق الفتنة”.

وقال: ان عثمان رجل كنت اكثر استعتابه واقل عتابه “والاستعتاب هو الاسترضاء”.

وعندما قيل له: كيف بك اذا غزاكم بنو الاصفر؟

قال: سأكون انا ومعاوية عليه.

ومثلما ستكون المفاجأة حاضرة عند مواجهة مثل هذه النصوص الكريمة، نتيجة عدم الاحاطة والالمام بطبيعة الظرف والموقف، فان المفاجأة كانت حاضرة وبنفس القوة وربما اكثر تجاه بعض النصوص القرآنية مثل “الا ان تتقوا منهم تقاة” فكانت التقية تحمل مفاجأة عدم الفهم لدى البعض مما حولها الى موقف ازرته رؤى وافكار لم تهضم المعنى والمفهوم فأعطت لنفسها ما ليس لها مع وجود الاعلم والراسخ في العلم من اهل الذكر فمهد ذلك للفتنة.

والنص المبارك: “يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب” والمعبر عن “البداء” الذي شكل مفاجأة لمن لم يعط نفسه حق الانتظار لمجيء الجواب من اهل الاختصاص على طريقة “لا تحرك به لسانك”، “واستقم كما امرت”، “واسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون”. والنص المبارك ” ما ننسخ من اية او ننسها نأت بخير منها او مثلها ” وهو النسخ الذي شكل مفاجأة للبعض فوقع الاختلاف الذي لا مبرر له .

وكانت صلاة النبي على الميت من المنافقين مفاجأة لبعض الشخصيات الاسلامية الذي لم يتمالك نفسه: فجر النبي من ثيابه قائلا: “ان الله منعك ان تصلي على هؤلاء، فابتسم النبي “ص” وقال: “ان الله خيرني ولم يمنعني ” استغفرت لهم ام لم تستغفر لهم، لو استغفرت لهم سبعين مرة لن يغفر الله لهم”.

وكانت المفاجأة حاضرة مع النص المبارك “وان تبدوا ما في انفسكم او تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ” فضج البعض طالبين التخفيف، فنزلت الاية ” لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت”.

وكذلك كانت المفاجأة مع النص المبارك “اتقوا الله حق تقاته” فضج البعض وقالوا هذا ما لا نستطيع عليه : لقد كلفنا بالصلاة فصلينا وبالصيام فصمنا وبالحج فحججنا وبالجهاد فجاهدنا، ولكن هذا لا يستطيعه الا اهل البيت، فنزلت الاية “اتقوا الله ما استطعتم”، اما مفاجأة بعض الاحبة القراء من مقولة “مع المالكي بعض السلامة ومع غيره كل الندامة” فمن حقهم علينا التوضيح: فنقول: ان بعض السلامة ليس مدحا وانما تشخيصا لواقع محاط بالالغام وفرزا لمواقف لا يجب ان تختلط فيها الاوراق. والمالكي بلحاظ الذين ناصبوه العداء هو افضل منهم، وبلحاظ الذين ينطون على الكراسي من داخل الدائرة التي هو فيها فهو الافضل.

اما اذا تجردنا من هاتين الدائرتين، فهناك من هو افضل منه، والمؤاخذات على المالكي كثيرة: ادارية واقتصادية وثقافية وسياسية وامنية، وتبقى الحاشية من حوله هي الاكثر ايذاء له وللشعب العراقي. اما كلمة “ومع غيره كل الندامة” يشمل الذين ذكرت اسماؤهم في بعض وسائل الاعلام ، وهو ليس اطلاقا على جميع الغير، فهذا ما لانقول به لان الساحة لو فتشنا مليا فيها لوجدنا مما لانندم عليه ومعه، ولكن الندامة هنا خاصة بمن ذكروا.