ثمة حكمة عربية ترى في (الحكمة عشرة أجزاء،،تسعة منها في الصمت،،والعاشرة في أعتزال الناس) وربما لا نتفق – جملة وتفصيلا- مع نص وفكرة ما تحمله هذه الحكمة،،أذا ما تعاملنا معها كقرض وفرض صالح للممارسة والتطبيق(الحذافيري) في عموم نواحي الحياة،،بيد أنها بحاجة الى(صفنه) وتأمل وأستغراق لفحص معنى الصمت الوارد والمقصود فيها،،فالصمت – في زعم أعتقادي- ليس دائما قوة،بل هو في أحايين كثيرة يجانب الضعف و يحاذي الخنوع المؤدي نحو ذلك الانكفاء المؤدي الى اليأس الذي هو الوجه الآخر للموت .
لا أتذكر أسم الكاتب والأديب العربي الذي قال بما معناه؛ يقضي الانسان سنواته الأولى في تعلم النطق ،،وتقضي الأنظمة العربية بقية عمره في تعليمه الصمت ! لكني أتذكر قطعا بأن شاعر (داغستان حبيبتي/ رسول حمزاتوف) هو من قال : (أحتجت الى سنتين لكي أتعلم الكلام …لكني أحتجت الى ستين عاما لكي أتعلم الاصغاء)،،الاصغاء-أذن- هو من يداني قيمة الصمت في سحر صدى تلك الحكمة التي أبتدأت بها مشوار عمودي(فن الاصغاء) منطلقا بفكرة من يؤمن بوجود نعمتين في الحياة (حب الفن .. وفن الحياة) الفن بمعناه الراقي والحياة بسعة وعمق وجودها الذي يكاد يضيق وينحسر بحدود فصل الفكر عن السلوك الواجب فعله في الحياة السياسية التي تتقاوى وتتلاكم- للآسف- في حلبات صراع الكتل بكل ما تملك وسائل وممكنات وفق مبدأ وصيغ مناطق ردود الفعل وليس اسيجابة لمعنى عمق الحوار وتبادلات الرأي بصيغة اصغاء اطراف النزاع الواحد منهم للآخرواتساع صدر الحكمة لكل ما يجري – الآن،وقبل الآن- منذ عام التغيير حتى عام الجلاء ب(يوم الوفاء) بغية العبور بالعراق نحو شواطىء الأمان،، لقد تأخرنا كثيرا، بفعل غياب الحكمة السياسية والدهاء اللازم في حل النزاعات لا تصعيد متواليات الأزمات على نحو ما يحصل في العراق ،،وبما يتيح للأطراف الخارجية المستفيدة مما يحصل في أن تتوصل بشكل أسرع الى مصالحها وغاياتها بأقل ما يمكن من عناء،، وكم يصدق-هنا- ذلك المثل العالمي الذي يقول: (أذا أتحد القطيع فأن الذئاب تنام جائعة) .
الاصغاء لصوت الفهم المشترك وتوريد الأفكار وسماع الواحد للأخر من أجل مصلحة الجميع هو من سيحدد مسارات ما ينتظر مستقبلنا الذي مازال يراوح في تفسير وتحليل فقرة هنا وأخرى هناك في اتفاقيات موقعة من قبل كل الأطراف،،فيما يستمر الخلاف حد الجفاف،ولا أحد يصغي بروح المسؤولية لما تتركه خلافات الساسة من ظلال كثيفة وأعباء ثقيلة مضاعفة على كاهل الشعب الذي يعد الأيام تلو الأخرى على أصابع اليد،لكي يرى ويحصد ما زرعته أصابعه البنفسجية في قناني حبر الانتخابات قبل أكثر من عامين،الاصغاء لصوت الشعب والشارع ليس فنا بحسب،بل واجب وشرف وانتماء،لمن يعي عمق لغة ذلك الصمت البليغ الهادر المأهول بالاصوات.!