التصنيف: ثقافية

  • كُــن

    ÑÍíã ÒÇíÑ ÇáÚÊÇÈí
    áíÓÊ ßá ÇáßáãÇÊ ÓæÇÁ. ÝÈÚÖåÇ íãÑø ÚÇÈÑðÇ Ýí ÇááÛÉ¡ æÈÚÖåÇ íõäØÞ ÝíÕäÚ ãÚäì ÇáæÌæÏ.
    æãä Èíä ÇáßáãÇÊ ÇáÊí ÊÎÊÕÑ ÝáÓÝÉ ÇáÎáÞ æÇáÍíÇÉ¡ ÊÊÃáÝ ßáãÉ «ßõ仺 ãä ÍÑÝÇä ÞÕíÑÇä Ýí ãÈäÇåãÇ¡ ÚÙíãÇä Ýí ÏáÇáÊåãÇ¡ äÇÝÐÇä Ýí ÃËÑåãÇ¡ ÊÍãá ÓÑø ÇáÅÑÇÏÉ æÇáÞÏÑÉ æÇáÊßæíä.
    Ýí ÇááÛÉ¡ åí ÝÚá ÃãÑ.
    Ýí ÇáÚÞíÏÉ¡ åí ÃãÑñ ßæäíøñ ÊÊÌáøì Èå ÇáÞÏÑÉ ÇáÅáåíÉ ÇáãØáÞÉ.
    æÝí ÇáÃÎáÇÞ æÇáÓíÇÓÉ¡ åí ÏÚæÉ áÃä íßæä ÇáÅäÓÇä Úáì ÞÏÑ ãÓÄæáíÊå¡ áÇ Úáì ÞÏÑ ÔåæÊå.
    áÞÏ ÑÓøÎ ÇáÞÑÂä ÇáßÑíã åÐÇ ÇáãÚäì Ýí Þæáå ÊÚÇáì:
    «ÅöÐóÇ ÞóÖóì ÃóãúÑðÇ ÝóÅöäøóãóÇ íóÞõæáõ áóåõ ßõä Ýóíóßõæäõ»¡
    ÏáÇáÉð Úáì Ãä Çááå ÓÈÍÇäå áÇ íÚÌÒå ÔíÁº ÝÅÐÇ ÃÑÇÏ ÃãÑðÇ ÊÍÞøÞ ãä ÝæÑå.
    ÈåÐÇ ÇáÃãÑ ÎõáÞÊ ÇáÓãÇæÇÊ æÇáÃÑÖ¡ æÈå ÊÌáøÊ ãÚÌÒÇÊ ÇáÎáÞ¡ æãäåÇ ÈÔÇÑÉ ÇáÓíÏÉ ãÑíã ÇáÚÐÑÇÁ ÈæáÇÏÉ ÇáÓíÏ ÇáãÓíÍ¡ ãÇ íÄßÏ Ãä ÇáÞÏÑÉ ÇáÅáåíÉ ÊÊÌáì ÈáÇ ÊÃÎíÑ æáÇ æÓÇÆØ.
    áßä “ßõä” áíÓÊ ÎØÇÈðÇ ááæÌæÏ ÝÞØ¡ Èá åí ÎØÇÈ ááÅäÓÇä ÃíÖðÇ.
    ÝÇáÅäÓÇä ÇáãßÑøã ãØÇáÈ ÈÃä íßæä:
    ÚÏáðÇ áÇ ÙáãðÇ¡
    ÑÍãÉð áÇ Þӿɡ
    äÒÇåÉð áÇ ÝÓÇÏðÇ.
    ÇáÎíÑ åæ ÇáÓÚí áäÝÚ ÇáÂÎÑíä Ïæä ÃäÇäíÉ¡ æÇáÔÑ åæ ÇáÇäÍÑÇÝ ÇáÃÎáÇÞí ÇáÐí íáÍÞ ÇáÖÑÑ ÈÇáãÕÇáÍ æÇáãÔÇÚÑ.
    ÏÝÚ ÇáÔÑ ÈÇáÎíÑ ÞæÉ ÏÇÎáíÉ æÓãæøñ äÝÓí¡ ÈíäãÇ ÇáÅÕÑÇÑ Úáì ÇáÙáã íãËá ÓÞæØðÇ Úä ÇáÝØÑÉ.
    æåäÇ íßãä ÌæåÑ ÇáãÞÇá æÎáÇÕÊå:
    ÈÚÏ ÇáÊÛííÑ ÇáÓíÇÓí Ýí ÇáÚÑÇÞ¡ ÈÑÒÊ ÝÌæÉ åÇÆáÉ Èíä ÇáãÚäì ÇáÃÎáÇÞí áÜ «ßõä» æÈíä ÇáæÇÞÚ ÇáÚãáí ááÓáØÉ.
    ÈÏá Ãä Êßæä ÇáÏæáÉ ÅØÇÑðÇ ááÚÏÇáÉ æÇáãÓÇæÇÉ¡ ÊÍæøáÊ ÈÚÖ ãÝÇÕáåÇ Åáì ÓÇÍÉ ÕÑÇÚ Úáì ÇáäÝæÐ æÇáãßÇÓÈ.
    æÈÏá Ãä íßæä ÇáãÓÄæá ÎÇÏãðÇ ááÔÚÈ¡ ÃÕÈÍ ÇáãäÕÈ æÓíáÉ ááÊÓáØ æÇáÇãÊíÇÒ ÇáÔÎÕí.
    ÔåÏ ÇáÚÑÇÞíæä ÎáÇá ÇáÓäæÇÊ ÇáãÇÖíÉ ÊãÏÏ ÙæÇåÑ ÇáÝÓÇÏ¡ æÊÛáíÈ ÇáãÕÇáÍ ÇáÍÒÈíÉ æÇáÔÎÕíÉ Úáì ÇáãÕáÍÉ ÇáæØäíÉ¡ æÇÓÊÔÑÇÁ ÇáãÍÓæÈíÉ¡ æÊÑÇÌÚ ÇáÎÏãÇÊ ÇáÃÓÇÓíÉ¡ ÑÛã ÇáÅãßÇäÇÊ ÇáãÊÇÍÉ.
    ÊÑÇßãÊ ÇáÃÒãÇÊ¡ æÊÒÇíÏÊ ãÚÇäÇÉ ÇáäÇÓ¡ æÊæÓÚÊ ÇáÝÌæÉ Èíä ÇáÎØÇÈ æÇáããÇÑÓÉ.
    ßËíÑæä ããä ÃãÓᑀ ÈÒãÇã ÇáÞÑÇÑ áã íßæäæÇ Úáì ãÓÊæì «ßõä» ÇáÃÎáÇÞíɺ áã íßæäæÇ ÚÏáðÇ Ííä æÌÈ ÇáÚÏá¡ æáã íßæäæÇ ÃãäÇÁ Ííä æõÖÚÊ ÇáÃãÇäÉ Èíä ÃíÏíåã.
    ÃÎØÑ ãÇ íÕíÈ ÇáÃæØÇä áíÓ ÇáÝÞÑ æÍÏå¡ Èá ÝÞÏÇä ÇáãÚÇííÑ æÇáÞíã.
    Ííä íõßÇÝà ÇáÝÇÓÏ¡ æíõåãøóÔ ÇáäÒíå¡ æíõÓÊÛá ÇáãäÕÈ ááËÑÇÁ¡ íÕÈÍ ÇáÇäåíÇÑ ãÓÃáÉ æÞÊ áÇ ÃßËÑ.
    Åä “ßõä” ßáãÉ ÊÎÊÕÑ ÇáÑÓÇáÉ:
    ßä Úáì ÞÏÑ ÇáãÓÄæáíÉ¡
    ßä ÃãíäðÇ ááÃãÇäÉ¡
    ßä ãäÕÝðÇ ááäÇÓ.
    ÝÇáÅäÓÇä ÇáÕÇáÍ íäÇá ÇáÍÓäì ÈÃÝÚÇáå¡
    æÇáÙÇáã áä íÝáÊ ãä ãíÒÇä ÇáÚÏá¡
    íæã íáÞæä Çááå.
  • حيث قضى الحسين «عليه السلام» وأهل بيته ليلتهم الأخيرة…دار القرآن تحيي محفلها السنوي في المخيم الحسيني

    أحيت دار القرآن الكريم في العتبة الحسينية المقدسة ليلة العاشر من المحرم الحرام محفلًا قرآنيًا احتضنه المخيم الحسيني الشريف.
    وقال مسؤول مركز الإعلام القرآني في دار القرآن الكريم في العتبة الحسينية المقدسة كرار الشمري «دأبت دار القرآن الكريم كل عام على إحياء أيام عاشوراء بإقامة فعاليات قرآنية مستوحاة من مبادئ النهضة الحسينية، إذ أقامت محفلها القرآني ليلة العاشر من المحرم وذلك في المخيم الحسيني حيث قضى الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته هذه الليلة بقراءة القرآن الكريم». 
    و أكّد الشمري أن « إقامة هكذا فعاليات تجسيدًا لهذه الذكرى في المكان والزمان الذي قضى الحسين عليه السلام ليلته الأخيرة بتلاوة القرآن الكريم يعد منطلقًا لبيان معاني الشهادة والتضحية والمبادئ التي قاتل من أجلها الإمام الحسين عليه السلام ؛ للحفاظ على دين جدّه محمد صلى الله وعليه وآله».
    وشهد المحفل الذي كان بعرافة الإعلامي أزهر الشامي حضور حشد كبير من الزائرين ومشاركة نخبة من قراء العتبة الحسينية المقدسة، إذِ استُهل بتلاوة عطرة لآيٍ من الذكر الحكيم تلاها القارئ أسامة الكربلائي، بعدها صدحت حناجر كل من القارئ وائل الكريطي، والقارئ عادل الكربلائي ، ومن ثم مشاركة الشيخ مصطفى الفرطوسي بمجلس عزاء فيما اختتم المحفل بمشاركة عزائية وقراءة زيارة عاشوراء بصوت القارئ السيد هاشم السندي .
    يُذكر أن دار القرآن الكريم في العتبة الحسينية المقدسة تعكف على تنظيم المحفل العاشورائي ليلة العاشر من المحرم في المخيم الحسيني سنويًا.
  • محمد بنيس فلسطينياً

    عبد الرحيم العلام 
    حظي الشاعر المغربي محمد بنيس بعديد من اللقاءات الاحتفائية به وبتجربته الإبداعية، داخل المغرب وخارجه. وقُدّر لي، في الفترة الأخيرة، أن أحضر لمناسبتين احتفاليتين كبيرتين بهذا الشاعر، احتفاء من الجهتين المنظمتين بعطائه الإبداعي والفكري، وتقديرًا لمواقفه تجاه القضايا المصيرية لأمته العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وذلك على مدى عقود زمنية خلت، من الحضور والكتابة والتأليف والتدريس والنشر والمشاركة والسفر والمواقف والوفاء.
    كانت إحدى تلك اللحظات الاحتفالية الكبرى، بمناسبة تكريم الشاعر محمد بنيس من قبل أكاديمية المملكة المغربية، في حفل بهيج أقيم بمقر الأكاديمية بالرباط، في بادرة اعتبارية نبيلة من هذه المؤسسة الوطنية تجاه شاعر مغربي، ساهم، بشكل لافت ومؤثر، في تحديث القصيدة العربية وتجديدها، بكتاباته الشعرية المبدعة، وبأبحاثه الفكرية والنقدية المضيئة، وببياناته الرائدة، وأيضا بكتاباته النثرية العميقة وترجماته الدقيقة والشاعرية، منذ ستينيات القرن الماضي إلى اليوم. وهو الاحتفاء الذي أقيم بمناسبة تخليد اليوم العالمي للشعر، والذي كان بنيس مهندسه الأساس.
    أما اللحظة الاحتفائية الأخرى، فكانت بمناسبة تكريم بنيس، من لدن دولة فلسطين هذه المرة، بالنظر لمكانة هذا الشاعر الاعتبارية عربيًا، وتقديرًا لحضوره الإنساني والرمزي والنضالي والثقافي والإبداعي، فكانت، هي أيضًا، لحظة اعتراف كبيرة ومستحقة من فلسطين الأبية، ومن أعلى سلطة في الدولة، بهذا الشاعر العربي، وبمواقفه الراسخة تجاه قضية فلسطين، قضية الإنسانية الأولى.
    وقد تشرفت بتلقي دعوة من سفارة دولة فلسطين بالرباط، للمشاركة في هذا الحفل الكبير، فقدمت خلاله شهادة في حق الصديق الشاعر محمد بنيس، حاولت فيها إبراز معنى أن تكرمك فلسطين وتحتفي بك في بلدك، هذه الفلسطين التي عودتنا دائمًا على أن تختزل فيها العالم كله، بمثل ما تختزل التاريخ والذاكرة والوجدان والأسطورة ورمزية الأشياء… وفلسطين، إذ تكرم بنيس، فهي، في الأصل، إنما تكرم أفقًا إنسانيًا وإبداعيًا وجماليًا ونضاليًا وأكاديميًا رحبًا وصافيًا وصادقًا، وطافحًا بالكثير من المعاني والدلالات؛ أفقًا سيظل ممتدًا فينا جميعًا، قد لا تسعفنا العبارة دائما للتعبير عنه؛ إذ ما فتئنا نمتلئ به، بمثل ما تغمرنا كتابات محمد بنيس وأشعاره وأبحاثه ومواقفه ومقالاته وبياناته، بالدهشة والجرأة والجدة والرقة والأناقة والعذوبة والحب والبلاغة والصدق والصفاء والحكمة والكياسة، من منطلق أن شاعرنا ظل وفيًا للمبادئ وللقيم الإنسانية الرفيعة التي تربى عليها، وآمن بها، وظل مدافعًا عنها إلى اليوم، بمثل وفائه الاستثنائي لهذه الفلسطين الأبية، بكل ما يحمل هذا الوفاء من شحنة قيمية وأبعاد إنسانية ورمزية ممتدة فينا، وغير محدودة في الزمن، وقد صارت فلسطين وطننا الجماعي، على حد تعبير شاعرنا.
    ولا غرابة في ذلك، ما دام الوفاء لفلسطين متأصلًا في شخصية شاعرنا ومترسخًا فيه منذ يفاعته، وليس أمرًا طارئًا عنده، أو مرتبطًا بسياق متغيرات عابرة، هو المولود في عام النكبة، عام «الزلزال الذي لم يسكن بعد» على حد تعبيره، فظلت فلسطين، يقول شاعرنا، هي الحضن العربي الذي وضعت رأسي فيه وأنا مراهق.
    فأن يكرَم الشاعر محمد بنيس من قبل فلسطين، في سياق الاحتفاء باليوم العالمي للشعر، معناه أن روح شاعرنا تتواجد باستمرار في صلب المصادفات الكونية الجميلة. ففلسطين الشامخة وهي تنبت في تل الربيع، إذ تحتفي بشاعرنا، فهي إنما تحيي من وهب الشعر يومه الكوني، وشيد له «بيته الشعري» الرمزي، وغرس «أركانته» المثمرة.
    وفلسطين، من خلال احتفائها بشاعرنا، عبر توشيحه بواحد من أرفع الأوسمة الفلسطينية (وسام الثقافة والإبداع والفنون)، إنما تريد أن تشكر بنيس بطريقتها الخاصة، على كونه انتصر دائمًا للشعر، بمثل ما انتصر لقضيتها الكونية، فحملها معه أينما حل وارتحل، ولتشكره، أيضًا، على كونه ظل دائمًا ولا يزال حاضنًا للأفق الثقافي والإبداعي الفلسطيني، وعلى أنه آوى «درويشًا» في المحمدية، حتى يتفرغ لكتابة ملحمته الخالدة عن الوطن، هو الذي خلق صوتًا موازيًا لمجلة «الكرمل» هناك في أرض «الأقصى»، فكانت مجلة «الكرمل» هناك، صوتًا آخر للأقصى هنا، فحين منعت «الثقافة الجديدة»، هنا، في المغرب، انبرت «الكرمل» لتحتضن ملفًا عن «الثقافة المغربية»، كان من المفروض أن ينشر في مجلة «الثقافة الجديدة»، قبل أن تطالها يد المنع. استضاف الشاعر محمود درويش ذلك الملف في مجلته، مقدّمًا بذلك الحجة على أن المقاومة الحقيقية لا تتم على جبهة واحدة، بل على عدة جبهات، يقول بنيس، فـ»كانت «الكرمل» من جهتها تجد في هذه الإبداعات والكتابات المغربية جانبًا من شخصيتها التي تبحث عنها، ووجهًا من الثقافة التي نريد لها أن تصبح متداولة في الحياة الثقافية الفلسطينية، بل وفي الحياة الثقافية العربية عمومًا»، كما يضيف بنيس.
    ولم يتوقف الترحيب الفلسطيني به عند هذا الحد، حيث إن «مجلة الشعراء» الفلسطينية، كانت، بدورها، قد خصصت ملفًا لشاعرنا، في أكثر من 500 صفحة، احتفاء به صوتًا للشعراء المغاربة. وفي الطرف المقابل للاحتفاء، ما فتئ محمد بنيس يواصل دائمًا حضوره الثقافي والرمزي، في جميع الضرورات المستعجلة والمناسبات المتاحة عن فلسطين، في كتب جماعية وفي منابر ثقافية، ويكفي أن نذكر، هنا، بعضها فقط، من قبيل كتاب «فلسطين ذاكرة مغربية»، من إصدار وزارة الثقافة المغربية، ومجلة «الدراسات الفلسطينية»، في ملف عن «فلسطين في مرايا الثقافة العربية».
    وفلسطين اليوم، إذ تبادل شاعرنا المحبة بالمحبة، فلأن أفقه الإنساني الرحب ظل كونيًا وصادقًا، وفي صلبه ظلت فلسطين شامخة ومتوهجة ومتلألئة، بمثل ما ظل شاعرنا مدافعا عن شموخها بكل حرص ومسؤولية ورغبة واستماتة، أليس هو من قال: «كنا شعراء نقف لأجل فلسطين، لا نعبأ بما يمكن أن يقودنا إليه وقوفنا»، ليواصل طرح الأسئلة، لتتسع وتشمل الشعر والثقافة والفكر والحداثة والحرية والديموقراطية، ولتنفتح على النقد والمغامرة، فظل شاعرنا، من خلال ذلك كله، منتصرًا للحداثة في اللغة وفي الشعر والثقافة والحياة في مجتمعاته العربية، وفي كتاباته وحواراته المضيئة، كما في فوضاه الجميلة واحتمالاته الكثيرة، بعيدًا عن أي تبعية سياسية فجة، بمثل ما ظل مدافعًا عن النبوغ المغربي بكل استماتة، بعيدًا عن أي انتهازية مقيتة.
    وفي الطرف الآخر للفرح، عودتنا فلسطين على كرمها، وعلى امتدادها الأبدي في وجداننا، فهي الأم التي عودتنا دائمًا على أن تحتضن أبناءها، هنا أو هناك، في حياتهم وحضورهم ووفائهم، وفي تمثلهم النضالي لقضايا الوطن والتاريخ والذاكرة والأرض والحرية والحلم والصراع والوجود.
    ويبقى محمد بنيس، في هذا الباب، في طليعة الكتاب والمثقفين المغاربة الذين اهتموا بفلسطين، وذلك منذ يقظة وعيه السياسي أثناء فترة الشباب، ونشاطه الطلابي في الجامعة، وبعيد هزيمة 1967، حيث أصبحت فلسطين حاضرة في حياته وفي أفقه العربي، وأيضًا من منطلق وفاء خاص لفلسطين ولأصدقائه الفلسطينيين، في أشعاره ومقالاته ونثرياته ومواقفه المشرفة، المناهضة للاستيطان، وللهجرات اليهودية إلى فلسطين، وللتطبيع، ولصفقة القرن، ولتدشين مقر السفارة الأميركية في القدس، ولغيرها من التحولات العاصفة التي عرفتها القضية الفلسطينية، على مدى تاريخها وصراعاتها من أجل التحرر والحرية.
    لجأ شاعرنا إلى جمع الكثير مما كتبه هو وغيره عن فلسطين، في كتاب بعنوان «فلسطين: ذاكرة المقاومات»  
    وداخل هذا الأفق الإنساني والرمزي والثقافي الممتد في محمد بنيس وفينا جميعًا، فقد لجأ شاعرنا إلى جمع الكثير مما كتبه هو وغيره عن فلسطين، في كتاب بعنوان «فلسطين: ذاكرة المقاومات» (في 424 صفحة من القطع الكبير، 2021)، والصادر في صيغة «تأليف متعدد»، إثر الإعلان عن «صفقة القرن»، في كونها «الفصل المؤدي إلى المتاه في برد عزلة عربية ودولية»، يقول محمد بنيس، وأيضًا إثر ما تواجهه فلسطين من محو لذاكرتها ولاسمها من اللغات، بما فيها اللغة العربية، وهو ما جعل محمد بنيس يشرك نصوصًا أخرى في هذا الكتاب، الذي أهداه إلى صديقه القديم عبد الكبير الخطيبي، هذا المفكر المغربي الذي كان له تأثير كبير على بنيس، منذ 1970، لما كان طالبًا في كلية الآداب بفاس؛ إذ حصل أن زار محمد بنيس الخطيبي بالرباط بدعوة منه، وكانت فلسطين مدار حديثهما، حيث طلب الخطيبي، الذي كان يتهيأ لتأليف كتاب «الوعي الشقي الصهيوني»، من الشاعر الشاب أن يمده بوثائق فلسطينية… فجاء إهداء الكتاب لعبد الكبير الخطيبي.
    ونصوص هذا الكتاب منسوبة لأدباء ومفكرين وعلماء ومؤرخين وفنانين، فضلًا عن نصوصه هو، التي تمتد على أزيد من أربعين سنة، وكلها مساهمات قام محمد بنيس بجمعها وانتقاء مقاطعها ونصوصها التي يفرضها سياق الكتاب، من مؤلفات عديدة، قديمة لجغرافيين ومؤرخين، من قبيل: ياقوت الحموي، وابن حوقل وابن خلدون، وحديثة لمبدعين ومفكرين كثر، من المغاربة: عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي وإدمون المليح، ومن بعض البلدان العربية: غسان كنفاني ومحمود درويش وإميل حبيبي وإدوار سعيد ووليد الخالدي وإلياس صنبر وهشام شرابي ومريد البرغوثي ومعين بسيسو، والأجنبية: فرويد وبرنار نويل وجان جينيه وأنجيلا ديفيز ومكسيم رودنسون وجيل دولوز ونعوم تشومسكي، وغيرهم، ممن «لهم مكانتهم الاستثنائية في الدفاع عن رؤية منفتحة وعادلة للحق الفلسطيني»، جعلهم بنيس جميعًا، في كتابه، يطلون  على فلسطين وعلى الشعب الفلسطيني، في «ليل الدعاية الصهيونية المتوارثة»، في مساهمة منه لأن تبقى ذاكرة فلسطين حاضرة، في الذاكرة الثقافية المتعددة، وذلك من منطلق أن دعم القضية الفلسطينية ومناصرتها، في نظر شاعرنا، «ظلا محصورين في الجوانب السياسية والمادية والمقاومة المسلحة، سابقًا»، وهو ما يستلزم، في نظره، «تنبيه كل من يناصرون فلسطين، اليوم، إلى أن البعد الثقافي للمقاومة سيدعم الرؤية النقدية إلى الصهيونية وسياسة إسرائيل التوسعية والتطهير العرقي للأرض الفلسطينية…».
    ففي كتابات بنيس الشعرية، كما في مقالاته وحواراته، تحضر فلسطين، باعتبارها إحدى كبريات المآسي الإنسانية في القرن العشرين، وأيضًا باعتبارها، يقول شاعرنا، قضية شعب عربي يتعرض للتطهير العرقي، ويواصل رغم ذلك مقاومته، غير متنازل عن حقه في الوجود، متمسكًا بالحرية والاستقلال، فكانت أول قصيدة كتبها محمد بنيس عن فلسطين بعنوان «موسم الصفات»، في أواسط سبعينيات القرن الماضي، لتتوالى بعدها كتاباته الشعرية والنثرية عن فلسطين، ومشاركاته في اللقاءات التضامنية معها، وتزايدت مواقفه المدافعة عن حقها في الأرض والحياة والوجود، واتسعت علاقاته وصداقاته مع كتابها ومفكريها وفنانيها ومنابرها الثقافية… فظل بذلك محمد بنيس دائمًا حاضرًا في صلب القضية الفلسطينية، مدافعًا عنها، ومنبهًا غيره إلى تطورها، وإلى تراجعها المخيف على صعيد الاهتمامات العربية بها.ولم تتوقف اهتمامات محمد بنيس بالقضية الفلسطينية عند هذا الحد، بل نجده يواصل الكتابة عنها، سواء ضمن مشاريع شعرية ذاتية أو مشتركة، بما في ذلك ترجمته لنصوص لصديقه الشاعر برنار نويل، نشرها في كتاب بعنوان «الموجز في الإهانة»، وغيرها من مقالات بنيس التحليلية عن القضية الفلسطينية، واستعاداته النوستالجية لفلسطين الذاكرة والمكان والمستقبل، فضلًا عن مواصلته الحوار مع الطلبة الفلسطينيين، ممن يشتغلون في حقل الشعر الفلسطيني، إلى جانب تعاونه مع أصدقاء مغاربة مناضلين على تأسيس جمعية المقاطعة الأكاديمية والثقافية والفنية والرياضية لإسرائيل، وغيرها من أشكال الاهتمام بفلسطين، والتي يقبل عليها بنيس «بدون بطولة أو مساحة ورد» كما يقول.
  • «الطير المسافر» فيلم تسجيلي عن حياة الموسيقار بليغ حمدي

    äÖÇá ÞæÔÍÉ
    æÈÚÊäÇ.. ãÚ ÇáØíÑ ÇáãÓÇÝÑ ÌæÇÈ.. æÚÊÇÈ
    æÊÑÇÈ ãä ÃÑÖ ÃÌÏÇÏí æÒåÑÉ ãä ÇáæÇÏí
    íãßä íÝÊßÑ Çááí åÇÌÑ
    Åä áå Ýí ÈáÇÏå ÃÍÈÇÈ
    ßËíÑÇ ãÇ ÊÛäí Ãåá ãÕÑ ÈåÐå ÇáÃÛäíÉ ÇáÊí áÍäåÇ ÈáíÛ ÍãÏí æÞÏãÊåÇ äÌÇÉ ÇáÕÛíÑÉ¡ æåí ÊÎÇØÈ ãä ÇÈÊÚÏ ÈÓÝÑ ÎÇÑÌ ÇáæØä. ßÇäÊ ÇáÃÛäíÉ ÈÔÌäåÇ äÈÖÇ íÚíÔ Ýí ÞáÈ ßá ãÛÊÑÈ íÑÍá Úä ÃÑÖ ÇáæØä¡ æßÃä ÍÇá ãäÊÌí Ýíáã “ÇáØíÑ ÇáãÓÇÝÑ” íÄßÏæä áÑæÍ ÇáÝäÇä ÈáíÛ ÍãÏí ÈÚÏ ÓäæÇÊ ØæíáÉ ãä ÑÍíáå ÈÃä áå Ýí ÈáÇÏå ÃÍÈÇÈÇ.
    ãæÓíÞì ÈáíÛ ÍãÏí¡ ÊÓßä æÌÏÇä ÇáÔÚÈ ÇáãÕÑí æÇáÚÑÈí¡ æåæ ÚäÏå ãÈÏÚ ÇÑÊÈØ Ýäå ÈÃÑÖ ãÕÑ æÔÚÈåÇ Èßá ÊÝÕíáÇÊ ÇáÍíÇÉ. íÊÝÑÏ ÈÃäå ÞÏã ãæÓíÞÇå áßá ãÔÇåíÑ ÇáÛäÇÁ ÇáÚÑÈí æáíÓ ÇáãÕÑí ÝÍÓÈ¡ Ûäì ãä ÃáÍÇäå ãØÑÈæä ÈÏÁÇ ãä Ãã ßáËæã ÑãÒ ÇáÛäÇÁ ÇáÚÑÈí¡ æÃÍãÏ ÚÏæíÉ ÑãÒ ÇáÛäÇÁ ÇáÔÚÈí¡ æãÇ ÈíäåãÇ Ûäì áå æÏíÚ ÇáÕÇÝí æÝÑíÏ ÇáÃØÑÔ æÝÇíÒÉ ÃÍãÏ ææÑÏÉ ÇáÌÒÇÆÑíÉ æÔÇÏíÉ æÚÈÏÇáÍáíã ÍÇÝÙ æãÍãÏ ÑÔÏí æãíÇÏÉ ÇáÍäÇæí æÚÒíÒÉ ÌáÇá æÓãíÑÉ ÓÚíÏ æÌæÑÌ æÓæÝ æÚÝÇÝ ÑÇÖí æÚáí ÇáÍÌÇÑ æÝí ÇáÅäÔÇÏ ÇáÏíäí ÓíÏ ÇáäÞÔÈäÏí æÛíÑåã.
    æáÞÏ Ôßá æÌæÏ ÇáãæÓíÞÇÑ ÈáíÛ ÍãÏí ãäÚØÝÇ ÎÇÕÇ Ýí ÊÇÑíÎ ÇáãæÓíÞì Ýí ãÕÑ æÇáæØä ÇáÚÑÈí¡ æÃÌãÚ ßá ãæÓíÞíí ÇáÚÕÑ Úáì Ãäå ÃÍÏË ËæÑÉ ãæÓíÞíÉ ÎÇÕÉ ÓÇåãÊ Ýí ÊÑÓíÎ ÇáÐÇÆÞÉ ÇáãæÓíÞíÉ áßá ÇáÚÑÈ ææÓãåÇ ÈÍÇáÉ ÎÇÕÉ ÇÓãåÇ ÈáíÛ ÍãÏí.
    ÈáíÛ æÇáÓíäãÇ 
    åæ ÇáÐí äÔà Ýí ãäØÞÉ ÔÈÑÇ Ýí ÇáÞÇåÑÉ¡ ÇáÊí ÌãÚÊ ßá ÃØíÇÝ ÇáãÌÊãÚ ÇáãÕÑí¡ ÕäÚ ãÌÏÇ ãæÓíÞíÇ ÑÇÓÎÇ¡ æÊÚÇãá ãÚ ÇáÊÑÇË ÈÎÈÑÉ ÇáÚÇÑÝ ÝÊãßä ãä ÅÍíÇÁ ÇáÚÏíÏ ãä ÃÛÇäí ÇáãæÑË ÇáÔÚÈí ÈÔßá ÚÕÑí ãÎÊáÝ æÌÇÐÈ. æÃËäì Úáíå ÚÙãÇÁ Ãåá ÇáÝä Ýí ãÕÑ. ÝÞÏ ÞÇá Úäå ÇáÔÇÚÑ ãÃãæä ÇáÔäÇæí Åäå “Ããá ãÕÑ Ýí ÇáãæÓíÞ씡 ÈíäãÇ ÞÇá Úäå ÇáãæÓíÞÇÑ ãÍãÏ ÝæÒí Åäå “íÞÏã ÃáÍÇäÇ ÓÊÚíÔ ÓÊíä ÚÇãÇ ááÃãÇ㔡 ÃãÇ ãÍãÏ ÚÈÏÇáæåÇÈ ÝÞÇá Åäå “ÏÇÆãÇ ãÇ íÏäÏä ÃáÍÇäå Èíäå æÈíä äÝÓå”. æãÇ ÌÚá ãä ÇÓã ÈáíÛ ÍãÏí ÞÇãÉ ÝäíÉ ÚãáÇÞÉ ÊåÊã ÈåÇ ØÇÞÇÊ ÅÈÏÇÚíÉ ãÕÑíÉ ÎáÇÞÉ¡ ßÇä ãäåÇ ÝÑíÞ ÇáÚãá ÇáÐí ÃæÌÏ ãÔÑæÚ Ýíáã “ÇáØíÑ ÇáãÓÇÝÑ” ÇáÐí ÃäÊÌ Úäå æÓíÚÑÖ ÞÑíÈÇ Ýí ÇáÞÇåÑÉ.
    ÙåÑ ÈáíÛ ÍãÏí Ýí ÇáÓíäãÇ ãÈßÑÇ ãä ÎáÇá ãÔÇÑßÊå Ýí Ýíáã “ÇáæÓÇÏÉ ÇáÎÇáíÉ” Ýí ÚÇã 1957¡ æßÇä ãä ÈØæáÉ ÚÈÏÇáÍáíã ÍÇÝÙ æÞÏã Ýíå ÃÛäíÉ “ÊÎæäæå” ãä ÒÌá ÅÓãÇÚíá ÇáÍÈÑæß æÇáÊí ÊãíÒÊ ÈØÑæÍÇÊ áÍäíÉ ÌÏíÏÉ¡ Ëã ÊÊÇáÊ ÇáÃÚãÇá ÇáÓíäãÇÆíÉ ÇáÊí ÞÏãåÇ Úáì ãÓÇÑ ÓäæÇÊ ØæÇá ãäåÇ: “áä ÃÚæÏ” Ëã Ýíáã “ÃÍáÇã ÇáÈäÇÊ”¡ ßãÇ ÞÏã ÇáãæÓíÞì ÇáÊÕæíÑíÉ Ýí ÇáÓíäãÇ æßÇäÊ ÇáÈÏÇíÉ ãÚ Ýíáã “Ýí áÈäÇä” ááãØÑÈÉ ÕÈÇÍ æÍãá ÇÓã ßÑã Çáåæì Ýí ÚÇã 1967 ÊÈÚå Ýíáã “ÔíÁ ãä ÇáÎæÝ” áíÊÇÈÚ ÇáÚãá ãÚ ÕÈÇÍ æíÞÏã áåÇ ÃÛÇäí Ýíáã “ßÇäÊ ÃíÇã” æÛäÊ Ýíå “ÚÇÔÞÉ æÛáÈÇäÉ” æ”íÇäÇ íÇäÇ”. ßãÇ ÞÏã ÃÝáÇãÇ ÔåíÑÉ ãËá “äÇÑ ÇáÔæÞ” æ”ÎãÓÉ ÔÇÑÚ ÇáÍÈÇíÈ” æ”ÇáÃÈÑíÇÁ” æ”ÃÖæÇÁ ÇáãÏíäÉ” æ”ÚäÏãÇ íÛäí ÇáÍÈ” æ”ÏäíÇ” æÇáÝíáã ÇáÍÑÈí “ÃÈäÇÁ ÇáÕãÊ” æÇáÝíáã ÇáÔåíÑ áíæÓÝ ÔÇåíä “ÚæÏÉ ÇáÇÈä ÇáÖÇáø” æßÇä Ýíáã “äæÑ ÇáÚíæä” ÂÎÑ ãÔÇÑßÇÊå ÈÕÝÊå ãáÍäÇ Ýí ÇáÓíäãÇ.
    æÝí ÏÑÇãÇ ÇáÊáÝÒíæä ÞÏã ÈáíÛ ÍãÏí ãÓáÓáÇ ÞÏíãÇ Íãá ÇÓã “ÇáæÇÏí ÇáßÈíÑ” Ýí ÚÇã 1974 áÍä Ýíå ÃÛÇäí æÑÏÉ ÇáÌÒÇÆÑíÉ ÇáÊí ÔÇÑßåÇ ÇáÛäÇÁ Ýíå ÇáãØÑÈ ÇáÑÇÍá ÕÈÇÍ ÝÎÑí¡ ßãÇ ÞÏã ãÞÏãÉ ÇáãÓáÓá ÇáÔåíÑ ÈæÇÈÉ ÇáÍáæÇäí ÇáÊí ÛäÇåÇ Úáí ÇáÍÌÇÑ¡ æÞÏã Ýí ÇáãÓÑÍ æÇáÅÐÇÚÉ ÚÔÑÇÊ ÇáÃÚãÇá ãäåÇ ãÓÑÍíÉ ÑíøÇ æÓßíäÉ áÔÇÏíÉ æÓåíÑ ÇáÈÇÈáí.
    æíÃÊí “ÇáØíÑ ÇáãÓÇÝÑ” ÝíáãÇ ÊÓÌíáíÇ íÔÇÑß Ýíå ÈáíÛ ÍãÏí – ÇáÛÇÆÈ ÇáÍÇÖÑ- ÈÃÌæÇÁ ÍíÇÊå æÅÈÏÇÚå¡ íÔÇÑßå Ýíå ÚÝÇÝ ÑÇÖí æÚáí ÇáÍÌÇÑ¡ æÊã ÊÕæíÑå Ýí ÚÏÉ ÃãÇßä ßÇä íÑÊÇÏåÇ ÇáãæÓíÞÇÑ æßÐáß ÈÚÖ ÇáãÑÇßÒ ÇáÏÑÇÓíÉ ÇáÊí ÊÚáã ÝíåÇ.
    ÇáÝíáã ÓíÚÑÖ ÞÑíÈÇ Ýí ÇáÞÇåÑÉ æåæ ãä ÅäÊÇÌ ÇáãÑßÒ ÇáÞæãí ááÓíäãÇ Ýí ãÕÑ¡ ßÊÈÊå ÇáäÇÞÏÉ ÝÇíÒÉ åäÏÇæí æÃÎÑÌå ÍÓíä ÈßÑ¡ ßãÇ ÔÇÑß Ýíå ãåäÏÓ ÇáÏíᑥ ÔÇÏí ÇáÚäÇäí æãÓÇÚÏ ÇáãÎÑÌ ãÍãÏ ÍÓíä æßÇãíÑÇãÇä ãÇÑãíäÇ ÔáÈí æãÏíÑÉ ÅäÊÇÌ ãäíÑÉ Ýåíã æãäÊÌ ãäÝÐ ãÌÏí ÇáÔÍÑí æãäÝÐ ÅäÊÇÌ ÚÇÕã ÓÚíÏ æãåäÏÓ ÕæÊ ÅÈÑÇåíã ÚÈÏÇáÚÒíÒ æÎÇáÏ ãÍãÏ ÅÈÑÇåíã.
    ÇáÌÏíÏ Ýí Ýíáã ÇáØíÑ ÇáãÓÇÝÑ Ãäå Úä ÈáíÛ ÍãÏí æáíÓ áå¡ Êã ÊÏÇæá ÝßÑÉ ÅäÌÇÒå ÞÈá ÃÚæÇã¡ æÞÏ ÊÑÌãÊ åÐå ÇáÝßÑÉ Åáì ÇáÊäÝíÐ ÇáäÇÞÏÉ ÇáÓíäãÇÆíÉ ÇáãÕÑíÉ ÝÇíÒÉ åäÏæÇí¡ ÝßÊÈÊ ÓíäÇÑíæ ÇáÝíáã æÈÏÃÊ ÑÍáÉ ÊÃãíä ãäÊÌ áå¡ æÞÏ æÇÌå ÇáÝíáã ÚËÑÇÊ ÅäÊÇÌíÉ ÍÊì ÊÈáæÑÊ ÝÑÕÉ ÅäÊÇÌå ÚÈÑ ÌåÉ ÍßæãíÉ ãÕÑíÉ åí ÇáãÑßÒ ÇáÞæãí ááÓíäãÇ¡ æÞÇã ÈÅÎÑÇÌ ÇáÝíáã ÍÓíä ÈßÑ.
    íäÊãí ÈáíÛ ÍãÏí Åáì ÚæÇáã ÅÈÏÇÚíÉ ãÎÊáÝÉ¡ ÓÇåãÊ Ýí Êßæíä ãÎÒæäå ÇáÝäí ÇáÐí ÞÏãå Ýí ãæÓíÞÇå¡ ÎÇÕÉ ÝíãÇ íÊÚáÞ ÈÇáÊÑÇË æÇáÊÌÏíÏ ÇáÐí ÞÏãå¡ ÊÊÍÏË ÝÇíÒÉ åäÏæÇí ãÄáÝÉ ÇáÝíáã áÜ”ÇáÚÑÈ” Úä ãÔÑæÚåÇ “ÑßÒ ÇáÝíáã Úáì ÊÚÇãá ÈáíÛ ÍãÏí ãÚ ÇáÊÑÇË ßæäå ãä Ãåã ÇáãáÍäíä ÇáÐíä ÊÚÇãáæÇ ãÚ ÇáÊÑÇË Ýí ãÕÑ¡ æÕÇÛå ÈÔßá ÌÏíÏ íäÇÓÈ Ãí ãÛäø Ãæ ãØÑÈ ÞÏãå. ÝãÇ ÞÏãå áãÍãÏ ÑÔÏí íÎÊáÝ ÚãÇ ÞÏãå áÚÈÏÇáÍáíã ÍÇÝÙ”.
    æÚä ÇáãÍØÇÊ ÇáåÇãÉ Ýí ãÓíÑÉ ÈáíÛ ÍãÏí ÊÊÇÈÚ åäÏÇæí “ÓíæËÞ ÇáÝíáã ÇáãÍØÇÊ ÇáåÇãÉ Ýí ÊÇÑíÎ ÇáãæÓíÞÇÑ ÇáÝäí ãäÐ ÇáÈÏÇíÇÊ ãÚ ÝÇíÏÉ ßÇãá æÚÈÏÇáÍáíã Ëã ãÑÍáÉ Ãã ßáËæã¡ æåí ÇáÊí æÖÚÊå Úáì ãäÕÉ ÇáßÈÇÑ æÚÑÝÊ Èå áÏì ÇáÌãåæÑ ÈÔßá ÃæÓÚ¡ ßãÇ ÃäåÇ ßÇäÊ ãÑÍáÉ åÇãÉ áÃã ßáËæã¡ ßæäåÇ ÏÎáÊ ÈåÇ ÚÇáã ÇáÔÈÇÈ æÇáÃÌæÇÁ ÇáÌÏíÏÉ ãä ÎáÇá ÃáÍÇäå¡ æãä Ëã ãÑÍáÉ ÚÈÏÇáÍáíã ÍÇÝÙ æÔÑÇßÊå ÇáØæíáÉ ãÚå. æÓíÙåÑ Ýí ÇáÝíáã ãÊÎÕÕæä íÞÏãæä ÊÍáíáÇÊ ãæÓíÞíÉ Úä ÇáÃÚãÇá ÇáÊí ÞÏãåÇ ÈáíÛ ÍãÏí¡ æÓíßæä ÇáÊÍáíá ãÈÓØÇ áßí íÝåãå ÇáäÇÓ æáä äÐåÈ Ýíå Åáì áÛÉ ÇáãÕØáÍÇÊ ÇáãæÓíÞíÉ ÇáÚãíÞÉ ÇáÊí áä íÚÑÝåÇ ÇáÌãåæÑ ÇáÚÇÏí¡ ÝåÏÝäÇ ÊÚÑíÝ ÇáäÇÓ ÈåÐå ÇáÞÇãÉ ÇáßÈíÑÉ”.
    ÊÞæá åäÏæÇí Ýí Ðáß “ÈáíÛ ÍãÏí ÇßÊÔÝ ÇáßËíÑ ãä ÇáÝäÇäíä æÏÚãåã¡ ãäåã ÚÝÇÝ ÑÇÖí æÚáí ÇáÍÌÇÑ æáåãÇ ÚäÏå ãßÇäÉ ÎÇÕÉ¡ æåãÇ ãÔÇÑßÇä ãÚäÇ Ýí ÇáÝíáã. ÚÝÇÝ ÑÇÖí ßÇäÊ ÊÛäí ÈÔßá ÃæÈÑÇáí æÈÚÖ ÇáãáÍäíä ÞÇáæÇ Åä ÕæÊåÇ áÇ íÕáÍ ááÛäÇÁ ÇáÔÑÞí¡ áßä ÈáíÛ ØæÚ ÕæÊåÇ æÇÓÊØÇÚ Èå ÊÞÏíã ÇáÃáÍÇä ÇáÔÑÞíÉ¡ æÈÚÏå áã íÚÑÝ ÃÍÏ ßíÝ íæÙÝ åÐÇ ÇáÕæÊ ááÛäÇÁ ÇáÔÑÞí. ßÐáß ÇáÃãÑ ãÚ ÇáÝäÇä Úáí ÇáÍÌÇÑ ÇáÐí ÊÇÈÚå Ýí ÈÑäÇãÌ ÇáãæÓíÞì ÇáÚÑÈíÉ Ýí ÇáÊáÝÒíæä¡ ÝÃÚÌÈ ÈãæåÈÊå æÈÏà ÈÊÏÑíÈå æÊÇÈÚå Ýí ÇáÊÓÌíá ÇáÅÐÇÚí æÞÏãå Ýí ÇáÍÝáÇÊ æåæ ÇáÐí ÕäÚ ÍÇáÉ Úáí ÇáÍÌÇÑ”.
    æíÚÑÝ Úä ÈíáÛ ÍãÏí Ãäå ÚÇÔ ÍíÇÉ ÔÎÕíÉ ÔÏíÏÉ ÇáÎÕæÕíÉ¡ ÝßÇä ÔÎÕÇ ÚÕíÇ Úáì ÇáÊÃÞáã ãÚ Ãí ÙÑÝ¡ íÚíÔ ÍíÇÊå ÈÔßá ÛíÑ ãäÙã Êãáà æÞÊå ÍÇáÉ ÇáÓåÑ æÇáÓÝÑ æÇáÊÝÑÛ ÇáÊÇã ááÚãá.
    æÚä ãÕÇÚÈ ÊæËíÞ åÐå ÇáÍÇáÉ Ýí ÝíáãåÇ ÊÞæá åäÏÇæí “áã ÊÔßá ÍÇáÊå ÇáÔÎÕíÉ ÕÚæÈÉ áí¡ ßæä ÇáÝíáã ÊÓÌíáíÇ æáíÓ ÑæÇÆíÇ. ÝÇáÝíáã ÇáÊÓÌíáí íÚÊãÏ Úáì ÇáÊæËíÞ¡ æäÍä ÃÊíäÇ ÈÃÔÎÇÕ ÚÇÕÑæå áíÞÏãæÇ ãÚáæãÇÊ íÚÑÝæäåÇ Úä Ýäå æØÈÇÚå¡ ãäåÇ ÇáÚíæÈ ÇáãÒÇÌíÉ ÇáÊí ßÇä íÚÑÝ ÈåÇ¡ äÍä äÄÑÎ æäæËÞ áÔÎÕíÉ åÇãÉ¡ æßÇä áÒÇãÇ ÚáíäÇ ÇáÊÃßÏ ãä åÐå ÇáãÚáæãÇÊ¡ áÐáß ÞÏãäÇ ÔÎÕíÇÊ ÚÇÕÑÊå ÃæÑÏÊ ÔåÇÏÇÊ ÈÔßá ãÍÇíÏ¡ ßá ÇáÃÔÎÇÕ ÇáÐíä ÓíÙåÑæä Ýí ÇáÝíáã ÚÇÕÑæå æÚÑÝæÇ ÇáãÚáæãÇÊ ÈÃäÝÓåã æáã ÊäÞá áåã æãä åäÇ ÊÃÊí ÃåãíÉ ÇáÝíáã”.
    ÅäÊÇÌ Íßæãí
    ÈÏÃÊ ÑÍáÉ ÅäÊÇÌ ÇáÝíáã ÞÈá ÓäæÇÊ¡ ÍíË ÊÞæá ÝÇíÒÉ åäÏÇæí “ÈÏà ÇáÊÍÖíÑ ááÝíáã ãäÐ ÚÇã 2019 ÚäÏãÇ ÞÏã Ýíáã “ÃãíÑ ÇáÈåÌÉ” Úä ãÍãÏ ÝæÒí æÇáÐí ÃÎÑÌå ÍÓíä ÇáÈßÑ¡ æØÑÍÊ ÇáÝßÑÉ ãä æÞÊåÇ ßæäí ÃÚÊÈÑ ÈáíÛ ÍãÏí ÇáãáÍä ÇáãÝÖá ÚäÏí æÇáÐí ÃÑì Ãäå áã íÃÎÐ ÍÞå ãä ÇáÅÚáÇã. æÇáÏí ßÇä ãåÊãÇ Èå æßÇä íÚÑøÝäí ÈÇÓã ÇáãáÍä ÞÈá ÇáãØÑÈ ÚäÏãÇ íÍÏËäí Úä ÃÛäíÉ¡ ÔÛÝå ÈãæÓíÞì ÈáíÛ ÍãÏí äÞáå áí¡ æßæäí áã ÃÏÑÓ ÇáãæÓíÞì áã ÃÚÑÝ ãÇ ÓÃÝÚá¡ ÍÊì ÌÇÁÊ ÝßÑÉ ÇáÝíáã ÝÞÏãäÇå Åáì ÇáãÑßÒ ÇáÞæãí ááÓíäãÇ¡ áÃä ãíÒÇäíÉ ÇáÚãá ÓÊÊßáÝ ãÇáÇ ßËíÑÇ¡ ÍíË ÓäÏÝÚ Åáì ÌãÚíÉ ÇáãÄáÝíä æÇáãáÍäíä ãÈÇáÛ Úä ÍÞæÞ ÇáÊÃáíÝ”.
    æÊÇÈÚÊ “ÞÈáåÇ ßäÇ ÕæÑäÇ íæãÇ æÇÍÏÇ ãÚ ÔÞíÞÉ æÌÏí ÇáÍßíã ÕÏíÞ ÈáíÛ ÍãÏí ÇáÃÞÑÈ¡ æåí ÇáÊí ÃÞÇã Ýí ÈíÊåÇ ÚäÏãÇ ßÇä Ýí ÃæÑæÈÇ¡ áÐáß ÊÚÑÝ ÇáßËíÑ Úäå¡ ßÇäÊ ÓÊÓÇÝÑ ÎÇÑÌ ãÕÑ ÝÕæÑäÇ ãÚåÇ ÑÈÍÇ ááÒãä¡ æÕæÑäÇ ãÚ ÇÈä ÔÞíÞå¡ Ëã ÊÑßäÇ ÇáÚãá ÝÊÑÉ ÒãäíÉ¡ ÈÚÏåÇ ÌÇÁÊ ßæÑæäÇ æÃæÞÝÊ ßá Ôí. ãäÐ ÔåÑíä ÃÎÈÑäÇ ÇáãÑßÒ ÇáÞæãí ááÓíäãÇ ÈÃä äÊÇÈÚ ÇáÚãá Úáì ÇáÝíáã æåÐÇ ãÇ ßÇä¡ æÇáãÑßÒ íæÝÑ ßá ÇáÅãßÇäÇÊ ÇáãÊÇÍÉ¡ æÃÑì Ãä ÊÞÑÑ ÌåÉ ÍßæãíÉ Úãá Ýíáã Úä ÈáíÛ ÍãÏí åæ ÍÇáÉ ÕÍíÉ æåí ÇáÊí íÌÈ Ãä ÊÞÏã åÐå ÇáãÇÏÉ ßæä ÈáíÛ ËÑæÉ æØäíÉ åÇãÉ Ýí ÍíÇÉ ßá ÇáãÕÑííä”.
  • في رحيل محسن فرحان.. مدون الوجع العراقي بأجمل الأوتار

    علي لفتة سعيد
    لم تكن أغنية (غريبة الروح) التي انطلقت عام 1972 إلا عصارة الشجن العراقي الذي صيّره الملحن الكبير محسن فرحان القادم من الفرات الأوسط العراقي وتحديدًا من كربلاء الدينية، حيث عاش فيها مكتسبًا ألم الشجن البكائي والطقوس الدينية الحزينة. هذه الأغنية ظلّت علامةً فارقة في الأغنية العراقية كما هي في لحنية فرحان الذي مات حزينًا ومريضًا يعاني الأمرّين، مات في زمن لا يعد فيه الفن إلّا حرامًا أو تخمة لا معنى لها. وكما قال الصحافي عبد الأمير الكناني، فإن تداعيات علّته المزمنة أدّت إلى فقدان أحد أطرافه، وقد طلب مساعدته في الحصول على طرف صناعي، فـ»اتصلت بأصدقاء وزملاء لي إعلاميين للمساعدة في الحصول على هذا الطرف، تحمّسوا للموضوع، وبعد أخذ ورد التزموا الصمت!».أمام مكانته الكبيرة وما حققه للأغنية العراقية من نجاحات عديدة أقامت نقابة الفنانين العراقيين مراسيم تشييع ووداع أخير للفنان بحضور نقيب الفنانين العراقيين الدكتور جبار جودي، والفنان علاء مجيد، مدير عام دائرة الفنون الموسيقية، والفنان سعدون جابر. وعدّ نقيب الفنانين في كلمة التوديع أن رحيل الفنان محسن فرحان خسارة كبيرة للفن العراقي. فيما أعربت لجنة الثقافة والسياحة في مجلس النواب عن تعازيها برحيل الفنان معبرة عن أسفها لفقدان شخصية فنية أثرت المكتبة الغنائية بأعذب الألحان منذ سبعينيات القرن الماضي.محسن فرحان الذي مات قبل أيام (الاثنين الماضي) عن عمر ناهز خمسة وسبعين يعد واحدًا من أبرز الملحنين العراقيين في زمن النهضة الإبداعية العراقية التي يطلق عليها (الحقبة السبعينية)، وشكّل مع عدد من الملحنين ومن بينهم الراحل طالب القرة غولي، أيقونة اللحنية العراقية التي غيرت من مجرى الذائقة ولحّن القصيدة الشعبية التي كانت صعبة جدًا، لذا فإن رحيله يعني رحيل آخر العمالقة في الموسيقى العراقية. حتى أن الكثيرين وصفوه بصانع الحزن العراقي اللذيذ ومدوّن الوجع العراقي بأجمل الأوتار وشيخ الملحنين، وآخر الكبار الذين رسموا في الذاكرة أجمل لوحات الشجن القادمة من حزن كربلاء وترك إرثًا فنيًا كبيرًا لا يمكن نسيانه.فما بين حسين نعمة وسعدون جابر وقحطان العطار وفؤاد سالم وغيرهم كانت ألحانه تنطلق من حناجرهم كأنها رسائل فرح مغلّفة بالوجع العراقي والحزن العراقي المعتّق.. وليس ألذّ وأبقى من لحن أغنية (غريبة الروح) التي غناها حسين نعمة لتبقى في ذاكرة الأجيال وتغنى حتى الآن في الداخل والخارج العراقي، لتقابلها أغنية (يكولون غني فرح) وهي شهادة الحزن العراقي في كلماتها وغناها قحطان العطار، وكذلك أغنية (يا هوى الهاب) التي غناها الفنان حميد منصور وكانت ترجمة لجملة سمعها الملحن من أهل كربلاء (يا مسيت العافية).. أما أغنية (عيني.. عيني) للمطرب سعدون جابر فقد كانت انتقالة موسيقية تناغم الحزن بفرح ملبّد بالإحساس العميق بالمفردة الشعبية.. حتى جابر قال عنه إنه ثالث اثنين في خارطة اللحن العراقي، هما طالب القرة غولي وكوكب حمزة، وبقيت أغنياته خالدة وستبقى لمئة عام مقبلة أو أكثر.  محسن فرحان ولد في الكوت فيعدّ كوتاويًا، ويعدّه أهالي كربلاء كربلائيًا، كونه عاش وتعلّم ونما وصار موسيقيًا في هذه المدينة التي تعد مركز الحزن العراقي الذي جعل من فرحان يتأثّر بهذا الشجن.يقول عنه الناقد الفني سامر المشعل «إنه أودع فينا ترانيم الجمال بثراء إنساني نادر، وترك أغانيه متعرشة في الذاكرة الجمعية، له إرث إبداعي لا يحصى من الجمال مثل أغاني (أنت العزيز تغيرت، وما بيه عوفن هلي، ويا فيض، والمطار، وزمان يا زمان، ويا هوى الهاب، وشكول عليك، وباجر العيد يا نجوى.) وكثير من الأغاني التي يرددها العراقيون في مناسباتهم سواء في الحزن أو الفرح». وعن ألحانه يقول المشعل «إنه يترجم المشاعر الإنسانية بصدق وعذوبة، وكأنه يتحسس المفردة والصورة الشعرية، فيحوّلها إلى ترنيمة يتغنى من بعدها العشاق والناس».
    ويقول الملحن الفنان مهدي الوزني «إن اللحنية العراقية وخاصة السبعينية ارتكزت على أسماء كبيرة من الملحنين ومنهم الملحن الكبير المبدع محسن فرحان الذي كانت له بصمة مائزة في الغناسيقية العراقية حيث تعامل معها بأسلوب التجديد في البنية اللحنية للأغنية العراقية والتي كانت واضحة بدءًا من المقدمات الموسيقية للأغاني التي لحنها ومرورًا باللوازم الموسيقية وانتهاء بخواتم هذه الأغاني حيث كانت بعيدة عن التقليدية السائدة حينها». ويرى الوزني «أن فرحان تعامل مع الكلمة بشكل تعبيري وأعطى المفردة حقها من خلال التصوير النغمي لها كذلك استطاع الوصول بألحانه إلى التأثير بإحساس المتلقّي الذي تفاعل بشكل كبير مع هذه الألحان التي يشعر أنها قريبة إلى نفسه وكل هذا انعكس على أكثر الملحنين الشباب وأنا واحد منهم حيث تعلمنا كيفية صياغة الجملة اللحنية الرشيقة والمؤثرة وكذلك التعامل مع الأصوات الغنائية في اختيار ما يناسبها من ألحان».وعانى فرحان أخيرًا من أزمة صحية خطرة، أجبرته على البقاء في المستشفى، وبدأ يصارع الموت بعد أن نزلت نسبة الأكسجين في الدم لديه بشكل كبير، وإثر ذلك ناشد فنانون الحكومة العراقية لمساعدته قبل أن يفارق الحياة.
    وقال الشاعر والصحافي عدنان الفضلي إنه قبل يومين من وفاته زاره في البيت لإهدائه باقة ورد رغم أن الأطباء قالوا إنه ميّت لا محالة. ويضيف الفضلي أن «الفرحان جاء ومعه أحلام منغّمة وترانيم بطعم عراقي خالص، فعلى مدى أكثر من نصف قرن كان يقودنا إلى العذوبة الموسيقية، فتارة يبثّ لنا شجن الروح حين أهدانا (غريبة الروح) وتارة يمنحنا النصيحة في أغنيته (عيني عيني) ولم يتوقف عن الاستذكار حين حدثنا عن (البارحة)، ومن الكبير جبار الغزي قدّم لنا التمرد عبر (يكولون غني بفرح) وكنا على موعد مع الحيرة بين الحبيب والعائلة في رائعته الشهيرة (ما بيه اعوفن هلي) ولا يمكن أن نحصر ما قدّمه لنا هذا المحسن الفرحان في هذا الحيّز الصغير»، وأكد الفضلي أن محسن فرحان لم يمت.. وسنتذكر ألحانه وحينها ستنساب روحه في ذائقتنا. 
  • خريف كاتب السيناريو

    ØÇåÑ ÚáæÇä
    ÚäÏãÇ ÓÆá ÇáãÎÑÌ ÇáßÈíÑ ÇáÝÑíÏ åíÊÔßæß ãÇ åí ÇáÚäÇÕÑ ÇáËáÇËÉ ÇáÃÓÇÓíÉ ááÝíáã ÇáäÇÌÍ¡ ÞÇá: “åí ÃæáÇ ÇáÓíäÇÑíæ æËÇäíÇ ÇáÓíäÇÑíæ æËÇáËÇ ÇáÓíäÇÑíæ”.
    æÊÓãÚ Èíä Ííä æÂÎÑ ÇÓÊÛÇËÇÊ æÇäÊÞÇÏÇÊ ÎáÇÕÊåÇ ÃääÇ Ýí Úãæã ÇáÊÌÇÑÈ ÇáÚÑÈíÉ äÚÇäí ãä ÃÒãÉ Ýí ßÊÇÈÉ ÇáÓíäÇÑíæ æÊÇáíÇ åäÇáß ÃÒãÉ Ýí ßÊøÇÈ ÇáÓíäÇÑíæ.
    ÝÅÐÇ ÊÓÇÁáÊ áãÇÐÇ åÐÇ ÇáÝíáã ÖÚíÝ Ýí ÈäÇÆå ÇáÏÑÇãí æÃÍÏÇËå æÅÎÑÇÌå ÓæÝ íÞÇá áß Åä ÇáÓÈÈ åæ ÖÚÝ ÇáÓíäÇÑíæ æÇäÓÍÈ Ðáß Úáì ÇáãÓáÓáÇÊ ÅÐ ÇáÇäÊÞÇÏÇÊ ÊÊÌå ãÈÇÔÑÉ Åáì ßÇÊÈ ÇáÓíäÇÑíæ.
    ÈÇáØÈÚ ÝÅä ÇáÃåãíÉ ÇáÊí íäÙÑ ÈåÇ ÇáãÎÑÌ ÇáßÈíÑ åíÊÔßæß Åáì ßÊÇÈÉ ÇáÓíäÇÑíæ ÊÞÇÈáåÇ ÔÑßÇÊ ÅäÊÇÌíÉ æãäÊÌíä æãÏíÑí ÊÓæíÞ æåã ÇáÐíä íÑæÌæä ááÓíäÇÑíæ æíÊíÍæä áßÊÇÈ ÇáÓíäÇÑíæ Ãä ÊõÞÑà ÃÚãÇáåã æíÊã ÇáÍæÇÑ ãÚåã æÇáØáÈ ãäåã ÅÌÑÇÁ ãÇ íÌÈ ãä ÊÚÏíáÇÊ.
    ÃãÇ ÅÐÇ ÇäÊÞáäÇ Åáì ÇáÈÖÇÚÉ ÇáÊí ÚäÏäÇ æÇáÍÌøÉ æÇáÐÑíÚÉ ÇáÏÇÆãÉ ÈæÌæÏ Îáá Ýí ßÊÇÈÉ ÇáÓíäÇÑíæ¡ ÝÅä æÇÞÚ ÇáÍÇá íÞæá Åäå áÇ ÝÑÕÉ ãÊÓÇæíÉ áÃí ÃÍÏ Ãä íßÊÈ ÓíäÇÑíæ ãÓáÓá íãÖí Ýíå ÔåæÑÇ æÃÍíÇäÇ ÓäæÇÊ Ãæ ÓíäÇÑíæ Ýíáã Ýíå ÌåÏ æÖíÇÚ æÞÊ æÝí ÇáãÞÇÈá ÓæÝ íÌÏ ãä íÞÑÃå æíäÇÞÔå ÃÕáÇ.
    ÛÇáÈíÉ ÇáÃÚãÇá ÇáÏÑÇãíÉ ÊÊã ãä ÎáÇá ÇÊÝÇÞÇÊ ãÓÈÞÉ æÊÑÊíÈÇÊ ãÍÏÏÉ æÇáÊßáíÝ ÈßÊÇÈÉ ÇáÓíäÇÑíæ áíÓÊ ÈÑÓã ÇáÌãíÚ Èá åí ãÊÇÍÉ ááãÞÑøÈíä æÈãÇ Ýí Ðáß ãä ÕÝÞÇÊ ÇáãÕáÍÉ æÇáÊÑÈøÍ æãÇ Åáì Ðáß.
    åÐå ÇáÃÌæÇÁ áÇ íãßä Ãä ÊÊãÎÖ Úä ÊÌÑÈÉ ÓíäãÇÆíÉ ÍÞíÞíÉ æáÇ ÊÃÓíÓ áÌíá ãä ßÊøÇÈ ÇáÓíäÇÑíæ ÇáãÍÊÑÝíä¡ Èá åí ÚãáíÉ ÊÊÓã ÈßæäåÇ ÔÎÕíÉ æãÕáÍíÉ áÇ ÊÚäí ÃÍÏÇ Óæì ÇáãäÊÝÚíä ãäåÇ¡ æáåÐÇ Êßæä ÇáäÊíÌÉ åÐÇ ÇáãÓÊæì ÇáÖÍá æÇáÎæÇÁ Ýí ÇáãÖãæä æÇáÈäÇÁ áÃä ÇáÞæã íßæäæä ãÔÛæáíä ÈãÇ åæ ÃÈÚÏ ãÇ íßæä Úä ÇáÅÈÏÇÚ æÇáÊãíÒ ÃáÇ æåæ ÇáÊÑÈøÍ æÇáãÕÇáÍ ÇáãÊÈÇÏáÉ æÚÏã ÇáÊÝÇäí Ýí ÚãáíÉ ßÊÇÈÉ ÇáÓíäÇÑíæ.
    áÇ íæÌÏ æÇÞÚíÇ Ãí ãÔÑæÚ Íßæãí Ãæ ÛíÑ Íßæãí íÑÊÞí ÈÊáß ÇáÔÑíÍÉ ãä ÇáÃÔÎÇÕ ÇáÐíä íÄãá Ãä íÕÈ꾂 ßÊøÇÈÇ ááÓíäÇÑíæ Ýí ÇáãÓÊÞÈá¡ ÇáæÑÔÇÊ ÇáÞÕíÑÉ æÇáãÊÚÌáÉ ÇáÊí ÊÞÇã Úáì åÇãÔ Ãí ãåÑÌÇä ãä ÇáãÓÊÍíá Ãä ÊäÊÌ ßÊøÇÈÇ ááÓíäÇÑíæ ÈÚÏ ãÍÇÖÑÉ áãÏÉ ÓÇÚÉ Ãæ ÍÊì áÚÏÉ ÓÇÚÇÊ.
    Úáì åÐÇ ÊÕÈÍ ÇáÞÕÕ ÇáÊí áÇ ÍÕÑ áåÇ æÇáÊí ÊäÊÔÑ Ýí ßá ãßÇä ÈáÇ ÌÏæì ÅÐ ÊÖíÚ ÊÈÇÚÇ æáÇ íÓÊÝÇÏ ãäåÇ ÈÔíÁ.
    Úáì ÇáÃÞá åäÇáß ãÓÇÈÞÇÊ áßÊÇÈÉ ÇáÑæÇíÉ æÇáÞÕÉ æÞÏ ÃäÊÌÊ Êáß ÇáãÓÇÈÞÇÊ ÚÔÑÇÊ ÇáÑæÇíÇÊ¡ áßä áã ÊÄÎÐ ÑæÇíÉ æÇÍÏÉ áÅäÊÇÌ Ýíáã¡ ÑÈãÇ íßæä åäÇáß ÇÓÊËäÇÁ ÖÆíá¡ ÅÐ áÇ Ôß Ãä ÃÛáÈíÉ Êáß ÇáÑæÇíÇÊ ãÄåáÉ áÃä íÊã ÅÚÏÇÏåÇ ááÔÇÔÉ¡ æáßä áÇ ßÊøÇÈ ÓíäÇÑíæ ÌÇåÒíä æãÄåøáíä ááÞíÇã ÈÇáãåãÉ æáÇ ÔÑßÇÊ ÅäÊÇÌ ãÓÊÚÏÉ áÐáß.
    åäÇáß ÅäÝÇÞ Íßæãí íÐåÈ ÞÓã ßÈíÑ ãäå ÈáÇ ÝÇÆÏÉ æáÇ íÊã ÊÎÕíÕ æáÇ ÞØÑÉ ãäå áÛÑÖ ÇáÊÑæíÌ áÏíãæãÉ ÚãáíÉ ÇáÅäÊÇÌ ÇáÓíäãÇÆí æááÈÍË Úä ßÇÊÈ ááÓíäÇÑíæ íßæä ãÄåáÇ ááãåãÉ.
    åÐå ÇáãåÇã ÈÑãÊåÇ áíÓÊ ãØáÈÇ åÇãÔíÇ æáÇ ßãÇáíÇ¡ Èá åí ÈÇáÛÉ ÇáÃåãíÉ Ýí ãÝÇåíã ÇáÒãä ÇáÍÇÖÑ æÇáãÓÊÞÈáí æÃåãíÉ ÇáãäÌÒ ÇáÓíäãÇÆí æÏÚã ÇáÅäÊÇÌ ÇáÑæÇÆí¡ Ýí ÇáãÞÇÈá ÏÚã ãåãÉ ßÇÊÈ ÇáÓíäÇÑíæ áÇ ÊÞá Úä Ãí ãåãÉ ÃÎÑì ÈÇáäÓÈÉ Åáì ÇáÍßæãÇÊ ÇáÊí ÊÕäÝ äÝÓåÇ ÌÒÁÇ ãä ÇáäÓÞ ÇáÍÖÇÑí ÇáãÊØæÑ.
    äÚã Åä åÐÇ åæ ÎÑíÝ ßÇÊÈ ÇáÓíäÇÑíæ¡ ÝÌåÏå Ýí ÓÈÇÊ æáÇ ÃÍÏ íåÊã ÈãäÌÒ Ãí ßÇÊÈ ááÓíäÇÑíæ ãåãÇ ßËÑ ÇáÅäÊÇÌ ÇáÓíäãÇÆí Ãæ ÇáÊáÝÒíæäí æÊäæøÚ áÃä ÓíÇÞÇÊ ÇáÚãá ÊÝÑÖ ÇáÚáÇÞÇÊ ÇáÔÎÕíÉ æÇáãÕáÍíÉ æåÐÇ íÊÑÊÈ Úáíå ÊßÑÇÑ äÝÓ ÇáæÌæå æÇáÈÞÇÁ Ýí äÝÓ ÇáãÓÊæì ÇáãÊÏäí æäÝÓ ÇáÃÝßÇÑ ÇáãÓÊåáßÉ æäÝÓ ÇáÔÎÕíÇÊ ÇáÊí Ãßá ÇáÏåÑ ÚáíåÇ æÔÑÈ.
  • فيلم limbo.. مسرحة الأسى ودوزان الأمل

    محمد جميل خضر
    مع أغنية ماجدة الرومي «الحلم اللي جاي» كلمات هنري زغيب، وألحان إحسان المنذر، ينتهي فيلم «limbo/ التيه» لمخرجه الأسكتلندي بن شاروك، عن نص وسيناريو وحوار له: 
    «راح الليل والربيع جايي
    وانتهى اللي حبسني بـ هالعتم الطويل
    خلصت المواعيد اللي غلت فينا
    وضوت ليالينا، وصرنا نحنا المواعيد
    خذني وطير ع سما جديدة».
    ينتهي تاركًا أسئلةً كثيرةً بلا إجابات، وأحلامًا معلقةً في الهواء المر، المنقوع ببرد البلاد البعيدة عن الأوطان المحروقة فوق صفيح ساخن.
    في مستهل الأسئلة التي تظل حيرى في الفيلم الإنساني بامتياز، العالمي قياسًا بعدد الجنسيات التي شاركت فيه، تمثيلًا وقوى إنتاج وتقنيات وباقي خدمات، السؤال الوجودي الملح: هل ينبغي أن يبقى في بلده ولا يبرحها، الفرد البسيط الضعيف الذي لا حول له ولا قوة أمام صراعات الكبار ومؤامرات السياسة؟ بغض النظر عن مخاطر هذا البقاء، وبغض النظر إن أصبح، هذا الذي قرر البقاء، جزءًا من دوامة الموت في بلاد الموت؟ أم أن المنطق يقول إن عليه أن يهرب لاجئًا إلى بلاد الآخرين، مهما كانت كلفة هذا الهروب على صعيد القيمة وامتهان الكرامات وضياع البوصلات وشطب الذاكرات والذكريات؟
    هذا السؤال الذي عبر عنه في الفيلم على شكل صراع داخلي وحوار خارجي، شكل ملمحًا لامعًا ساطعًا داخل مفردات الفيلم ووجهاته في قلب الجزيرة الأسكتلندية النائية الباردة الكئيبة المغلفة بضباب يحجب الرؤية والرؤيا، ويشلع الروح، ويستهلك الأيام.
    السؤال الملح الوجودي الإنساني الثاني في الفيلم الثاني لبن شاروك، بعد فيلمه الأول «بيكاديرو» (2016)، هو: من أين جاء كل سوء الفهم العميق العقيم هذا بين الشرق والغرب؟ من صنعه؟ وإلى متى سوف يبقى؟
    حتى استخدام لغة واحدة (استخدم الممثلون في الفيلم عربٌ وأفارقةٌ وأوروبيون وآسيويون اللغة الإنكليزية وسيلةً للتواصل، واستخدم الممثل المصري أمير المصري (لعب دور لاجئ سوري اسمه عمر) اللغة العربية مع أسرته خلال مكالماته معهم، وخلال حواره الحلمي/ المفترض مع شقيقه نبيل) لم يسهم بالتخفيف من كل هذا الالتباس، ونمطية الأحكام، وقدرية انقطاع حوار مثمر بناء لصالح باقي عمر الكوكب المنكوب.
    الحدوتة..
    سردية الفيلم هي سردية اللاجئين جميعهم، ممن تفرض عليهم وقائع لا تلائمهم، وأحيانًا لا تضع في حساباتها أي اعتبار لكراماتهم، وخصوصياتهم، ومنابت انطلاقهم إلى بلاد الغرب. إذ يفترض من يضعون برامج تأهيل (هؤلاء)، أنهم قد يغرقون في شبر امرأة قد تراقصهم في مًناسبة ما. وقد يتطاولون عليها لمجرد أنهم غير أوروبيين. فالرقي أوروبي، واللباقة أوروبية، والحضارة غربية، والرفاه هناك، والحياة، حتى في جزيرة موحشة كئيبة لا تزورها الشمس هناك، وراء بحر ولوحة ومنحوتة وعصر نهضة. هنا حول هذه التفصيلة تحديدًا من حكاية الفيلم، يتبين أن الغرب الأوروبي على وجه العموم، لا يرى، أو لا يريد أن يرى، من كل المتغيرات حوله، إلا ما يرتبط بثورته الصناعية، ومكتبساته اللا دينية.
    في الحدوتة، كي لا نحيد عن متوالية أحداث الفيلم، تستهل الأحداث بمشهد ينفتح على صف لاجئين يحاولون أن يعلمونهم مفردات اللقاء الأول بين رجل وامرأة، حيث على اللوح المدرسي التعليمي التأهيلي، نلحظ، (يريدنا المخرج أن نلحظ)، ما هو مكتوب: cultural awareness 101، ثم تحت هذا العنوان العريض، كتب: sex is asmile an invitation، وهو ما يمكن أن يترجم عربيا إلى: (الجنس هل هو دعوة)؟ هذا الدرس التعليمي (الغشيم) عندما يتعلق الأمر بثقافات الآخرين وقيمهم و(لوغريتمات) تكونهم، شكل مدخلًا كوميديا (تبناه مخرج الفيلم) في سياق إدانته لجهل الغرب بثقافات غيره، وانحسار تفكير بيادقه و(عوامه) بما يسمعونه، حول الضفة الأخرى من العالم، من نشرة الأخبار.
    في سياق حدوتة الفيلم، تتجلى شخصياتٌ كثيرةٌ بوصفها مساعي بحث عن وجود وسط كل هذا الظلام، والضباب، وسوء الفهم: اللاجئ الأفغاني فرهاد (أدى دوره الممثل الأفغاني فيكاش بهاي)، الباحث عن مساحة لا يجد نفسه فيها داخل بلاده غريبًا مدانًا بوصفه (زرادشتيًا) وسط بيئة مسلمة (سنية). اللاجئ السوري عمر (أدى دوره، كما أسلفنا، الممثل المصري أمير المصري) الهارب من جحيم الموت في بلاده، حاملًا عود جده، آملًا أن ينال فرصةً ما في بلاد الآخرين. الهارب النيجيري واصف (أدى دوره الممثل النيجيري أولا أريبي) الحالم أن يصبح لاعب كرة قدم محترف في نادي (تشيلسي) الإنكليزي، شريطة أن يحمل الرقم (11). الغاني عبيدي الهارب من فقر بلاده وانعدام الفرص فيها (أدى دوره ممثل غاني)، المستعد، حتى، للعمل عامل نظافة على أن لا يعيدوه إلى بؤس أفريقيا.
    كوميديا الدموع..
    وسط جزيرة موحشة لا شمس فيها ولا ربيع، فإن أي كوميديا سعى بن شاروك إلى تمريرها لا بد أن تنحاز من فورها إلى فرع الكوميديا السوداء، من دون أن ننكر أنه استطاع حقيقةً انتزاع ضحكاتنا العميقة المشلوعة، في مشاهد كثيرة، أقحمنا الشريط خلالها في تفاصيل الشخصيات الصغيرة، وفي أشيائهم المرتبطة بتداعيات وجودهم فوق أرض جزيرة خارج قوانين الهجرة والإقامة وبناء الأحلام. ليس من باب الاختراع، إذًا، يمكن تسمية كوميديا فيلم limbo بكوميديا الدموع.
    في خضم هذه الكوميديا يتجلى الأفغاني فرهاد بوصفه أيقونة الفيلم، حامل هم تمريره للشرائح الأكثر ركاكة، لصه الظريف (سرق ديكًا ومنحه اسم فريدي على اسم نجمه المفضل: فريدي ميركوري)، صبره العنيد (فرهاد انتظر زهاء ثلاث سنوات قبل أن ينال موافقة أسكتلندا على إقامة دائمة)، بحثه الدؤوب عن فرص ممكنة في بلاد يبدو أن أحدهم غشه قائلًا له إنها بلاد الفرص المتناسلة.
    كوميديا أخرى تنبت من بين مواجع الفيلم؛ إنها لحظة توضيحات عمر لأمه عبر كابينة هاتف عمومي (بسبب انقطاع الإشارة في الجزيرة الأسكتلندية النائية، يعتمد لاجئو الفيلم على كابينة الهاتف التي أصبحت من تراث البشرية البائد)، الفرق بين (رامبو) الأميركي، و(ألفاني) النمساوي. كوميديا دروس التأهيل، على كل حال، هذه الدروس، على وجه التحديد، تضمنت أحد أكثر مشاهد الفيلم حزنًا، عندما أراد اللاجئ (عبدول) تطبيق أحد الدروس التي علمها له الثنائي المرح في الفيلم (المعلمة التي لم يجر ذكر اسمها، أدت دورها الممثلة الدانماركية، سيدس بابيت كنودسن، ومساعدها موريس، الممثل الألماني، كينيث كولارد)، فقال «تعودت أن أذرف الدموع ليلًا، لكنني لم أعًد أفعل ذلك الآن، جفت دموعي».
    التراجيديا السورية..
    التراجيديا السورية كانت حاضرةً بقوة في شريط شاروك، ولا أدري عن قصد، أو غير قصد، جعلها المخرج تراجيديا بلاد الشام جميعها؛ فـ(البابا غنوج) أكلةٌ لبنانيةٌ أكثر من كونها سورية، ونبيل شقيق عمر في الفيلم (أدى دوره الممثل الفلسطيني قيس ناشف)، يطرح وجعًا عربيا جامعًا، يكاد ينبي عن وجع فلسطين (حتى في لهجته) أكثر من أي وجع آخر.
    وعندما غنى عمر وأمه معًا عبر أسلاك هاتف عمومي تحيطه كابينةٌ وحيدةٌ في جزيرة نائية، ثم شاركهما والده خالد، أغنية «عصفور طل من الشباك»، فإن الشجن هنا تجلى بوصفه شجن بلاد الشام جميعها:
    «عصفور طل من الشباك
    وقال لي يا نونو
    خبيني عندك خبيني
    دخلك يا نونو
    خبيني عندك خبيني
    دخلك يا نونو
    قلت له إنت من وين
    قال لي من حدود السما
    قلت له جاي من وين
    قال لي من بيت الجيران
    قلت له خايف من مين
    قال لي من القفص هربان
    قلت له ريشاتك وين
    قلي فرفطها الزمان».
    إنه المشهد الوحيد الذي بكى فيه عمر، فأسلوب الأداء الذي تبناه الممثل الشاب الذي يحمل جنسيتين: إنكليزية، ومصرية، تجلى بوصفه محاكاةً لأسلوب المخرج الفلسطيني إيليا سليمان في أفلامه، الذي يقال إنه، بدوره، محاكاةٌ لأسلوب الممثل الكوميدي والمخرج والمنتج وكاتب السيناريو ومؤدي المجازفات الأميركي، باستر كيتون (1895 ـ 1966). والحق يقال إن أمير المصري أتقن دوره أيما إتقان، ولست أبالغ إن قلت إن دوره في فيلم limbo شاروك، هو دور حياته، وبدايته الحقيقية، بعد عدد من الأدوار التلفزيونية الهامشية، والسينمائية الثانوية.
    طريقة إعداد المكدوس التي علمتها أم عمر له عبر أسلاك هاتف ضائع في جزر بعيدة، من المشاهد السورية المؤثرة داخل أحداث الفيلم. والأكثر تأثيرًا ودلالةً، أن بائع البقالة الهندي، أمن له، رغم اختلافات تترى بينهما، المكون الرئيسي التي ألحت أمه بخصوصه لإنجاز مكدوس حقيقي يحمل بعض رائحتها: السماق.
    أما أكثر لحظات التراجيديا السورية دلالةً داخل مشاهد الفيلم وأحداثه، فإنها تتجلى في الحوار الذي دار بين عمر وشقيقه نبيل؛ هل هو حوارٌ حقيقي؟ هل هو حلم يقظة؟ هل هو تخريجةٌ إخراجيةٌ ليدلي مخرج الفيلم بدلوه في مأساة كبرى من مآسي القرن والواحد والعشرين؟ بغض النظر عن الإجابة عن كل هذه الأسئلة، فإنه، حقيقةً، الحوار الذي لخص ثيمةً الفيلم: هل نهرب أمام كل هذا الموت؟ هل نبقى لنحظى بلقب شهداء، في بلاد لم نعرف كيف نكون فيها أحياء؟ في تفاصيل هذا الحوار البليغ، يقول عمر لنبيل، عندما يسأله، لماذا لم يعد يعزف؟ العود لم يعد يتذكر دوزانه، وأنا بدوري، نسيت دوزان روحي مع أوتاره.
    تلاقي الفنون جميعها..
    يحتار مشاهد فيلم «التيه»، بمفهومه الغربي (limbo في الوعي الغربي، تشبه ما يسمى في الثقافة العربية الإسلامية منطقة الأعراف بين الجنة والنار. إنها عندهم منطقةٌ غير قاسية من الجحيم، يمكن أن تتلقف الأطفال والأخيار ممن عاشوا وماتوا قبل ظهور المسيح)، بين عدد من الفنون التي تؤسس مشروعية الشريط: الفنون البصرية وقد غص الفيلم بكوادر خارجية أشبه بلوحات تشكيلية، مثل مشهد الشاطئ أمامه عمود إنارة (كهرباء) وأمام الاثنين كابينة الهاتف الأرضي (لم يعد مستعملًا هذه الأيام). ثنائية الضوء والظلال في المشهد لماحةٌ فاتنة، ضوء عمود الإنارة يضيء جزءه العلوي، وضوء كابينة الهاتف لا يضيئ إلا نفسه، بما يمكن أن تحمله هذه البصريات من دلالات. مشهد الرعد والبرق والسماء الملبدة العطشانة إلى شمس ما. مشهد كوخ حزين وحيد وسط مساحات مترامية الأطراف من الحياد والعشب وألوان الكآبة.
    الموسيقى تحضر بوصفها جزءًا رئيسيًا من محمول الفيلم ورسالته. الشعر؛ كتب نبيل على جبيرة عمر (يبدأ الفيلم وعمر يضع جبيرةً حول إحدى يديه تعيقه وتؤخر عودته للعزف)، ما يشبه الشعر: «عندما أتغلب على ضعفي أحمل قلبي بجذوع الأشجار المتجمدة في الكوانين.. الأشجار التي تزهر في الربيع». المسرح أيضًا يحضر، في كثير من مشاهد الفيلم تلاحظ مسرحةً مدروسةً للدراما السينمائية فيه: تعابير وجه عمر. نظرات اللاجئين باتجاه ساعي البريد. طريقة أداء كثير من ممثليه.
    عود الهوية..
    يتجلى عود عمر في الفيلم (هدية جده وبوابة رزقه) بوصفه محدد هوية مشع بمختلف المعاني، وبوصفه المعادل الموضوعي الجمالي الإنساني الذي يذود عمر عبره عن نفسه شبهات الإرهاب، ونظرات الاستهتار، وحتى الاحتقار.
    يمسرح بن شاروك، الذي يتقن العربية ويتركها تحلق في فيلمه الذي حقق جوائز مستحقة (أزيد من سبع جوائز منها «البافتا»، و»كان»)، السينما. يعود لأصل الفنون جميعها. يستحضر نداءات الأحياء من أجل معنى لا يموت ولا ينتهي. يجعل من موت النيجيري (واصف) في قلب العاصفة الثلجية لحظةً لا تنتهي، في فيلم لا ينتهي، على أمل معالجة محنة لا تنتهي.
  • غسان كنفاني.. صورة للبلاد في شخص واحد

    محمود منير
    في شتاءات جمعتنا نهاية التسعينيات، كنّا طلبة وعمّالاً وعاطلين من العمل نتقاسم بيتاً صغيراً استأجرناه بالقرب من الجامعة، يضمّ غرفة وصالة جلوس نفترشها أرضاً في سهرات نحييها بالغناء على عزف العود، والنقاشات الصاخبة في الأدب والثقافة شكّلت محاولات أولى في نقب جدارٍ سميك من الانكسارات وخيبات الأمل في واقع عربي محبِط.
    كان الملصق الذي صمّمه غسان كنفاني يعلو أحد الجدران، التي خطّ فيها كلمة فلسطين بلون أحمر يصوغ كلّ حرف منها، ممزوجاً بالأسود والأبيض والأصفر التي تُرزكش جسد المفردة بزخارف وقباب ومآذن وخريطة فلسطين وبندقية على خلفية خضراء تبدو فضاءً يعمّقه الأمل.
    استُنسخ التصميم مرّات ومرّات وعُلّق على حيطان بيوت ومؤسّسات في أنحاء العالم كلّه، كأيقونة ربما توازي في شهرتها وانتشارها رسوم ناجي العلي، شكّلت ذاكرة بصرية لا تُمحى للاسم الجريح الذي كان يترك مرارة في الحلق لا تزول كلما هتفنا به، أو كتبناه على دفاتر المدرسة، لكنّ صورته التي نفّذها الروائي الفلسطيني ظلّت الأوضح والأبقى والأقرب إلينا، تسري رعشة في أجسادنا كلما وقع نظرنا عليها إلى اليوم.
    تواجهت مع أولى نصوص غسّان أثناء المرحلة الثانوية. في نحو مئة صفحة فقط، صاغ لنا روايته «رجال في الشمس» بأربع شخصيات تمتلك ملامح حادّة، ولغة مكثّفة بحوارات ورسائل لا تُخطئ هدفها، عن رجال تائهين قادتهم أقدارهم بعد النكبة إلى البحث عن لُقمة العيش في الكويت، ما اضطرّهم للخضوع إلى ابتزاز أحد المهرّبين بوضعهم في خزّانٍ من الحديد على متن سيّارته.
    مثل سائر أعماله، لا يحتاج صاحب رواية «أم سعد» لفائضٍ من السرد لإيصال فكرته التي تستقرّ كرصاصة في وعي القارئ الذي لن ينسى صورة ثلاثة موتى لم يحتملوا جدران الخزّان الملتهبة، حيث قرّر المهرّب «أبو الخيزران» التخلّص منهم بإلقائهم في مكبّ النفايات، ثم عاد بعد أن انطلق بسيّارته إلى الجثث وأخذ النقود من جيوبها.
    سعى قرّاء غسّان ونقّاده إلى تأويل الأحداث وتحليل الشخصيات التي خلّقها على مدار اثني عشر عاماً، لكنه لم يكن مَعنياً بكثيرٍ منها، فالمسألة الأهمّ لديه تجسّدت في تأسيس نصّ أدبي يشتبك مع اللحظة التي عاشها، ويعكس واقع الناس وانتماءه إليهم والتزامه بقيَم آمن بها واستشهد بسبب تمسّكه بها.
    في فترة لاحقة، استفزّتني مسرحيته «القبّعة والنبي» واختراعه لذلك «الشيء» الذي يسقط من السماء، ويُتَّهم شابٌ بقتله، وهنا تدور محاكمات يرأسها قاضيان تتنافى سلوكياتهما مع التشريعات التي يمثّلانها، لتتجلّى فكرة «الشيء» التي تحتكم إلى العقل وتتجرّد من العواطف في تعريتها أزماتنا الوجودية والسياسية والاجتماعية، مفكّكاً السلطة في مستوياتها المختلفة، ومفهوم «الرغبة» بتعقيداته في النفس البشرية. كثيراً ما اعتقدت أن «الشيء» يرمز إلى غسّان نفسه ويُعبّر عن منظوره إلى الحياة والصراع.
    تَمثَّل صاحبُ رواية «عائد إلى حيفا» بطلاً تراجيدياً في أعيننا، تُحيط به روايات عديدة حول حياته الشخصية تناقلها مقرّبون منه، فهو المثقّف الملتزم الذي اعتنى بمظهره وملابسه منذ صغره، ولا يجد في قيافته وأناقته وابتسامته ما يتعارض مع صورة المناضل، كما حاول أن يوضّح لناجي العلي حين التقاه أوّل مرة، أو في ما يُروى عن انهماكه في العمل لثماني عشرة ساعة طيلة أيّام متتالية، في الكتابة والرسم والتحرير وكلّ فروض الصحافة التي أملتها رئاسته تحرير مجلّة «الهدف»، إلى جانب انشغالاته السياسية والتنظيمية والثقافية، وبعد كلّ هذا الشغل المضني كان ينطلق إلى مرَحه وسهره وأحاديث الأنس الطويلة.
    آخر ما قرأته لغسّان كانت قصّة «القنديل الصغير» التي كتبها فوق عدد من رسوماته، وأهداها إلى ابنة أخته لميس. بنى قصته على حبكة بسيطة تتلخّص بوصية ملكٍ لابنته حتى ترث حُكمه بأن تحمل الشمس إلى القصر، وكادت أن تيأس من قدرتها على تحقيق الوصية إلى أن أمرت بهدم كلّ أسوار القصر والسماح للناس الذين يحملون القناديل لقاءَها بلا حُجُب وحواجز.
    في عيد لميس الثامن، يكتب غسّان لها قصّته لتكبر معها كلّما كبرت. قنديلٌ صغيرٌ أضاء لحظة اغتياله حيث استشهدت لميس معه في الثامن من تموز/ يوليو عام 1972، ولا يزال ضوؤه ينتشر في المكان.
  • كل شيء سيكون على ما يرام

    سمر عبد الجابر
    يغني بوب مارلي: لا تقلقي من أي شيء، لأن كل شيء سيكون على ما يرام. إلا أن عقلي يذكرني طيلة الوقت أن كل شيء زائل.
    أجلس على شرفة تطل على واد أخضر، وأفكر بالأشجار. هل تقلقها أفكار عن عاصفة هوجاء في الشتاء أو حريق محتمل في الصيف؟ أم أنها تعيش في اللحظة بلا جهد، من دون الحاجة إلى تعاليم بوذا أو الفلسفة الرواقية.
    هل تحسب سنين عمرها، فتلتفت بقلق الى ورقة تغيّر لونها أو جذع آخذ بالتشقق؟
    أطفئ الموسيقى وأنصت الى أوركسترا العصافير والزيز بينما هواء خفيف يعزف على أوراق الاشجار لحناً لم أسمعه منذ وقت طويل. الذباب والناموس يخرّبان المشهد، وصوت عقلي يقاطعني بفكرة حزينة من حينٍ إلى آخر، بينما أتأمل امتداد اللون الأخضر في الوادي.
    ألمح أكواز الصنوبر وأفكر أنها بلا شك لا تمضي الوقت بإطلاق الأحكام على نفسها، ولا تؤرقها أفكار النهار ليلاً. لا بدّ أنها، وهي معلّقة في الهواء، تستمتع الآن بشعاع الشمس ولا تأبه بالماضي أو المستقبل.
    أجلس على شرفة معلقة في الهواء وأفكر بالماضي والحاضر والمستقبل في آنٍ معاً.
    أصوات كلاب بعيدة تقتحم المشهد. العصافير تزقزق من دون ملل، ولا تشكو من تعبٍ. ديكٌ بعيدٌ يصيح من وقتٍ الى آخر. كلٌّ ينفّذ دوره من دون تذمّرٍ. أتأمل الشمس تضفي على العالم ألوانه فأفكر أنها تستحقّ العبادة.
    الذبابة تتجول على طرف فنجان القهوة مرتين. تقف ثوانيَ ثم تطير. أفكر أن بعض أفكارنا كالذباب. علينا فقط أن نراقبها مهما أطالت جولتها، حتى نراها تحلّق بعيداً. كثيراً ما نقع في فخها، فنلاحقها من حائط الى حائط، بينما علينا فقط أن نتأملها تمرّ عبر شرفتنا وتمضي.
    يغني بوب مارلي في رأسي: «لا تقلقي من أي شيء، لأن كل شيء سيكون على ما يرام». الكلاب هدأت. أجلس على الشرفة، بينما هواءٌ خفيفٌ يعبر والعصافير تغنّي والسماء تصفو والأشجار تتنفّس. أجلس بعيداً عن جفاف المدينة وضوضاء اللاطبيعة. أنصت الى صوت الكمال في الكون، بينما تتقلّص همومي مؤقتاً إلى ناموسةٍ تسعى بدأبٍ للوصول إلى دمي.
    عقلي لا يهدأ لكنه يكفّ عن تعذيبي مؤقتاً. لوهلةٍ، أصدّق بوب مارلي فيما يقول.
  • «قريباً من الأرض»: الشعر ابتكار للدهشة

    مروان ياسين الدليمي
    من الناحية الفنية فإن الشاعر العراقي نامق سلطان، في فضاء تجربته الشعرية وخصوصيتها، لا ينتمي بتقاناته في كتابة النص الشعري إلاّ إلى ذاته، مبتعدا بذلك عن نسق الرثائيات والبكائيات، التي انخرط فيها رهط كبير ممن يكتبون الشعر في العراق، خلال الأربعة عقود الماضية، بالشكل الذي أتاح للنقاد وبكل سهولة، أن يعتمدوا مفهوم التجييل في تصريف مقولاتهم النقدية، عند قراءتهم لخريطة الشعر والشعراء، رغم ما نتج عن هذا المفهوم من تعميم وتبسيط.
    وفرادة المخيلة التي يتمتع بها سلطان أخذته إلى منطقة خاصة من الاشتغال الشعري، مكنته من أن يمنح الأشياء التي يلامسها شحنة قوية من الأحساسيس المفرطة في نعومتها، خاصة أن الإنسان اعتاد على افتقادها في زحمة حياته اليومية المعبأة بالعطب. وفي لعبته الشعرية هذه يمارس حريته كاملة، من غير أن يعير اهتماما للأصوات العالية بكل ما يمكن أن تزج به من صخب وفوضى وخدوش في مملكة الروح، كما أسقط من رؤيته الفنية أي سلطة مستعادة من ذاكرة التاريخ. هذا ما تجلّى في المجاميع الثلاث، التي سبق أن أصدرها، واستكمل ذلك في مجموعته الشعرية الجديدة التي حملت عنوان «قريبا من الأرض» الصادرة عن دار نون للطباعة والنشر والتوزيع مطلع شهر آب/اغسطس 2020.
    مخيلة يقظة
    مغامرته الفنية على ما تحمله من تطلع إلى استحداث بنية جديدة في لغة الشعر، يتوفر في صورها مستوى عال من الشفافية، فهي تحمل في مستويات تركيبتها دلالات التصادم والتناقض في حركة الزمن، وصولا إلى لحظة المفارقة، على النحو الذي يقصد منه إحداث صدمة في وعي وعاطفة المتلقي، فهو يتقصد أن يواجههه بمفردات يعرفها جيدا، ويتعامل بها في انشغالاته اليومية المختلفة والمتنوعة، لكنه يتفاجأ بها في النص الشعري، وقد تشكلت على الصورة التي لم يتوقعها ولم يرها، حتى تبدو وكأنها قد تمرّدت على معجميتها، واكتسبت نظامها الخاص، بعد أن خرجت من مشغل الشاعر متوهجة بإيحاءات تعبيرية جديدة.
    هكذا أو هكذا
    ستفقدُ في النهاية، قدرتَكَ على الحزن
    مثل حصانِ جاءوا به إلى المدينة
    وحجبوا عينيه،
    كي تبقى أحلامه تتأرجح في عربة يجرّها
    ثم تبدأُ بالذبول
    شيئا
    فشيئا.
    لإحداث هذا الإسقاط الدرامي، لا بد من مخيلة يقظةٍ قادرة على أن تتنقل بين الحضور والغياب، على أن تفتِّتّ ما تستند إليه أوهامنا من قوانين صلدة في تحديد وتنظيم أبعاد الأشياء، وهذا بعض ما يتفرّد به الشاعر نامق سلطان، إذ بوسع مخيلته أن تحيل الدلالة من بنية واقعية مرتهنةٍ بها، إلى بنية رمزية، مستعينا بمجازاته واستعاراته، التي يتفنن في خلقها لتتجاوز ما يؤطرها من حدود ومعان، وهو بذلك أبعد ما يكون في جملته الشعرية عن التستر بأقنعة بلاغية مستهلكة، لاقتناص الأشياء من الواقع، ودائما ما يتحاشى الوقوع في هذا الفخ، الذي عادة ما يخضع له الشاعر التقليدي طائعا خاضعا بكامل وعيه وإرادته الشعرية، بل يحرص نامق على أن يتدفق نهر خياله ليأخذها إلى أماكن قصية، قبل أن تتحقق الدهشة لدى المتلقي في لحظة اللقاء الذي عادة لا يكتمل إلا في نهاية النص.
    ولأنكِ طبيعيةٌ جدا
    أكاد لا أميّزُ بينكِ وبين صخرةٍ
    يحاول البحرُ أن يدفعها إلى الشاطئ
    بينما هي لاهيةٌ عن رعونتهِ
    تفلّي شعرهُ بأصابعَ ناعمةٍ
    كمن يروّض حصانا جامحا
    أو ينوّم طفلا.
    شعرية جديدة
    يواصل سلطان التحليق خلف خياله، الذي يجنح به إلى امتلاك ما لم تصل إليه مغامرات الشعراء الآخرين من صور، وميزته التي تفيض بها نصوصه، أنه مسكون بما تعج به المدينة من تفاصيل، فيتوقف أمامها ليوقظ ما يسكنها من أحاسيس مركونة في الأعماق، إنه معني أكثر من غيره في التقاط التحولات التي تعصف بالإنسان الذي نلتقي به أينما التفتنا، فما من شيء غريب يميّزه عنّا، إلا أن نامق يقدمه لنا في صورة أخرى لم نعهدها، فيها تمرد على نمطيتها الواقعية وانسلاخ عن تأطيرها الفوتوغرافي، لأنه يتعامل مع الشعر باعتباره نزعة جامحة لتأسيس علاقات جديدة مع الأشياء المألوفة في الواقع، والخروج بها من جمودية صورتها الراسخة في الذهن، محطما بذلك شكلها التقليدي، ولتبدأ فيها حياة تنطوي على بنية استعارية تنشط فيها أجنحة الشعر في التحليق، بعيدا عن الأرض وليس قريبا منها، كما هو عنوان المجموعة الشعرية وهذا ما يؤكد مهارته في اللعب.
    مرة
    حاولتُ أن أجرّب خدعة قديمة
    بأن أدخِلَ يدي في جيبي
    فتخرجَ بيضاء..
    كان الأمرُ سهلا
    لكنني تمنيتُ لو أني لم أفعل
    فلقد خَرجتْ حشودٌ خلفي
    نساءٌ يتبركنَ بثيابي
    بائسون يطالبونني أن أنتصفَ لهم
    موتى يرغبون بأن يعودوا شبانا
    خائبون، وجناةٌ، وتائباتٌ
    كأنَّهم كانوا ينتظرونني
    منذ ألفِ عام..
    هنالك توق دائم إلى ابتكار صور شعرية متلاحقة في نسيج النص، ويكتسب هذا الاشتغال قوته وحضوره من تمرده على الأصول الشعرية القابعة في قصيدة العروض والتفعيلة، ومن السهل جدا على من يقرأ نصوصه أن يكتشف انعتاقها من قيود الموروث الشعري لغة وبنية وأسلوبا، فهو حريص في لغته على أن تتحرر من كسلها وخوفها من الانفصال عن ماضيها، وأن تتخلى عن ركوب الخيل والجمال وتغادر الخيمة والصحراء، لتقطع الشوارع وتتسلق الجبال بدراجة هوائية.
    لو كانت الحياة دراجة هوائية
    لا تقنت قيادتها بلا معلم
    عندها ستكون لي هوية واضحة
    انطلق بها بين جبال
    ووديان
    وغابات
    أبحث عن شجرة
    كنت واحدا من أغصانها
    قبل أن تقطعني فأس في لحظة عابثة.
    الانشداد إلى الذات
    الشاعر لن تكتمل تجربته، إذا لم تكن له رؤية ذاتية إزاء العالم، يعبر عنها من خلال خياره الشعري، ولن يأتي بجديد إذا كانت رؤيته الفنية تخضع لوظيفة تتوحد بها مع صوت الآخرين، ولأجل أن يمسك بمفاتيح التجربة الشعرية، ويكتشف جمالها المخبوء في الأعماق المجهولة، عليه أن يملك جناحي طائر، وبقدر ما يحرص الشاعر سلطان على أن ينتمي برؤيته إزاء الشعر والحياة، إلى وجوده الواقعي، إلا أنه أشد حرصا على أن لا ينتظم في صفوف الفوضى التي تعج بها المدينة الحديثة، ولا ينضوي تحت أغطيتها الثقيلة، لأنها بالنسبة له قمع آخر لا يقل سطوة عن عبء الماضي وحمولاته، ولعله هنا يلتقي مع جذوة الفنان في توقه إلى أن يكون في عالمه الخاص، منعزلا عما حوله، ومحتفيا بذاته التي لا يكتمل حضورها إلا إذا كانت مشدودة إلى ذاتها.
    الحفلات لا تناسبني
    أفضل الجلوس أمام مدفأة
    أقلب أحلاما تيبست أصابعها من البرد
    أو أبحث في كتب قديمة
    عن صيادي أفكار ومسرات سهلة المنال.
    لا أغالي إذا ما قلت بأن نامق سلطان يخرج عما ألفناه في سياق الكتابة الشعرية العراقية، وهذا الانحياز في التفرد، أفترِضهُ كامنا في قدرته على اكتشاف الجمال الأخّاذ غير المحسوس في ما حولنا، بما يلتقطه من تفاصيل صغيرة، وهي تنسرب في حشد من الأحداث اليومية، بدون أن نلتفت إليها وإلى ما قد تحمله من دلالات مخزونة في صورتها العادية، فنحن أمام شاعر يضعنا أمام تجربة تدفعنا إلى الاعتقاد بأن كل شيء يمكن للشعر أن يخترقه بضوء لغته، التي تتأمل الأشياء أكثر مما تخاطبها، لغة تختزل الحكايات والتواريخ بمفردة، وهذا هو جوهر الشعر الذي لا ينازعه عليه فن آخر. ومن اللافت أن لا تستثير هذه التفاصيل ذائقتنا الجمالية عندما نمر بها في تشعبات الحياة، إلا انه يقتنصها قبل أن تهرب وتنصهر في الزمن، كما لو أنه مصور محترف يستعمل عدسات زووم، لها القدرة على أن ترصد رمشة العين عندما يشعر الإنسان بسعادة داخلية.
    ما الذي يحملهُ الرجلُ السعيدُ برأسه؟
    أسأل نفسي يوميا
    كلما رأيتُهُ في الصباح ذاهبا إلى السوق
    وعائدا برغيفي خبزٍ، وابتسامةٍ طافحةٍ
    كأنها عبيرُ امرأة يطوفُ حوله
    حتى أظن أن شيئا ما يرقصُ في داخله
    فأقدامُه تترك آثارا وردية
    على التراب.
    نصوص هذه المجموعة بما تنطوي عليه من تعالق فني مع الواقع الإنساني، كان هاجسها التقني اللعب في مساحة من المفارقات الإنسانية، ربما لا تستوعبها إلاّ بنية قصيدة النثر، وفي سياقها العام تأتي منسجمة مع المسار الشعري الذي تشكلت عناوينـــه، خلال ثلاثـــة عقـــود من الكتـــابة الشعرية، كان نامق سلطان قد اجترحها، والتي تعكس وعيا حادا باللحظة الراهنة التي يعيشها الشاعر، وما يسعى إلى تأكيده من رؤية إزاء مفهوم الشعر الحديث وبحساسية جديدة .
    سلطان الذي يقف عند عتبة العقد السادس من عمره سبق له أن أصدر عام 1995 مجموعته الشعرية الأولى «أقحوانة الكاهن» عن اتحاد الأدباء في نينوى، وفي عام 2016 صدرت مجموعته الثانية «ترقيع الأمل»عن دار مومنت في لندن. وفي عام 2019 صدرت مجموعته الثالثة «مثل غيمة بيضاء».
    أما الرابعة «قريبا من الأرض» التي هي موضوع مقالنا، فقد صدرت مطلع شهر أغسطس 2020 عن دار نون للطباعة والنشر والتوزيع في مدينة الموصل.