يبدو أن سطورعمودي المنشورة-هنا- في ربوع هذه الصفحة في الثلاثاء الماضي(22/ آيار الجاري) قد زخت مطرا من نار وحنين أثلج وأوجع قلب الكاتب الدرامي الكبير(صباح عطوان)في ذات الشوق والخشوع الذي يسكن روحه ويحتل جوانحه، بعد أن فرغ من قراءة عمودي المعنون اليه(صباح عطوان..
مع خالص الإمتنان) وقبل ان أتحفكم بروعة و لوعة محتوى الرسالة الرائعة، البليغة، العميقة، المتواضعة النبيلة التي وصلتني منه، من(لوبيك/أوترخت/هولندا) حيث يقيم هناك، وقبل ان أكرر دعوتي- مجددا- لافتا أنظار من بيده مفاتيح فتح أبواب عودة عقولنا ومبدعينا الى عراقهم الأبدي، وبما أن الصداقة هي العاطفة الوحيدة التي لا يستهلكها الزمن، أشتهي أن أقول ما قاله الشاعر العراقي الكبير(سركون بولص) الذي مات في جحيم الغربة قبل أكثر من عامين: (الصديق هو أقرب الطرق الى الوطن). واختصارا لسطور إجتزأتها-اضطرارا- وانصياعا لتعليمات النشر بواجب حصر عدد كلمات مساحة هذا العمود بما لا يتجاوز الـ(400) كلمة، أعيد نشر ما ستسمح به تلك المساحة من رسالة(عطوان) راجيا افساح مجال أكثر مما متاح من أجل بلاغة وعمق روح المبدع(صباح).
(تلقيت رسالتكم، وقرأت مقالتكم.. فأشكركم على حسن ثنائكم، وطيب خصالكم، عن كريم شعور، قد لا اكون مستحقا له، أو ان اكون به جديرا.. كما أحيي جميل مدح، مقدراعاقبة تقييم رفعتموني به، فصارت تلك دينا وذمة، ما خلتني قادرا على ان أفيه يوما..ذلك بسبب ما انا فيه من شحوب في اليراع، وقصر في الباع، وقلة في المتاع.. إذ لا اجدني ياحسن ياعبد الحميد قد شبخت عبر ناصية الطريق، ولا اراني قد إحتضنت شهقة الغريق، فلازال حجمي رقراقا هجينا كزهر البرقوق البري، وكل ما يخيل لعزيز مجامل اني انجزت في زمن ما..في حيز ما فهو ليس سوى مخاض يسير، ووليد صغير..وكل ما تطاولت له مع التخوم نفسي كي تنال ماكان سوى غصن هفيف رطيب.. وجل ماحققت، كان خبطا بعشواء لمعشي بليل.. لكني مع هذا التمس لنفسي العذر فأقول. .حسبي من دهري مايقسم.. فيشهد الله أني جاهدت ما بوسعي، في ظروف غير ما اتمنى من ظروف.. وإمكانات وقدرات، هي ليس التوائم الملائمات.. فأدليت للضعن المسوم حيث إعتازني دلوي.. ونافحت فأدليت في ضوء نخوة الرجال، للمستعين جذعي، واحنيت مرغما للنوازل ما إستطعت للمفاخر لا المذاخر رأسي.. فبمحتوى هذا احسبني ما كنت أغرف للضامئين ــ لشحة الأمكانية والقدرات المكملة ــ سوى خضاضة..
وماخلتني يوما بزت فشلي ففعلت.. لكنها تفعل فعلها دوما وكل حين.. لقد فعلت مابوسعي في محيط جدب.. بذرت الخصب في الملح ياحسن وانت تعرف الحال…. فانجب..لكن..اي انجاب.. انها الأيام ياحسن..فهي تداولنا فتعتصر احشاءنا، فتحلب منا القديد قبل الوريد..
فإن كان الفقير لله مكاتبك قد احسن في موضع ما يوما.. فلنحتسبها (صواب أعمى وطاح بأرنب).. أو شاردة فلتت من قانص.. وإن كان قد سعى، فأنه قد أخفق، وما أكثر رصيده من ضياعاته.. لذا أيها العزيز، أصدقك القول.. ما كان عشمي يوما مجدا، او شهرة، أو جاها.. فهذه تفاليس فوق أرض الواقع.. ولعلها فواتير خطيرة.. قد تأكل المرء وتقرض اسرته.. كما ارادوا خيبهم الله.. لكنها صبابة الآفاق المنورة ياحسن..الأهداف الغامضة التي تجتذبنا بقوة الفيزياء اليها كالثقب الأسود.. بذا فلا اعرف عن انني لويت نحو الأهداف البينة عنق بعيري، وتوجهت روحا وقلبا ويراعا الى مصيري، فصبوت، وركضت، ولهثت، وبكليتي عدوت مغامرا ساعة، مكبوا مرغما اخرى.. لكنني وأمثالي من ضعفاء القوم نظل نحلم، ونطاول ونصاول، لننسج بمخالبنا الضعيفة جسورا الى الشمس..وغالبا ما ترانا نفرح بالفجر الكاذب، أو يوهمنا الوميض ..
نظل نتباهى بوهج الكلمات، بل ويصعد الماء اللازوردي فوق رؤوسنا نشوة حين يغمرنا الغرور لإستحسانكم وإطرائكم لمنجز متواضع حققناه..او يفعم ذلك تشجيع من اهلينا حيث هم.. وحيث كنا.. وهذا لعمري أكسير للحياة نافذ.
أخوك/صباح عطوان