في تزامن يثير الكثير من الأسئلة المنطلقة من شكوك حقيقية، ظهرت عدة حركات حملت معها الكثير من الألغاز والاحاجي والشبهات حول دوافعها وأسباب ظهورها ومنطلقاتها، وأهدافها وغاياتها… وبرغم أن ما بذل عليها وما سخر من اجلها وما انفق في سبيلها، كثير وكبير ومتعدد غير أن المتلقين من الناس، تعاملوا معها بحذر شديد قائم على الشك والريبة والشبهة ولم يكن ذلك في غير محله، بل لقد برهنت التطورات والزمن، صدق الحكم على هذه الحركات بالانحراف، فالماسونية والوهابية والبهائية، شكلت عبر ظهورها، ظواهر بارزة وواضحة مغرقة بالأهداف والأفكار المخربة والمدمرة للمعتقدات الإلهية والتوجهات الإنسانية وصنعت لأهداف وغايات ومرامٍ تخدم أجندات معلومة لجهات مفهومة ومعروفة.
وسنتناول في بحثنا هذا البهائية، على أننا سنتصدى في محاولات بحثية أخرى للماسونية والوهابية وما طرأ عليهما من تجديد وترميم وإضافات.
لقد أثارت وتثير البهائية الكثير من الفضول وحب الاطلاع والاهتمام الناجم عن الرغبة في المعرفة والاستزادة بالعلم والدراية الحقيقية لهذه الظاهرة التي اعتبرها البعض “ديناً” فيما نفى البعض الآخر ذلك مبينا بالأدلة والبراهين القانونية والعلمية لا دينيتها، وإنها مجرد حركة وضعية من عمل البشر.
ورغم أن الذين تناولوا هذه القضية كثيرون، وبذلوا جهودا مضنية من اجل الوصول إلى ما يؤدي إلى إشاعة المعرفة بالبهائية وإزالة كل لبس او غموض.. فان ما حققته في هذا البحث الاستقصائي فات على الكثيرين من السابق واللاحق.
لقد حاولت جهدي إظهار العلاقة السببية والسياسية والأيدلوجية بين هذه الحركات الثلاث، في الترتيب والتكوين والية العمل والأهداف الآنية والمستقبلية والخلفيات التاريخية من خلال أيجاد خيط يتلمسه القارئ الكريم من خلال الربط بين المضامين والشكليات والأهداف.
البابية
ترى هي البهائية او البابية..؟
البهائية صنيعة وضعية استمدت اسمها من “الباب” وهو علي بن محمد بن ميرزا محمد رضا البزاز، لقب نفسه بـ”الباب” تدرج في التفسيرات والتعليلات منذ أن بدأ بإظهار توجهاته ومفاهيمه رغم انه حاول في البداية أن يخفي جزءا مهما من غاياته ومراميه وخصوصا ما يعنيه وما يقصده بـ ” الباب ” مستخدما أسلوب التدرج حيث ادعى في البداية انه يقصد في الباب، الأمام المهدي المنتظر، وقال انه أراد بالباب “العلم” آخذا من الحديث النبوي الشريف “إنا مدينة العلم وعلي بابها”، ثم قال انه أراد به “الدين” باعتبار أن لا مدخل للدين الا من جهته هو.. إلى أن وصل به المطاف حد التحريم على إتباعه طلب العلم إلا من كتبه، وجعل لنفسه ألقابا غير ” الباب” منها:
“النقطة” و “الذكر”
ولد علي في أول محرم سنة 123 هجرية-1820 ميلادية من أبوين إيرانيين، وتوفى والده قبل فطامه، فنشأ في حجر خاله الميرزا علي الشيرازي شقيق والدته المسماة خديجة وعنى خاله بتعليمه، فتعلم اللغة العربية تعليما بسيطا، فيما تعلم العبرية على نحو أفضل كما تعلم النحو الفارسي وبرع في الخط إذ صرف جهده إليه ثم ادخله خاله عالم التجارة وأخذه إلى مدينة “أبو شهر” على الخليج العربي فاتخذا لهما محلا في الوكالة المسماة، سراي الحاج عبد الله، وكان ذا ميل واضح لتعلم التعاليم الروحانية وكثيرا ما كان يختلي بعدد من العاملين في التجارة والبحر. وكان من بينهم شخصية لا تثير الانتباه يغيب كثيرا في نجد وحفر الباطن في الضفة الغربية من الخليج حيث كان يلتقي بالشيخ محمد عبد الوهاب وبالأمير محمد آل سعود وبعدد من الانكليز وكان عبد المعين التميمي وهذا هو اسمه يدعي صلته بمحمد عبد الوهاب بحكم كونه ابن عمه.وتذكر مجلة المرشد العراقية لهبة الدين الشهرستاني في عددها الصادر في 22 / كانون الأول/ 1922.وكذلك مجل لغة العرب للأب انستاس ماري الكرملي في عددها الصادر في 14 / 7 / 1911 أن “علي” هذا كان يتردد على البصرة والدرعية والكويت وله فيها أصدقاء ومعارف.ويقول المطلعون على تفاصيل حياته في تلك الفترة كما تذكر ذلك مجلة الإيمان اللبنانية في عددها الصادر بتاريخ 18 / 1 / 1964، انه عكف في مدينة بوشهر على الخلوات الرياضية الروحية فكان، يصعد على السطح في حر الظهيرة إذ تبلغ درجة الحرارة أكثر من 60 درجة مئوية مكشوف الرأس ويمكث بضع ساعات معرضا رأسه لأشعة الشمس المحترقة فإصابته بعد ذلك نوبات عصبية فعظم ذلك على خاله فزجره فلم ينزجر فأرسله إلى العراق لزيارة العتبات المقدسة لعله يشفى مما به وكان قد بلغ العشرين من العمر.
في العراق بدأت المرحلة الجديدة في حياة ” الباب ” او كما يقول خصومه والباحثون في خلفيات البهائية وارتباطاتها بداية التنفيذ الفعلي والعملي لما حصل عليه من “تعليمات” و”مفاهيم” وصنعت له من الاستخبارات البريطانية والشبكات الصهيونية والتحالف الوهابي السعودي الذي بدأ للتو ينشط باتجاه التطهير المذهبي للشيعة بشكل خاص والمذاهب الإسلامية الأخرى بشكل عام.أقام “الباب” في العراق أربع سنوات وستة أشهر على رواية مؤرخي إيران وخمسة أشهر على رواية البابايين، حيث استمر على عادته في ممارسة الرياضة الروحية والعبادات وكان يحضر درس السيد كاظم الرشدي في كربلاء المقدسة، ويسمع أقواله وشروحه ويستفهم عما ربهم عليه منها ثم ذهب إلى مسجد الكوفة مع بعض معارفه، فاعتكفوا هناك أربعين يوما وبعد رجوعه، لوحظ عليه انه تغير في أسلوب طرحه للقضايا، حيث ظهر بمظهر المخالف والمعارض للكتاب والسنة فعزلوه وعنفوه ثم قاطعوه فتأثر به عدد قليل من المحيطين به وهم ثمانية عشر رجلا سماهم “حي” وهي في حساب اللغة الأبجدية ثمانية عشر وهو التاسع عشر فجعل هذا العدد مباركا وبنى عليه أحكاما.
لقد بدأت فصول الأمر تبرز تباعا من غير اكتراث فعلي من قبل الآخرين الذين ذهبوا في محاولات تتسم بالغضب والحدة، من دون جدوى، فـ”الباب” مضى مدفوعا بالتشجيع والتحويل الواضح والمستتر يقيم العلاقات ويؤسس الصلات ومع ذلك أدرك أن بقاءه في كربلاء والنجف لم يعد أمينا.. خصوصا بعد أن أسفر عن حقيقته بشكل لا يقبل اللبس أو الاجتهاد بحيث لم تعد تقولاته وأحكامه وشرائعه تندرج في خانة الاجتهاد المسموح به في أوساط البحث والدرس، بل بدا منه ما يفيد الكفر والزندقة والخروج، عن أحكام الدين الإسلامي الحنيف بشكل كامل من هنا كان لابد من حصول إجماع في الحكم عليه فتبرأ منه علماء الشيعة وكفروه وكذلك علماء السنة.. وعقدت الجلسات العلمية وصدرت الفتاوى والتعقيبات والتعليقات لتحليل ما جاء به من “الباب” وما ادعته أقوالهم وكتبهم وشعاراتهم غير أن ذلك لم يفت في عضده، بل استمر في نهجه بتنفيذ خطته المعدة سلفا فادعى انه صاحب شريعة وانه انزل كتاب سماه “البيان” وقال في كتاب أصدره تحت عنوان “أحسن القصص” الذي جعله في تفسير بعض الآيات ما نصه “إني أفضل من “….” وقراني أفضل من “….” وإذا قال “……” بعجز البشر عن الإتيان بسورة من سور القران فانا أقول بعجز البشر عن الإتيان بحرف مثل حروف ” البيان ” ويمضي في أكاذيبه وتحرضاته وادعاءاته الموحى له بها من شياطين الماسونية والصهيونية والوهابية فيقول: ان “….” كان بمقام الألف وأنا بمقام النقطة فهل يمكن أن تقرأ الكلمة من دون نقطة.. الشيخية والبابية للشيخ محمد الخالصي ـ ولم يتوقف عن هذا الحد بل استمر في تصعيد هجومه العدواني للنيل من مكانة الإسلام وخاتم النبيين فادعى انه خالق الخلق وانه ليس نبيا عاديا أو بسيطا، بل هو كما زعم متشخص للإلهة مفتاح باب الأبواب ـ وأرسل دعاته إلى إيران وغيرها وشرط عليهم الكتمان وعدم البوح باسمه حتى يكون هو الذي يظهره، فذهب ـ ملا محمد علي المازندراني وملا صادق الخراساني- الى كرمان لدعوة اهلها ودعوة الحاج محمد كريم خان قاجار وهو من العائلة القاجارية المالكة، فرفض الدعوة وأعلن كفر البابية وألف كتابا كرسه لتوضيح بطلان البهائية وما جاء به الباب، فمقته البابيون مقتا شديدا وفيه يقول البهاء: “أذكر الكريم إذ دعوناه إلى الله انه استكبر بما اتبع هواه بعد إذ أرسلنا إليه ما قرت به عين البرهان في الإمكان.. انه ولي مدبر إلى أن أخذته زبانية العذاب عدلا من الله إنا كنا هدين”.
واظهر الباب عزمه على السفر إلى مكة لأسباب بقيت مجهولة. أن ما ترشح عن تلك الرحلة يفيد بأنه حضر في الدرعية لقاء او اجتماعا ضم عددا كبيرا من الماسونيين واليهود والوهابيين وكان معه ثمانية عشر رجلا من أتباعه وأبحر على سفينة شراعية بعد انتهاء اللقاء في الدرعية وكادت السفينة أن تغرق فلجأ إلى بوشهر ويشكك الشيخ الخالصي في الرحلة وفي أسبابها ونتائجها وفي الوقت الذي كان “الباب” يواجه أهل بوشهر الغاضبين عليه وعلى انحرافه كانت مدينة تبريز تعيش ثورة حقيقية عصفت بمبعوثيه حيث شرع واليها حسين خان المراغي التبريزي بهاجمة المبعوثين مع الناس وأمر بقتلهم بعد إلقاء القبض عليهم فتم قتلهم في شهر شعبان 1261 هجرية ـ 1845 ميلادية، الأمر الذي حمل الباب الذهاب إلى تبريز متخفيا عسى أن يتمكن من الثأر من الوالي، فوجد الأوضاع في تبريز على غير ما كان يأمل ويتوقع فعلماؤها غاضبون والناس ناقمون فوجد ملجأ يختفي فيه.. وهناك ألف كتابه “البيان” وجعله كتاب الشريعة والأحكام وفيه الكثير من السجع العربي وبعض الفارسي إلا أن النفس العربي ملحوظا، فلما سئل عن ذلك قال: “إن الحروف والكلمات عصت واقترفت خطيئة في الزمن الأول.. فعوقبت على خطيئتها بان قيدت بسلاسل الأعراب وحيث بعثنا رحمة للعالمين فقد حصل العفو عن جميع المذنبين حتى الحروف والكلمات، فلتذهب حيث شاءت من وجود اللحن والغلط” ـ دائرة المعارف ـ.
غير أن والي تبريز استدل على مكانه فأرسل إليه، ولاطفه وأكرمه واستدرجه بان اظهر تصديقه ووعده النصر بالسيف فانخدع الباب وسر سرورا عظيما ووعد الوالي بأنه سيجعله سلطانا على المملكة العثمانية يوم يملك الأرض فطلب إليه الوالي أن يكف عن الدعوة حتى يتهيأ له أعداد القوة لـ”الجهاد” فصدق المشورة في وقت بدأ الوالي يعمل على جمع علماء المسلمين في تبريز، طلب منهم إصدار فتوى بحقه، وفعلا حصل اجتماع ضخم، طلب الوالي من “الباب” أن يقدم اجتهاداته وآراءه وأفكاره في قرطاس مكتوب وبعد تردد وتوجس لم يجد الباب أمامه غير ما طلبه الوالي فقدم ورقة مكتوب فيها عدة اسطر باللغة العربية على سبيل المناجاة كثيرة اللحن والغلط سقيمة التراكيب غثة المعاني، فأخذها العلماء واظهروا عيوبها وضآلتها وضحالتها فاعتذر بأنه لم يتعلم وان ذلك الهام ووحي، فأفتى بعض بجنونه وبعض بقتله فأمر الوالي بضربه وسحبه فضرب ضربا مبرحا فاظهر التوبة والرجوع الى الهدى فكف عنه وأمر بأخذه مشهرا إلى المسجد وفيه جماعة من العلماء فصعد المنبر واعلن بطلان ما كان يدعيه والندامة على ما فرط منه ثم ادخل السجن ومنع من الناس.. بيد أن انتشار الكوليرا في المدينة، أنقذه، حيث استغل الفرصة السانحة، فهرب الى أصفهان وفيها عاش على عهد واليها منوجهر خان بسعادة وحرية، لكون هذا الوالي كان حديث العهد بالاسلام وهو مملوك كرجي، غير أن وفاته (جلبت) للباب المآسي ثانية، حيث ارسله من خلف منوجهر الى طهران التي بادرت بنفيه الى قلعة “جهريق” بمدينة ماكو القريبة من مدينة بايزيد العثمانية في ولاية اذربيجان، ومن هناك طلب من أتباعه القيام بالتمرد والعصيان ويجهروا بأدائه وأفكاره وطروحاته واول من لبى طلبه ملا حسين بشرويه الخراساني بخراسان والملا محمد علي البارفروشي وزرين تاج “التاج المذهب” المعروفة بقرة العين بمازندران وطبرستان وجيلان.وكان لملا حسين منزلة كبرى عند البابيين وهو ممن أجاب دعوة الباب لما كان في شيراز وسماه “باب الباب” واطلق عليه لقب المبشر والوزير وهو الذي يقول فيه البهاء: “لولاه ما استوى الله على عرش رحمانيته ولا استقر على كرسي حمدانيته” فجهر ملا حسين بالدعوة ومعه ملا صادق الخراساني وتبعهما جماعة فعقدوا أعلاما سودا ليطابقوا حديث طلوع الرايات السود من خراسان وجمع الملا حسين 313 رجلا ليكونوا عدة أهل بدر فقام الناس إلى حربهم فتحصنوا بمقبرة الشيخ الطوسي في ولاية مازندران وبذلوا جهودهم في تحصينها ووفد اليه البابيون من كل حدب وصوب وهو يعدهم ويمنيهم بالملك والسلطان غير ان سلطان ايران ناصر الدين شاه ارسل اليه حملة منظمة فقتل ملا حسين وقبل أن يسلم الروح أوصى أصحابه بطاعة ملا محمد علي البارفورشي الملقب عند البهائيين بالقدوس، فواصل القتال ضد الحكومة، التي ارسلت اليه حملة جديدة بقيادة سليمان خان افشار فأصلاهم بنار حامية كان من نتيجتها هزيمة ساحقة للبهائيين ووقوع ملا محمد علي بالاسم، فقدم للمحاكمة وحكم عليه بالاعدام واحرقت جثته وجثامين اصحابه.واما قرة العين وتلقب عند البابيين “شمس الضحى وبدر الدجى وصديقة طاهرة” فهي بنت ملا صالح القزويني احد علماء وقته وكانت من أجمل نساء عصرها.ودراسة سيرة قرة العين توضح على نحو لا يقبل الجدل الجذور الماسونية والصهيونية، لدعوة البهائيين فقد أظهرت قرة العين أمرها وجوهر دعوتها فقالت بضرورة رفع الحجاب وأعلنت صحة تزويج المرأة بتسعة رجال دون أن توضع لماذا تسعة بالذات!! فاجتمع حولها جماعة من الشاذين، فأفتت بمقتل علماء الدين ففتك رجالها بعمها وهو قائم يصلي في المحراب وهاج المسلمون فخرجت خائفة غير أنها لم ترتدع عن غيها فنادت باسم الباب وقالت بنسخ شريعة المصطفى صلى الله عليه واله وسلم دون أن تعطي البديل بل هي قالت أن شريعة الباب لم تصل اليهم بعد، فهم في زمن فترة لا تكليف فيها ولا أمر ولا نهي ومن قولها ما ترجمته “فاخرجوا من الوحدة ومزقوا الحجاب وشاركوا النساء بالاعمال وواصلوهن فما هن إلا زهرة لابد من شمها لأنها خلقت لذلك”!!
قرة العين عارية
وفي مازندران التي هربت اليها مع الملا محمد علي البارفروشي “القدوس” عرف الناس فيها بقدومها إلى مدينتهم فهبوا هاجمين عليها، فأخرجوها مع صاحبها من الحمام عاريين، ليتم القاء القبض عليها، فتم ربط شعرها بذنب بغل جرها الى المحكمة التي صدرت حكمها عليها، بالموت فقتلت واحرق جثمانها وكان ذلك في شوال عام 1264 ـ 1847 م، ويقول العلامة الآلوسي في بغداد ان الذي لقبها بقوة العين هو السيد كاظم الرشتي في مراسلاته لها وقال انها قلدت الباب بعد الرشتي ثم خالفته في عدة اشياء منها التكاليف، فقيل انها كانت تقول برفع التكاليف بالكلية، ويضيف العلامة: وأنا لم أحس بشيء من ذلك، مع انها بقيت في بيتي ـ اي بيت الالوسي ـ شهرين وكم من بحث جرى بيني وبينها رفعت فيه التقية وقد رأيت فيها الفضل والكمال ما لم أره في كثير من الرجال وهي ذات عقل واستكانة ومزيد حياء ورصانة ”
ولا يحفى ان اجتماعها بالالوسي كان قبل اظهار امرها واعلان دعوتها وتشير العلامة الالوسي في مصنفاته الى ان قرة العين قد قدمت الى العراق جمع بعض خواصها ونزلت في بيت الالوسي الذي رحب بها وحاورها وساجلها، ثم قفلت راجعة إلى بلادها بأمر السلطان عبد المجيد سلطان الدولة العثمانية، الذي وصلت إليه معلومات مفادها أن قرة العين تتصل ببعض العلماء سرا وجهرا وتروج لأفكار فيها شيء من “الزندقة” كما ذكرت ذلك مجلة ” المرشد” العدد الثاني السنة الثانية عام 1921 وكنت قد سمعت من بعض شيوخ العراق ممن عايشها وخصوصا البعض ممن كان قريبا منها عندما كانت في كربلاء أن قرة العين ادعت الوحي وان بضع وريقات مما كتبته بخط يدها قد جيء به إلى النجف بعد قتلها وقد اطلعت عليها في عام 1966 في مكتبة الإمام علي بن أبي طالب.
محاولة اغتيال وقتل الباب
لقد شهدت السنوات ما بين 1845 ـ 1870 العديد من الثورات والتمردات البابية بيد أن ايا منها لم يحقق سوى المزيد من النكسات للبهائيين وكان أبرزها محاولة اغتيال ناصر الدين شاه في عام 1268 هجرية ـ 1850 ميلادية، حيث استطاع الشاه التصدي للكمين الذي نصبه البهائيون فتم قتل جميع اعضاء الكمين، وانتقلت عمليات القتل والسحل والإبادة على المستوى العام، حيث تم تعقب البابية حتى خمدت نارهم وهدأت شرتهم، عندما وصل الأمر إلى الباب الذي كان حتى هذا الوقت قابعا في السجن في قلعة جهريق حيث طلب ناصر الدين شاه من والي تبريز ان يحصل على فتوى من العلماء بقتل الباب فخضع الوالي للأمر، فعقد مجلسا من العلماء واحضر الباب فسأله عما يوحى اليه فقرا عليهم بعض سور بيانه ، فامر الوالي بان يكتب ما قرأه، ثم انتقل الى حديث اخر ثم فاجأه بسؤال: هل يمحي الوحي من ذهن الموحى اليه ما اوحى به اليه ؟ فقال: لا، فقال الوالي : اتل لنا ما تلوته منذ ساعة، فأعاده وفيه تغيير وتبديل كثير ثم اختبروه بغير ذلك ثم تشاوروا فحكموا بقتله في صبيحة يوم الاثنين لثلاث ليال بقين من شهر شعبان 1270 هجرية ـ 1852 ميلادية، حيث افتى بقتله الملا محمد الحمقاني رئيس العلماء الشيخية. اخذوا الباب حافيا حتى إذا بلغوا به ميدلن “سرب ازخانه كوجك “وفيها من الجنة ثلاثة أفواج “طوابير” وبين هذه الطوابير حصلت المفاجأة “الصدفة” .
صدفة تخلق فتنة
عندما نتتبع حياة البهائيين، نجد انهم يعتمدون على الصدف في خلق هالات تحيط بأسمائهم وشخوصهم وليس ثمة صدفة اشد وضوحا من تلك التي حدثت اثناء تنفيذ حكم الاعدام رميا بالرصاص بـ”الباب” حيث فوجئ الناس بعد ان تجلى الدخان المتصاعد من البنادق التي نفذت عمليات الرمي، بان “الباب” غير موجود في الموضع الذي تم ربطه به بواسطة حبل متدل من اعلى السقف وعندما هاج الناس، وماجوا وكاد الامر يصل الى الانفجار، لو لم يسارع الجند الى البحث عن “الباب” في اقبية القلعة ودهاليزها حيث تم القبض عليه وإعادته الى مكان الذي كان فيه، وجلية الأمر أن الحبل الذي كان مربوطا به انقطع بفعل إحدى الإطلاقات التي أصابته.ويقول البابويين، ان جثة “الباب” قد تم نقلها إلى حيفا في فلسطين حيث أقيم له قبر في “قصر الباب” بسطح جبل الكرمل وتولى الأمر بعده ميرزا حسين علي بن ميرزا عباس الملقب بـ”البهاء”. فمن هو البهاء؟ وما هي قضية وموقعه بالنسبة للبهائيين؟… وما هي مكانته بالنسبة للآخرين من صهاينة ووهابيين وماسونيين وغيرهم..؟ هذا ما سنتناوله في الجزء الثاني من هذه الدراسة.