العقل السياسي المنفذ هو من يجيد فن استعمال الملفات والعقل السياسي المؤسس هو من يجيد صنع الملفات .وهذا المستوى من الفهم السياسي هو الذي يجعل السياسة رياضيات المشكلات المستعصية , مثلما يجعلها رياضيات الحلول الممكنة ليس في السياسة فقط وإنما في الاقتصاد والاجتماع .
واصطلاح الملفات يبدأ تحضيره قبيل حدوث الأزمة , وفي أثناء حدوث الأزمة , وبعدها , وهذا هو البعد الرياضي في العقل السياسي .
والأمة الناجحة والشعب الناجح والحزب الناجح والدولة الناجحة هي من تمتلك العقول الرياضية في السياسة.
والعقول الرياضية في السياسة هي التي تمتلك القدرة على صناعة وإدارة الملفات.
ولتقريب المعنى في فهم الملفات السياسية وبطريقة العقل الرياضي نقول بإيجاز :
كان ملف الدعوة الإيمانية إلى الله أيام النبي إبراهيم ناجحا باستعمال “ الاستقراء “وسيلة لتجاوز الجمود العقلي وذلك باستقراء الظواهر الكونية عبر كل من: النجوم, القمر, الشمس ثم التركيز على خواء وعدمية الأصنام المعبودة في ذلك الزمان.
ثم كانت إدارة الملف الاقتصادي من قبل يوسف النبي لتجاوز حالة الجفاف والقحط هي التي جعلته محبوبا من قبل الناس مثلما جعله ملف التأويل والاختبار الجنسي وامتحان السجن مقبولا عند فرعون مصر ليتغلب وينتصر على ملف الكهنة ومعبد أمون .
ثم كان ملف الدعوة الإسلامية بقيادة رسول الله محمد بن عبد الله “ص” ناجحا في مواجهة ملفات كفار قريش ومشركي العرب عبر تجاوز حصار شعب أبي طالب, وعبر ملف الهجرة إلى الحبشة واستمالة الملك النصراني العادل, وعبر ملف الهجرة إلى المدينة والنجاح في ملف المجتمع المدني ثم العسكري من خلال المهاجرين والانصار وملف المؤاخاة بينهم كان يمثل ذروة العقل الرياضي السياسي لإدارة الأزمات بعيدا عن المعجزة التي يؤمن بها وينتظرها ولكن بعد بذل الجهد وأعمال العقل .
وكان الإمام علي بن أبي طالب ناجحا في تجاوز محنة الشورى والبيعة في الخلافة عندما نظر إلى المصلحة العامة من خلال الحرص على تنظيم المجتمع والدولة عندما قال: “ اتركوني كأحدكم أكون أطوعكم وأسمعكم “ حيث جمع مفهوم الشورى إلى مفهوم الديمقراطية في الحكم .واليوم تتكدس من حولنا الملفات التي لم نكن نحن من صناعها وتتسابق الدول إلى سياسة إنتاج الملفات, ونحن لم نستحضر العقول الرياضية في التعامل مع الملفات : السياسية والاقتصادية والأمنية .
ففي السياسة وضعوا لنا ملف الفدرالية ولم نكن نحن من صنّاعه ووضعوا لنا ملف المناطق المتنازع عليها ولم نعرف كيف نتعامل معه فيما بيننا فظل قنبلة موقوتة !
ووضعوا لنا ملف كركوك عبر المادة “140 “ وتركونا نغرق في الاختلاف حوله لغياب العقل الرياضي السياسي الذي يفهم لغة الملفات فيستحضر حلولها وفك طلاسمها ، ووضعوا لنا كوتا المحاصصة فغرقنا فيها بدل أن نجيد فن السباحة في المياه الراكدة والمياه العذبة!، ثم وضعوا لنا ملف النفط والغاز واستثماره فراحت شهية بعضنا باتجاه الربح المادي والثراء السريع على حساب حق الشعب لان الذين تعاملوا مع هذا الموضوع لا يعرفون انه من ملفات اصطياد الضعفاء وقليلي الخبرة الذين من خلالهم تتراكم مشاكل العراق .
ثم خلقوا لنا ملف المليشيات فطمع البعض منا بالقوة الحزبية ونسي قوة الدولة وسيادة الوطن، ثم خلقوا لنا ملف الكهرباء لينزعوا ثقة المواطن بالدولة .
ثم أمعنوا مكرا في فساد الانتخابات ومفوضيتها فأنتجوا لنا مجالس محافظات وبرلمانا لا يعرفون لغة الملفات وكيفية التعامل معها في مستوياتها :
1- السياسية
2- الأمنية
3- الاقتصادية
4- الاجتماعية
وعندما صنعوا لنا ملف الإرهاب بدهاء ومكر لم نعرف خطورة هذا الملف, فبدل من أن نتوحد لمواجهة الإرهاب عدو العراقيين والإنسانية جميعا, تفرقنا واختلفنا, فوضعوا لنا ملف الصحوات على طريقتهم الخاصة والملغومة, لأننا لم نبادر إلى صناعة هذا الملف لعدم وجود العقل السياسي الذي يعرف صناعة وإدارة الملفات.
واليوم عندما تزدحم الملفات الخارجية من حولنا في كل من إيران وتركيا ولبنان وسورية والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت , يتضاعف الحمل علينا حد الإرهاق لأننا لم نحل ملفاتنا الداخلية عبر تسع سنوات, ولم نتعلم صناعة وحل الملفات لأننا أقصينا عقولنا المؤهلة لمثل هذا العمل ورحنا نغالي بالتمسك بخيارات الحواشي والمحازبين وهي خيارات فاشلة.
فالمياه لها ملف دولي وإقليمي معقد وهو يهدد وجودنا وليس فقط سياستنا واقتصادنا ، وملف الإرهاب الذي لم نعرف التعامل معه توسعت رقعته فشمل سورية ولبنان والمنطقة .
وبدأ رصيد الملفات يتعالى ويتضخم على الشكل التالي :
1- الحرب الكونية على سورية من خلال المعارضة التي شوهوا معناها وافسدوا عملها بالمرتزقة العرب والأجانب وبالقتل على الهوية وتخريب الممتلكات العامة والخاصة وخلق الرعب عند المواطنين والعمل بكيدية ومكر لإيجاد مخيمات اللاجئين السوريين التي تعتبر بابا لشهية المخابرات الغربية والإسرائيلية, والسعي المستميت لإيجاد مناطق عازلة حققوا شيئا منها في شمال لبنان, ولا يزال ملف حلب ينتظر الكثير من المشاريع .
2- الحرب الناعمة على المنطقة وهي حرب إعلامية بامتياز بينما نحن إعلامنا يتراجع ويصيبه الخمول والشلل بينما العاملون فيه ينشغلون في الايفادات والامتيازات ؟!
3- ومن اكبر واخطر الملفات الاستخباراتية في المنطقة هو ملف السلاح الكيميائي في سورية وملف التفجيرات المصطنع في لبنان الذي أوقعوا فيه الوزير اللبناني السابق ميشيل سماحة ليطيحوا بحزب الله وحلفائه حتى يخربوا لبنان وليحاصروا سورية من خلال اللواء علي مملوك فيكون هذا الملف مع غيره من الملفات سلاحا لمائدة المفاوضات المقبلة ؟ كل ذلك يحدث لأنهم عرفوا عدم قدرتهم على الإطاحة بالنظام السوري عبر ما يزيد عن سنة ونصف السنة من الحصار والمواجهة بكل الوسائل غير الشرعية .