حليم الاعرجي
كلما قرأت أو سمعت، شيئا ما عن الكويت وعلاقتها بالعراق وعلاقات العراق بها، ينتابني إحساس بالألم وشعور بالحسرة، ويتجاوز عندي الإحساس بالغضب حدا يجعلني في كثير من الأحيان رافضا لكل مسوغات استمرار هذه الحالة غير الطبيعية، فالكويت والعراق رضيا بذلك أم لم يرضيا به، شقيقتان ينتميان إلى ثلاثة عصائب مهمة:
الأولى: الأمة العربية
الثانية: الأمة الإسلامية
الثالثة: المجاورة والمصاهرة والقرابة
وهكذا صار لهما ثلاثة حقوق على بعضهما البعض الآخر وقد يضاف حق رابع للكويت هو حق الشقيق الأصغر على الشقيق الأكبر في عالم لم يعد يزن الدول بحجوم عدد السكان والمساحة وحسب، بل وأيضا عبقرية المكان والقيادة الناجحة والثروة واستخداماتها والتقدم العلمي والقاعدة البشرية المتعلمة والمتحضرة وقد أضيف إلى كل ذلك الإعلام، حيث جرى اعتماد الإعلام كأحد عناصر القوة المهمة، وقطر النموذج الماثل أمامنا الآن وطوال الوقت. وحسب علمي المتواضع إن الكويتيين حاولوا وباستمرار الحفاظ على صلاة المودة والمحبة التي تربطهم بالعراق بيد أن ذلك ظل في حدود الأماني للغالبية العظمى من الكويتيين الطيبين، فيما راح البعض من ذوي النوايا السيئة والأجندات المشبوهة من مدعي الغيرة على الكويت يدس السم في الدسم، مظهرا “غيرة” على الكويت المهدد بالتوسع “العراقي” وبـ” الغدر” العراقي وبالعودة الى التاريخ ” الذي ” يذكر بـ ” شبح ” ضم الكويت الى “ولاية” البصرة!! محرضا على استخدام كل ما من شأنه إضعاف العراق وامتصاص فائض القوة المتنامية وخصوصا تحت ظل قيام الحكم الملكي، الذي استخدم كل القدرات المتاحة في عمليات التنمية وامتلاك مقومات المستقبل الواعد للعراق.
لقد ظلت أوهام الخشية من العراق ومن احتمالات امتلاكه للنهوض والقوة والتقدم الهاجس الأكثر سوءا لعدد قليل جدا من الكويتيين، ولسوء الحظ ان هذا العدد القليل كان ومازال يملك قدرة صنع القرار والسعي باتجاه التورط في التآمر العلني او السري على مستقبل وحاضر العراق.. وتشير الكثير من المعلومات المؤكدة والموثقة الى تورط الكويت في قيام الكثير من الظواهر والمظاهر والأحداث التي تسببت في خلق دوامة من الدم والدمار والرماد والخراب ما بين 1858 ـ 2003 وما بعدها بل حتى بعض الأحداث التي وقعت قبل ذلك تعزى الى ” تآمر” كويتي مباشر او غير مباشر فاغتيال الملك غازي، لا تقف الكويت بحسب بعض الوثائق والتحليلات، بعيدة عنه وشاركت الكويت في عدد من المحاولات الفاشلة لإحداث انقلاب ضد عبد الكريم قاسم، وتفهم بأن لها ضلعا كبيرا في انقلاب 8 شباط 1963 الذي أطاح بحكم عبد الكريم قاسم وقد استلم عدد من قادة الانقلاب هدايا نقدية من الكويت، وحصلت الحركات الانفصالية والانفصاليون في العراق، على معونات مالية ولوجستية ومخابراتية، وحاولت جهدها إثارة كل ما من شـأنه تعكير صفو الأمن والاستقرار في العراق.. وظلت القاعدة التي تتحكم بالمنطق الكويتي في إطار التعاطي مع العلاقات بالعراق، ان من اجل “ان تبقى الكويت على قيد الحياة، يتحتم ان يظل العراق ضعيفا قلقا متوترا مكسورا مهددا بالتجزئة وبالحروب الطائفية والعنصرية والدينية والاستنزاف المستمر لإمكانياته وقدراته المالية والاقتصادية والعلمية.
ويشير البعض في معرض الحديث عن البصمات الكويتية المؤذية والمؤسفة، الى “جيش” من رجال المخابرات الكويتيين دخلوا العراق مع الدبابات الأمريكية، حيث تولوا مهمات ” وسخة” ضد الممتلكات العراقية والمؤسسات الرسمية الحكومية، تدميرا وسرقة وبحثا عن أشياء تتصل بالأمن الوطني العراقي.. وبأساسيات البنى التحتية وأرشيف الدولة العراقية والذاكرة العراقية ومحفوظات الأجهزة الأمنية والخصوصيات العراقية بكل تفاصيلها الأمنية والسياسية والمدنية والاجتماعية، وإذا ما وصلت الى ما بعد عام 2003 والاحتلال الأميركي وسقوط الطاغية صدام وصدور حكم الشعب العراقي عليه بالموت جراء ما اقترفت يداه من جرائم مدمرة بحق العراق والكويت ودول عربية وإسلامية أخرى وما تلا ذلك من صدور آلاف الرسائل والمبادرات والتلميحات والتصريحات العراقية المؤكدة لبزوغ فجر جديد متعطش لزمن جديد يشهد ولادة علاقة كويتية عراقية أخوية من جو نظيف من كل النوايا الشريرة والغايات المسيئة والأهداف العدوانية والأجندات المدمرة، جو تزدهر فيه ومن خلاله كل الآمال والأحلام والأماني النبيلة التي قبرتها الأحقاد والشماتة ووساوس الأوهام والظنون السوداء وقصر النظر وسطحية الرؤية وأخطاء التقدير والتوقع، والخلط بين الثابت والزائل، وللوقتي والمزمن والممكن والمستحيل. ليس دفاعا عن الكويت أو الأشقاء الكويتيين، القول “ان من الخطأ معالجة الخلل بالخلل، والمرض بالمرض، فقد كان من الممكن تفادي الوقوع في سياسة، الفعل ورد الفعل، وبالتالي فلا اجد اي تبرير لما حدث في عام 1960، فالإعلان عن عائديه الكويت للعراق تجاهل، مستلزمات تحقيق هذه الدعوة، كما تجاهل، إمكانية دولة صغيرة تملك عائدا نقديا من النفط يفوق ما يحصل عليه العراق ذو السبعة ملايين نسمة في حينها، في عالم ينهض على الرشوة ويلهث خلف سراب القروض والمنح والهبات، وهذا هو الذي مكن الكويت من تشكيل قوات “الليفي” العربية للدفاع عنها بقرار من جامعة الدول العربية..
لقد نهضت كل المشاكل والأزمات وتدهور الثقة المتبادلة والإحساس الكويتي المبالغ فيه، بالخوف من احتمالات “الغدر” على فرضية ليست واقعية وغير واردة في سياق منطق العصر الذي يقوم على ترتيبات دولية وتقسيمات وانقسامات أثنية ودينية وسياسية واقتصادية، فاستقلت دول كانت تابعة لغيرها وانشطرت أمم الى أجزاء وظهرت إلى الوجود دول لم يكن لها وجود قبل القرن العشرين ولو أردنا ان نعيد ترتيب العالم وفق ما كان عليه في القرن التاسع عشر او قبل ذلك، فان ذلك يتطلب حربا عالمية ثالثة.. ورابعة… وربما خامسة بمعنى زوال العالم تماما فماذا سيحصل لو اردات الصين اعادة تايوان اليها بالقوة ولو ارادت سوريا استعادة الاسكندرونة واعادة عربستان الى العراق وإعادة الأندلس الى العرب، واعادة فوكلان الى الارجنتين واعادة يوغسلافيا كما كانت واعادة قبرص الى تركيا واعادة اذربيجان الى ايران واعادة بنغلادش الى الباكستان، واعادة واعادة.. نعم لقد كانت الكويت تابعة لولاية لبصرة بيد ان ذلك قد صار في ذمة التاريخ في ضوء الواقع الذي انبثق في المنطقة بعد أن فرضت خرائطه السياسية معاهدات دولية كرستها انتصارات الدول الغربية الكبرى في حربين عالميتين اثنتين، وكرستها حاجة هذه الدول للنفط الذي قرر تواجده طبيعة الخرائط السياسية في المنطقة، وبحسب الرغبة البريطانية التي كانت هي المحرك الاساسي للاوضاع والاحداث في المنطقة بحكم كونها كانت الدولة الاقوى والاعظم، وكان يمكن تجنب الخوف في مثل هكذا فرضية غير واقعية، والقبول بالامر الواقع كحقيقة يتعامل معها الكثير من الدول التي تشابهنا في الظلم والمغبونية التاريخية.
اذكر ان كثيرا ما التقي باخوة كويتيين في رحلاتي المختلفة خارج العراق.. وفي كثير من الاحيان ادخل في نقاش ساخن معهم.. وغالبا ماتاتي في نتائج هذه الاحاديث، متشابهة من حيث الاقرار باهمية وضرورة ان يحل التفاهم والتوارد والمحبة بين البلدين الجارين، محل الشك والريبة وسوء الظن، واذكر اني قلت لاحدهم وكان على قدر كبير من الثقافة والمكانة الاجتماعية:
– هل ترتاحون وتغمض لكم جفون وترتاح عقول وتسكن نفوس وتهدأ ضمائر وفي جواركم شعب يعاني صنوف العذاب ونقص السيادة والتعدي على مياهه وأراضيه وتلويث الجروح وتعميق القصص من خلال الاستمرار في عمليات تأدية انتقالية لن تميت شعبا او تهجر بلدا او تلغي وجودا.
فرد قائلا وقد فغر فاه وفتح عينيه!!
– كل هذا نحن فعلناه..؟!!
قلت
– بل أكثر من ذلك.. فماذا تسمي الاصرار على اخضاع العراق للفصل السابع والابقاء عليه مرهونا مقيدا مكبلا..؟ هل في ذلك ذرة شهامة..؟ هل التبس عليكم الأمر ام انتم تقصدون ذلك بكل إصرار وتعمد..؟ من الذي ارتكب جريمة الغزو ضدكم.. صدام حسين ام الشعب العراقي اذا كان صدام، فصدام اعدم وقد طواه اللحد منذ سنوات، اما اذا كنتم تعتقدون ان الذي فعل ذلك الشعب العراقي، فما أقبحكم وما أسوأ ما انتم عليه، ففي ذلك اعتراف صريح وواضح بأن القضية شعب تعداده 30 مليون نسمة وليست قضية مزاج شخص.. شعب يستحق المعاقبة من وجهة نظركم على امل ان يموت هذا الشعب وينتهي وجوده تماما، كما يفعل الصهاينة عندما يظنون بان من الممكن إنهاء وجود الشعب الفلسطيني وإلغاء قدرته على الصمود واسترداد قدرة امتلاك إمكانية تغيير قواعد معادلة القوة بما ينسجم مع طبيعة الأمور ويحقق المعقولية في طبيعة النزاع من اجل الحياة الأفضل فمنطق قوانين الصراع القائم الآن لا يمكنه ان يستمر الى الابد، اذ لابد من تشمله رياح التغيير عاجلا ام اجلا.. وفي النهاية لا يصح الا الصحيح.
ان منطق الحياة العملية في السياسة الدولية كان ومازال وسيظل هو الطموح في التفرد المستقل المنعزل عن تفاعلات الأحداث العالمية وغير المنغلق امام التأثيرات الدولية المتبادلة، وغير البعيد عن مجال التعاون والتآزر الدولي لضمان امن وسلام العالم والعمل المشترك الفاعل لتحقيق ازدهار ورخاء البشرية ففي الوقت الذي يقترب فيه عدد دول العالم من 231 دولة، ظهرت إلى الوجود تكتلات دولية تعبر عن سيادة هذا الاتجاه في العالم حيث نلاحظ قيام كعدد كبير من التجمعات الاقتصادية الإقليمية التي تسعى الى الغاء الحواجز الكمركية في حدود نطاقها مع الإبقاء على الاسواق المشتركة وانشاء اتحادات جمركية ومن الأمثلة على ذلك نشير الى اتحاد البنلوكس الذي أقيم سنة 1948 بين دول أوربية وبلجيكا وهولندا ولكسمبورغ كذلك جماعة الفحم والصلب الاوربية التي اقيمت سنة 1952 بين بلجيكا وفرنسا والمانيا والسوق الاوربية المشتركة التي اقيمت سنة 1957، ومنطقة التجارة الحرة الأوربية هذا بالإضافة الى أقوى تكتل قاري موجود الآن وهو الاتحاد الأوربي، وهناك منطقة التجارة الحرة لأميركا اللاتينية فالاتحاد الجمرك والاقتصاد الافريقي لإفريقيا الوسطى والجماعة الاقتصادية لغرب افريقيا ومنظمة التجارة العالمية، ثم منظمة شنغهاي وغير ذلك كثير جدا مما لا يسع المجال للاسترسال فيها ولعلنا نتمكن من فرصة أخرى للحديث عن موضوع الأحلاف والتكتلات الدولية في العصر الراهن ومكانة العرب فيها.
المهم عندي الآن ولعله كذلك بالنسبة للآخرين في العراق وفي الكويت ايضا هو ان نتمكن من اختراق حاجز القصور والتقصير الناجم عن الارتهان المذل لمنطق مفلوج ينهض على الفعل ورد الفعل في دائرة تحرك صغيرة ومظلمة تدور حول البيضة من الدجاجة او الدجاجة من البيضة وأيهما أسبق!! الكويت عراقية، او ان الكويت للكويت، وبين ذاك، اموال تهدر وفرص تضيع وأنفس تزهق وفقر مدقع يتجذر وانتهاكات لقيم الجيرة واخلاقيات الاخوة ومفاهيم الدين ومثل العروبة. ان نتمكن من الانتصار على عوامل الشد الى التخلف والتبلد والتحجر تحت طائلة الفهم الخاطئ لما ينبغي ان يكون..