نعيش في العراق وفي المنطقة العربية مشكلة صناعة الرأي وهي من المشاكل المزمنة والمستعصية لطبيعة مولدات الثقافة التي تتصل بالعقيدة.
والعقيدة لم تدرس عالميا بسياقات موضوعية ومازالت رهن المصالح والأهواء.
ولكن ما غطى على ثغرات الثقافة في بعض جهات العالم وأطرافه هو الابتعاد عن الجانب العقائدي وتجنب الغوص فيه, والانشغال بالجانبين المادي والدنيوي والسعي لإصلاحه مما اكتسب رضا ظاهرا برغم وجود عيوب كبيرة وخطيرة ظن البعض بل الأكثرية أنهم غير معنيين بتلك الثغرات التي درجت ثقافة السلطة الزمنية أينما وجدت على التغاضي عنها ولم تدخلها في حساباتها فربحت هدنة زمنية , ولم تربح الحاضر المؤجل ولا المستقبل المنتظر.
وذلك لخسارتها مفهوم العقيدة ببوصلة السماء التي لا يمكن معرفيا تجاوزها في إطار مدركات العقل التي تظل حاضرة حضور الحياة في مرحلتيها – الأولى والثانية – الدنيا – والآخرة –.
ومن هذا المنطلق والمفهوم لا يمكن إلغاء “العقيدة” في وجدان الإنسان وتفكيره, ولكن يمكن تحويرها وتشويهها وهذا ما حدث قديما ويحدث الآن, ومقولة: “اجعل الآلهة إلها واحدا” هي من بناة العقول التي طغى عليها التراكم الوجودي المنشغل بالحس المادي المنفعل بالظواهر وغير الملتفت للبواطن التي تشكل مركزية مرجعية للإدراكات العقلية التي تقرأ الكون قراءة لا تنفك عن اللقاء الوجودي عبر مفهوم : الضوء والظلام, ومفهوم السعادة والشقاء, والحياة والموت.
والذين رجعوا إلى ما ربط على قلوبهم من وضوح المشهد الوجودي الزاخر بالحيوية التي تشتهيها مدركات العقول كان حالهم هكذا “وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا شططا “ – 14- الكهف .
فكان الرأي عند هؤلاء منسجماً مع مدركات العقل لذلك سجلوا موقفا تاريخيا عقائديا حقيقيا وصادقا, ودفعوا ضريبة قاسية من جراء ثباتهم على رأيهم .
ومن الذين انتصروا لمدركات العقل في صناعة الرأي كل من :
1- النبي الرسول نوح: “ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم “ – 76- الأنبياء –
2- إبراهيم النبي الرسول مؤسس مناسك الحج :” ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين “ – 51- الأنبياء –
3- النبي لوط :” ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث انهم كانوا قوم سوء فاسقين “ – 74- الأنبياء –
4- موسى النبي الرسول “ وهل أتاك حديث موسى “ – 9- طه- “ وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى “ 13- طه – “ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون “ -43- القصص –
5- السحرة الذين آمنوا بالحق وأصبحوا من ضحايا الرأي “ فألقى السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى “ – 70- طه –
6- داود وابنه سليمان وهما من الأنبياء “ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين “ – 78- الأنبياء –
7- بلقيس ملكة سبأ التي انتصرت لمدركات العقل السليم “ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين “ -44- النمل –
8- النبي محمد خاتم الأنبياء والمرسلين مؤسس مشروع الرأي النهائي “ قل يا أيها الكافرون * لا اعبد ما تعبدون * لكم دينكم ولي دين * -1- 2- 6- الكافرون – “ لقد رأى من آيات ربه الكبرى “ – 18- النجم – “ لتنذر قوما ما انذر آباؤهم فهم غافلون “ – 6- يس – “ والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير “ – 31- فاطر – “ قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد “ – 46- سبا-
ومن هنا أصبح الرأي مبنيا على الملاحظة والتجربة التي تشكل مفردة مهمة تستقبلها المدركات العقلية فتضعها في البناء الفكري ليتكامل مشروع صناعة الرأي آخذا بنظر الاعتبار كل العوامل التي تسهم في تشكيل المشهد المرئي والمحسوس والمدرك .
إن الإسقاطات التي تسربت إلى عملية صناعة الرأي من خلال كل من :-
1- عدم اعتماد الصدق والإخلاص في الرؤية
2- تغليب المصالح الشخصية والفئوية
3- الابتعاد عن قواعد البرهان في استخلاص المعرفة والميل إلى المشاغبة والجدل مع تغليب الخطابة المسهبة بالشك والريبة
4- التهرب من أصل العقيدة ومرجعيتها ذات الحضور الكوني المقدر لله بمفهوم “ ذلك الدين القيم “
ونتيجة لهذا الخلل البنيوي الذي أصاب صناعة الرأي وجدنا التشويش الحاصل على ذهنية الجمهور في المفاهيم التالية :-
1- مفهوم الدين والدولة
2- مفهوم الدين والسياسة
3- مفهوم المرأة والرجل
4- مفهوم الحقوق والحريات
5- مفهوم الفن والإبداع
6- مفهوم الرياضة والكمالات الجسدية
7- مفهوم اللذة والمتعة
ومن هذا الالتباس في المفاهيم الكبرى تمدد الالتباس والتشويش إلى كل من :-
1- الوطنية والخيانة
2- الوطنية والقومية
3- الفدرالية والكونفدرالية والوحدة والسيادة
4- المقاومة والممانعة
5- الثورة والتغيير والإصلاح
6- الجهاد والإرهاب
7- الصديق والعدو
ومن جراء ذلك التشويش أصبحنا لا نفرق بين الصديق والعدو وهو خلاصة التدمير المتعمد لمشروع صناعة الرأي, ولذلك نجد الانقسام في البرلمان والحكومة والأحزاب , بينما لا نجد هذا الانقسام في صفوف القاعدة الشعبية المغيبة, ومن هنا نجد التفجيرات الإرهابية تجتاح العراق والمنطقة مصحوبة بخطأ التبريرات, ونجد الفشل السياسي مصحوبا بانقسام الرأي مثلما نجد الفساد يجد فرصته بسوء الرأي الذي جعل الدولة يتيمة من الرعاية العقلية .