«بصمات عراقية»سوانح الماضي القريب

تحسب (الجغرافيا)على أنها أم التأريخ، كونها حاضنة- حافظة لمجمل مجريات ما جرى ويجري وسيجري من ظروف وأحداث وتحولات شهدها العالم مذ فتح عينيه للحياة، فيما يعد(التأريخ) -في الكثير من التقديرات- على أنه مجرد (وجهات نظرات) لأن من يكتبه هم المنتصرون، ممن يسعون لطمس الحقائق وفق أهواء مصالحهم، ولنا في محصلات الأنظمة الديكتاتورية ومخلفاتها من أنظمة منتقمة وثأرية ما يؤكد زعم ما ورد.

لكن… يبقى التنوع القيمي الشجاع الذي لا يستطيع أن يلغي المشتركات، يبرق ويومض -ولو بعد حين، بحياد نوعي وموضوعية واثقة- كي يضيء لنا عتمة دهاليز وممرات البحث عن نصوع الحقيقة وغايتها المثلى، كما فعل زميلنا الاعلامي المخضرم (عبدالله اللامي) في خضم كتابه الأنيق بطباعته وإخراجه الصادر حديثا بعنوان (بصمات عراقية)، حين أبصم بابهام وعيه مؤرشفا لنا وللأجيال القادمة -بالمعلومة والتنقيب ونوازع الحرص الأمثل- مواقف وجهود نخبة من رموزنا الوطنية التي أسهمت بـ(وضع لبنة فوق لبنة لبناء الدولة العراقية المدنية الحديثة التي ينشدها جميع أبناء بلدي العزيز …أنحني لهم اجلالا واكبارا) كما جاء في نص كلمات اهداء كتاب (اللامي عبدالله) الذي سبق وأن شغل منصب أول نقيب للصحفيين بعد احتلال العراق في حرب الربيع/نيسان2003، ليعد هذا الجهد نسقا وطنيا واخلاقيا في ثقافة الاعتراف بجهود وإسهامات شخصيات فاعلة ومؤثرة، شغلت حيزا كبيرا في رسم ملامح تأريخ ذلك الماضي القريب، والذي لم يكتب -للآسف- بالطريقة التي فطنت عليها ودرجت محاولات مرامي هذا الكتاب، بنهج كاتبه أو مؤلفه أو جامعه الذي حرص بشدة على شد أواصر الوطنية الحقة  والحاقها بروح نبض العراق عزيزا، أمنيا، معافى بعيدا كل البعد عن المحسوب والمنسوب من الأهواء والأغراض، بل جاء متدرعا بالحكمة وجوهر الحياد، متجاوزا كل الميول الحزبية الضيقة والايديولوجيات الأحادية والمعتقدات المغلقة بانحيازاتها سلفا، والتي كان من شأنها أن تثلم الهدف النبيل الذي سعت بالوصول اليه صفحات كتابه، وهي تتهجى حروف الانتماء للوطن بمعزل عن غرض أو مسعى لا يلامس أطياف وأحلام شعبنا في الكرامة والحياة.

  أحدى وثلاثون شخصية عراقية، حرثت بوجودها حقول تربة ذواكرنا… أينعت وترعرعت وعرشت في سفر انتمائها الوطني،دون أن نظفر بأي نفس حزبي أو عقائدي معلن وخفي ،حاول أن يجتاح نوازع (عبدالله اللامي) المعروف بجذوره القومية و نزعته الناصرية والتي أخلص لها منذ اكتوت مواقفه بجمرت السياسة، وتدفأت بنيران الصحافة قبل نصف قرن، فلم يفرق الكاتب بين شخصية وأخرى إلا في مكانة موقع الشخصية في المشهد الوطني والسياسي، من الزعيم عبد الكريم قاسم إلى أحمد حسن البكر، مرورا بالجواهري الكبير ومظفر النواب ويوسف سلمان (فهد)/ناجي طالب/رفعت الحاج سري/نزيهة الدليمي/مكرم جمال/عامر عبدالله شفيق الكمالي/حازم جواد/شمران الياسري(أبو كاطع)/سعدون حمادي/فؤاد الركابي/صبحي عبدالحميد/^براهيم كبة/وصالح مهدي عماش، وآخرون من طراز هؤلاء، وأولئك من الذين تركوا بصماتهم واضحة- ناصعة في سجلات تأريخنا الوطني بمساندة ضمير انحيازها الأهم…لعراق،على الرغم من عتمة (الواقعية المرة) التي عاشها في ظل ظروف خلت.