مكافأة تشجيعية

يصف المؤرخون العصر العباسي بأنه عصر المتناقضات الحادة، فبقدر ما كان عنوانا ً للنهوض الحضاري، كان بالمقابل عنواناً لتفشي الرذائل والسقوط الأخلاقي، فمن حركة بناء وعمران وفنون معمارية، وازدهار للشعر والموسيقى والترجمة، وعناية بالعلماء والأدباء، وانطلاق لمدارس الفكر والفلسفة والزهد والتصوف والفقه، الى انتعاش ظاهرة المجون والخمر والجواري والغلمان ومجالس اللهو العابثة، الى ظهور المئات من مدعي (النبوة) الذين مثلوا الخطر الأكبر على وحدة المجتمع وبنيته الدينية، بعد أن أصبح لهم من الرعاع والجهلة أتباع يؤمنون (بمعجزاتهم) ويأتمرون بأمرهم، وكان الخليفة العباسي (لعله المأمون) يخرج إليهم بنفسه، يحاججهم ويبطل حجتهم، ثم يعاقبهم بقسوة، حتى يقطع دابرهم، ويقطع دابر فتنة لا تحمد عقباها. 

من طريف ما يروى في هذا المجال، إن أحد أدعياء النبوة زعم لأتباعه إن معجزته (السماوية) تقوم على معرفته بهويات الناس جميعهم ومعرفة أسمائهم، بمجرد أن ينظر الى الواحد منهم ليقول له (أنت فلان ابن فلان، وأمك اسمها فلانة, وتسكن في المدينة الفلانية) ولهذا قصده المأمون بصحبة وزيره، وقد تنكر الرجلان وأخفيا شخصيتيهما بزي إعرابيين قادمين من البادية، ودخلا مجلسه بعد الاستئذان من الحراس والحاجب، وجلس الوزير الى يمينه والمأمون الى يساره، ويبدو إن الرجلين لم يتنكرا بما فيه الكفاية، فقد تعرف عليهما الحراس وأبلغوا (النبي) المزعوم إن من سيدخل عليه هو الخليفة ووزيره، ولهذا حين تحدث إليه المأمون، وإنه سمع بمعجزته وجاء ليؤمن به، سأله [ هل حقا ً تعرف من أكون ومن يكون صاحبي ]، نظر (المتنبئ) إليهما نظرة متأملة وقال [ الذي يجلس الى يميني – ويقصد الوزير- هو ابن زانية، أما الذي يجلس الى يساري فهو…] وأطلق المأمون ضحكة عالية، واغلق فم (النبي) قائلاً [لا تكمل فقد آمنت بك] لأنه خشي على أمه من صفة أسوأ وأقذع!! 

معلوم إن تراث الشعوب حافل بآلاف الحالات المماثلة، سواء من ادعى الإلوهية والنبوة، أم احتال بالسحر والشعوذة، أم اعتمد تزوير الشخصية والهوية، ويعد التزوير بأنواعه في عصرنا هو سمة المرحلة، والظاهرة الأخطر على المجتمع، مثلما كان دعاة النبوة يشكلون الظاهرة الأخطر على مجتمعاتهم في حينها، خاصة بعد أن امتد التزوير الى العملة والشهادة والهوية والبطاقة التموينية والموقع الوظيفي والرتبة العسكرية والمنشأ الصناعي والعلامة التجارية… الخ، والأمر المحزن حقا ً إن العراق أصبح وكرا ً لهذه العمليات التي بدأت تعلن عن نفسها في ظل النظام السابق، حتى شملت إجازة الجندي ودفتر الخدمة العسكرية، ثم اتسعت حالات التزوير وميادينه بعد الاحتلال بصورة لافتة للنظر، فمزورو الشهادات لم يعودوا بلغة الأفراد، وإنما بلغة الآلاف، بحيث لم يسلم منها مئات المرشحين للانتخابات البرلمانية، والذين يتقاضون رواتب لا يستحقونها من شبكة الرعاية الأجتماعية وصلت نسبتهم الى 50%، أغلبهم من موظفي الدولة الذين يتقاضون أجورا ً مجزية وغير ذلك من أنماط التزوير وصوره، لا يحصى ولا يعد.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في عمليات التزوير والاحتيال، إذ ليس من الصعب معالجتها والقضاء عليها بشيء من صرامة القانون وقوته، ولكن في كونها عرضه للاستشراء والتفاقم، لأن (العقوبة) نفسها، هي التي تشجع على الاستمرار والتمادي، لأن الموظف الذي يضبط بالجرم المشهود وسرقة المال العام مثلا ً، يعاقب بإعادة ما سرقه إلى خزينة الدولة، ويبقى في مكانه معززا ً مكرما ً، أما الذي يتكئ على ظهر وزير او حزب سوبر أو مسؤول فوق القانون، فيمكن ان يعاد النظر في عقوبته، ويستطيع الاحتفاظ بالمبلغ المسروق كمكافأة تشجيعية على تفانيه في العمل و…. وعفا الله عما سلف!!