عانى العراق -بوابة نهوض العالم منذ اندلاع أولى شرارات وعي الحضارة- من شتى أنواع التدخلات والغزوات والأزمات والحروب وملحقاتها وآثارها وظلالها التي خيمت عليه طوال عصور ودهور،حتى ليشعر المتتبع والمنتبه، كما لو أن ما حصل ويحصل،نوع من انتقام وتشف قابل ذلك العمق والامتداد والانفتاح، وإلا ما معنى أسباب ودواعي سلسلة تلك التدخلات وتوالي الحروب والأزمات، ولمن ينط بلسانه سائلا متسائلا… لماذا العراق؟ ولماذا هذا الغل المتكرر عليه؟ ولماذا لم تتعلم الأنظمة التي توالت على حكمه من أخطاء الماضي، كي تتفادى عبرتفويت الفرص على من يتربص، على الأقل كي تحافظ هي على نفسها بالبقاء في الحكم أكثر، لطالما وأن أغلبها كان يفكر بذلك -قطعا-؟!
أسئلة مفتوحة…لكنها -ربما- ستبقى مذبوحة بنصال تلك الأسئلة, وثقة من اكتشف ثمن تلك العلاقة القائمة على أن الانسان مجبول على الخطأ …وأن الغير أذكياء-كدت أقول(……) مجبولون، أو مطبوعون على التمسك بذلك الخطأ، دون أدنى اكتراث أو مجرد التعلم من صدق تلك الحكمة القائلة (كل ابن آدم خطاء… وخير الخطائين التوابون).
بون شاسع، واسع سبغ طبيعة حياتنا السياسية على مختلف أنواع الحكم في تأريخ العراق الحديث، ملكيا كان أم جمهوريا، دكتاتوريا أم شموليا، أم الاثنين معا، وصولا إلى العراق الديمقراطي التعددي وتداعيات ما وصلنا اليه بعد وصول شحنات ديمقراطية(مسلفنة) لم ننجح بعد في فك أغلفتها بعناية واجبة، وفهم تتبع سر ألغازها ومحاولات تحليل شفراتها بسعي رسم خط بياني لتبيان وضوح مياسم مساراتها ومعرفة أنها (أي الديمقراطية) تبرز بشكل تدريجي وتتقدم بشكل مستمر،لكننا والحق يقال، أننا لم ننجح – للآن- رغم مرور قرابة عقد من الزمن راح يفصلنا عن آخر قلاع ومصدات تطبيقاتها الواقعية، كما لو أننا- وهذا من باب النقد من أجل تجاوز ما صادفنا من أخطاء- لم نستطع أن نحمي -حكومة وشعبا- أغلب ما كنا نؤمن به ونحلم و نبغي، ولم نكن -صدقا- بمستوى تقدير قيمة ذلك الشيء الجوهري الحقيقي الذي تحقق، ولم نحقق على صعيد الواقع ما يوازي حجم الخسائر وأوجاع الانتظارات ولوازم الآهات وقوافل الأحلام والأمنيات، ومن يعيد شريط بعض تلك الذكريات،سيلمس كيف لم يفرق الكثير من الناس -آنذاك- ما بين قيمة معنى الحرية الحرة، وما بين ضياع الفرصة للتمتع بالحياة، و(ما بين المالك والمملوك ضاع التارك والمتروك) وهذا لعمري استعارة محسوبة لعنوان كبير لمسرحية رائعة من تأليف وإخراج الراحل الكبير (قاسم محمد) قدمها منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وجدته دالا وموحيا، لما أنا عازم على مناقشته -هنا- في هدوء أمل ما حلمنا وفوضى وضياع ما حصدنا…طوال عشر سنوات مرت..هكذا تساوت فيها -للآسف- شدة العتمة وشدة الضوء، فـ(الكثير من الضوء، مثل الكثير من الظلمة، كلاهما يحجب النظر) يا جماعة الخير.!!