العراق: المشكلات الحاضرة والحلول الغائبة

في العراق مشكلات مزمنة تتمحور حول طبيعة وسيكولوجية الإنسان العراقي الذي يختزن التاريخ بكل ايجابياته وسلبياته، فهو مسرح تاريخي يتصارع فيه الحدث وتتفاعل عنده الأرقام والأسماء والمواقع بصورة اشتباك يومي يفسد السياسة ويعطل الاجتماع فيؤدي الى تراجع الإنتاج، ولولا وجود الثروات الطبيعية لهلك الإنسان العراقي أو هاجر، ولكن العراقي لا يحب الهجرة وحالات الهجرة التي حدثت هي استثنائية يقف ورائها العامل السياسي. 

وفي العراق اليوم مشكلات مستجدة طارئة صنعها الاحتلال الأميركي مثل: 

1- مصطلح المكونات

2- مصطلح المحاصصة

3- مصطلح المناطق المتنازع عليها

ومن هنا اصبح المثل التالي الذي يشبه النكتة وتصويره هكذا: 

1- أمريكا تصنع المشكلة

2- روسيا توقد تحتها

3- أوربا تطبخها

4- إسرائيل تأكلها

5- العرب يغسلون الصحون 

وهذه المشكلات الثلاث الطارئة يمكن حلها ولكن بعد توفر ما يلي:-

1- حضور اهل العقل والخبرة وهم مغيبون الآن بقرار أميركي وبمؤازرة اصحاب المراهقة السياسية من ذوي الشهية للسلطة بلا حدود، ومن الأمثلة العملية لاستبعاد أهل العقول والخبرة هو خلو كافة مؤسسات الدولة والحكومة منها، وعندما انعقد مؤتمر نخبة المفكرين العراقيين في نهاية عام 2009 في فندق بغداد في بغداد وبدعوة من وزارة الحوار الوطني التي لم تنتج حوارا وطنيا لم يحضره رئيس الحكومة ولا أطراف من الحكومة، وعندما عقد مؤتمر في الأشهر القليلة الماضية باسم المؤتمر الثقافي وحضره رئيس الحكومة لم يكن فيه من المثقفين الذين ينطبق عليهم مصطلح المثقف صاحب القلم المعروف والإنتاج المنتشر والحضور اليومي بمواصفاته الاجتماعية والسياسية والفكرية، لذلك كانت الدعوات اغتيالا للثقافة وإسهاما في صناعة الأزمة.

2- استبعاد الحس الفئوي والعنصري والطائفي، وهذه هي عوامل الانفعال والتوتر الذي يؤدي الى الاشتباك في الحدث العراقي وأمثلته اليوم حاضرة تنقله الفضائيات بفجاجته وتكتب عنه الصحف دون أن تعلم خطورته.

وهناك مشكلات حادة لا تحتمل التأجيل والتأخير متمثلة في كل من:

1- تمدد ظاهرة الفقر والعوز، والقاعدة الاجتماعية العاقلة تقول: قبل ان تتفلسف يجب ان تعيش « وكان الامام علي بن ابي طالب يقول: عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يشهر السيف في وجه الناس. ووضع الامام الصادق أطروحة سبقت كل افكار الحداثة في التنمية البشرية عندما قال: « لولا الخبز لما صمنا ولا صلينا ولا أدينا الواجبات»، ثم قال: «ما للبيوت يحرم على المساجد».

2- تباطؤ الخدمات وانعدامها: ففي عالم يتنافس ويتفاخر بتقديم اجود واحسن الخدمات لا يمكن ان يبقى وضع الخدمات في العراق مشلولا مما يخلق ازمة حادة ويومية بين الحكم والناس، فعالم تتسابق دوله وشعوبه بالانتاج والنمو الاقتصادي، وتتنافس في ميدان البحوث والاكتشافات والفضاء والصناعة والزراعة والجودة، لايمكن ان يبقى العراق معزولا عن تلك الطموحات يعاني من قلة الانتاج الكهربائي وتهالك الشبكة الكهربائية وعدم صلاحيتها وهي حديث مهندسي وخبراء الطاقة الكهربائية مع كثرة الاموال المصروفة على الكهرباء دون مردود مقنع، مثلما لايمكن ان يبقى العراق بدون مطارات حديثة وطائرات حديثة، ولا يمكن ان يبقى العراق بدون موانئ مجهزة صالحة لاستقبال السفن والبواخر بمختلف الاحجام، ولايمكن ان يبقى العراق بدون سكك حديد صالحة وبدون قطارات حديثة، ولا يمكن ان يبقى العراق بدون سماء محمية، وبدون منافذ حدودية متطورة، مثلما لا يمكن للعراق ان يبقى يتعامل مع مواطنيه بهذا اللون من التعامل الجارري في دوائر الجوازات والجنسية وشهادات السوق ونقل وتسجيل ملكية السيارات التي لا تنتمي لروح العصر والحكومة المنتخبة، ودوائر التربية والصحة ودوائر العقار، ودوائر المحاكم، ومكاتب تحقيق النزاهة، وهيئة دعاوى الملكية، حيث اصبحت هذه الدوائر أماكن لصناعة معاناة المواطن وتهميشه وإيجاد حاجز نفسي بينه وبين الدولة والحكومة وهو من ارث الحكومات السابقة التي كفر بها المواطن العراقي. 

3- الرشوة: تكاد تكون الرشوة ظاهرة مألوفة في المؤسسات والمصالح حتى لتكاد ان تكون عرفا يتعاطى به الكثير من الناس. 

4- المحسوبية: التي اصبحت بنتا شرعية للأحزاب والكتل السياسية والحكومة والحاضنات الاجتماعية الاخرى وهي معروفة، ومن الأمثلة العملية على ذلك وجود ابناء وأقرباء الرؤساء والوزراء وأعضاء مجلس النواب ومجالس المحافظات والمحافظين والمدراء العامين وقادة الفرق ومدراء الشرطة كل أبناء واقرباء هذه الفئات تنتشر في دوائر ودواوين الدولة التي يديرها اولئك المسؤولون. 

5- البطالة: تكاد تكون ظاهرة 

تقض مضاجع الشباب وعوائلهم وتفتح امام البعض منهم ميلا للانحراف والممارسات المخلة بالاجتماع الذي يتطلب إصلاحه كثيرا من الوقت والمال. 

هذه هي المشكلات الحادة التي لا تحتمل التأخير والتأجيل، فاذا اجتمعت هذه مع المشكلات الطارئة شكلت استعصاءً يواجه الحلول ويضاعف من كلفتها، وعندما تلتقي هذه المشكلات المزدوجة من طارئة وحادة مع المشكلات المزمنة التي توارثتها الشخصية العراقية وأصبحت جزءاً من تاريخها وارثها عندئذ نكون أمام تحد يواجه الجميع، فهو لا يخص الدولة بهيئتها ولا الحكومة بتشكيلاتها، ولا الأحزاب بتنظيماتها، ولا العشائر بولائها، ولا المرجعيات الدينية بمذاهبها وطوائفها .

اننا نجد اليوم في العراق المحاصر بكل هذه المشاكل والتي من اخطر نتائجها الانقسام والتقسيم والاختلاف الحامل لبذرة النزاع الذي تتطاير منه شرارة الحقد والكراهية، امام هذا الواقع المؤلم لانجد فريقا من العراقيين يتميز على غيره بصواب الطرح، وموضوعية الموقف، فالكل يشكو من الكل، والكل يرمي غيره بكل التقصير وينأى بنفسه عن المشكلات التي تؤرق المواطنين.

والكل يشارك بصناعة وتأجيج النعرات الطائفية، والكل يشارك في الفساد بكل أنواعه، والكل يشارك في انحدار البلد نحو التقسيم، نعم هناك تفاوت في النسب.

لهذا السبب: أصبحت المشاكل حاضرة ومتراكمة، يقابلها عجز في الحكومة واضح، وترهل في الدولة فاضح، فبعد عشر سنوات من التغيير، لم تكتسب الدولة إلى الآن مواصفاتها القانونية، فهي مازالت تحت الفصل السابع مما يجعل هيئات الأمم المتحدة في العراق تحظى بحضور يتفوق أحيانا على حضور الدولة ولازالت الدولة غير قادرة على ما يلي:

1- السيطرة على التحويل المالي بيسر وسهولة كما يحدث عند الدول الأخرى.

2- عدم القدرة على نقل وتحويل البريد الدولي والمحلي .3- عدم القدرة على امتلاك الفضاء وتسيير الرحلات الجوية الى حيث تريد ضمن ضوابط وتعريف النقل الدولي .4- عدم القدرة على السيطرة على المنافذ الحدودية.

5- عدم القدرة على اجراء التعداد السكاني العام .

6- عدم القدرة على حماية مواطنها من إجراءات الاقليم غير الدستورية وتخرصات بعض مجالس المحافظات تجاه خطة الاعمار واموال الموازنة العامة فيما يخص تنمية وتعمير الاقاليم. 

وتجاه هذا التراكم الخطير للمشكلات في العراق ومعرفة أسبابها، تبقى الحلول غائبة او مغيبة، ولهذا كانت صرخة الشاعر العراقي احمد مطر تدوي عندما قال:

انا ضد امريكا إلى أن تنقضي

 هذي الحياة ويوضع الميزان