وداعاً معلمي …وداعاً.. محمد علي الخفاجي

صعقني خبر وفاة الشاعر الكبير (محمد علي الخفاجي) عبر رسالة نصية بعث بها الناطق باسم الاتحاد العام للأدباء والكتاب الزميل المثابر الشاعر (إبراهيم الخياط ) يهيب بأعضاء الاتحاد لحضور تشييع جثمان الراحل تمام التاسعة من صباح يوم الثلاثاء (18/كانون الأول الجاري) من مبنى الاتحاد قرب/ ساحة الأندلس ببغداد التي أحب، حسب وصية تركها هذا الشاعر الكربلائـي، أراد فيها أن نودعه منها إلى مثواه الأخير ….. ليس مفاضلة عن كربلاء المقدسة حيث ولد ودرس وعاش، بل صدق انتماء للحبيبة التي رعت وروت وغمرت بمياه حبها الحاني روح أعشابه البرية… روحه المخضبة بماء ورد الشعر، والمدهونة بمراهم الوجع والهيام بكل ما يمت للجمال والدلال والشباب بصلة عشق، ووشيجة احتراق عذب… مذاب بنقاء ينابيع (الخفاجي محمد علي) هذا الذي كحل عيني بـ(مرود) الشعر، بعيدا عن نصوص درس المطالعة، حين (درسني) بداية سبعينات القرن الفائت… سحر اللغة العربية، يوم كنت طالبا في الصف الأول- ثانوي في متوسطة الجزيرة للبنين في منطقة المشتل/ بغداد الجديدة، من هناك …. من فجر ذلك الاعتناء بمواهب كانت ولم تزل تحبو في محراب منجزات وعطاء هذا الأب والصديق العذب، الذي كنت قد أرخت يوم ميلادي (الشعري) من خلال حرصه وتوجيهه لي، حين تطاولت على كتابة (خرابيط وشخابيط)، أظنها خواطر مشوشة توهمتها شعرا، فتقدمت بها -بشقاوة مغامر وعناد مراهق لم يفكر أنه سيخسر شيئا أن تجرأ على نسج قصيدة بائسة… يائسة… تفحصها معلمي/مدرس اللغة العربية- في متوسطة الجزيرة- تارة باستغراب وأخرى بعين الرضا الشاحب وشجاعة التشجيع الواجب من قبل المربي (الخفاجي) الذي لم أكن أعرف أنه شاعر، فقد ربت على كتفي،ثم أهداني – في اليوم التالي،بعد نهاية الدرس- نسختين من ديوانه الأول (شباب و سراب) وديوانه الثاني بعنوان (لم يأت أمس.. سأقابله الليلة) وكتب في مستهل الصفحة الأولى، بعد الغلاف هذه الأبيات، وهي للشاعر التركي (ناظم حكمت) تقول:

   -(إن أجمل أطفالنا …. ذلك الذي لم يولد بعد/ وأن أجمل البحار…. تلك التي لم نرها بعد/ وأن أجمل الكلام…. ذلك الذي لم نقله بعد!)

 أتراني أكتب سطورا شخصية عن رحيل هذا المعلم/ الأب والصديق الأحب.. معلم -بحق ورفعة- وعلى طريقة (أفلاطون)؟ أم أحاول أن أنسج مجرد عمود رثاء، لا يتعدى بأن يجهش بالحب والشوق لمن كان يضيء لنا الدرب داخل الصف وخارجه؟ أم أعيد ترتيب قراءة خارطة الوعي بالشكل الذي يتناسب مع من منحنا هذا الوضوح والاعتداد بفكرة الجمال والوفاء لهذا الحد، الذي جعل من روح الشاعر ترفرف لتلامس أرواح الأحبة، وأن تحلق كي تستنشق هواء بغداد ملء رئتيها، ثم تعود الى  تراب كربلاء المقدسة بخشوع وجلال من كتب وخص شهيدها المهيب…مهابة الموت نفسه، عني مسرحية (محمد علي الخفاجي) سطعت باسم بهي هو (ثانية يجيء الحسين) وغيرها من أعمال ودواوين وسمت اسم معلمي بالمجدد والجريء..لمن..لمن بعدك سأقول وداعا ؟!